منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من الخصال المدمرة للعمل الدعوي الجماعي

1
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب كثير من فقهاء الدعوة الإسلامية ومنظريها عن الصفات المتعارضة مع العمل الدعوي الجماعي وما أكثرها، وعن الأخطاء التي يجب تفاديها لكي تتحقق غاياته ولا يغرق في الفشل وما يستتبعه من ردّات وهزات قد تودي بالمشروع الدعوي برمته. وما يزال كثير من هؤلاء يؤكدون على وجوب تطهير العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، خاصة المنتمين الى مشاريع جماعية منظمة، وتربيتهم على حميد الخلال وجميل الخصال وتجنيبهم سيّئها لئلا تؤثر سلوكياتهم على سيرورة مشروعهم وتَطَوُّرِه. وأكثر الفئات المعنية بهذه التوجيهات وتلك التربية هم القادة والمسؤولون بمختلف رتبهم ومواقعهم، إذ الأمر في حقهم أأكد وأوجب. فَمِنِهُم يستقي الأعضاءُ ومنهم يتشربون وبهم يقتدون ومنهم يستمدون المعاني وإليهم في معظم شؤونهم يرجعون، فهم القدوة والأسوة.

وحين نتتبع الخصال التي يجب على الدعاة التحرر منها والابتعاد عنها نجدها وفيرة غزيرة، بعضها خطير ومدمر للعمل الجماعي وبعضها يصيب أذاه العاملين أنفسهم وبعضٌ منها يدعو للتنزه عن الاتصاف به إذ لا يليق بأصحاب الأذواق الرفيعة والمقامات الخلقية البديعة أن يقتربوا منها. وفي هذه المقالة الموجزة سأقصر الحديث على واحدة من أفظع هذه الخلال التي أعتقد أن ضررها على العمل الدعوي والمشروع الإسلامي خطير بل ومدمر إن لم يتم الانتباه لها والتخلص منها. هذه الخصلة هي “الشخصنة” وهي ابتلاء يصيب عددا كبيرا من العاملين للإسلام ويطال شرها المشروع الدعوي برمته وفي مسيرة الحركة الاسلامية وتجارب الجماعات الدعوية شواهد تاريخية كثيرة على ما نقدم. وسأسلط الضوء في هذه المقالة على دلالتها وأسبابها وكذا مخاطرها ثم طرق التعاطي معها ومقاربتها.

يعتبر مفهوم الشخصنة من المفاهيم الحديثة التي لم تكن رائجة في السابق، رغم أن الحديث في مضامينها وأعراضها وأسبابها ومظاهرها كان حاضرا لدى كثير من العلماء والمربين من قبل. ويحمل هذا المفهوم دلالتين أساسيتين، أولهما الحكم على تصرفات الناس أو أفكارهم من مُنطلق شخصيّ أو وفق رؤية شخصيّة، ويُقال في اللغة العربية شَخْصَن الفكرة؛ أي شرحها من وجهة نظره الشخصيّة، أو أعطى الأمر صبغةً شخصيّة. أما المعنى الثاني فيتحدد في اختزال المؤسسة في شخصية قيادية فيها بحيث يصبح هو المصدر الرئيس والوحيد للقرار في كل المستويات دون مراعاة للعمل المؤسسي ولا للقواعد الإدارية أو القانونية. أما في مجال الدعوة فالشخصنة تعتبر ربطا للدعوة بشخص الداعية القائد أو المسؤول، وعدم الفصل بينهما في المواقف والتصورات والإجراءات.

وقد وثق القرآن الكريم هذه الخصلة السيئة ونسبها لأول من اتصف بها وهو إبليس اللعين حين تمرد على أمر الله جل وعلا بالسجود لآدم عليه السلام وقال قولته المشهورة: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (سورة الأعراف الآية 12). فكان هذا السلوك المتكبر من إبليس الذي جعل مسألة السجود قضية شخصية بينه وبين آدم عليه السلام مدخلا أساسيا لطرده من رحمة الله واستحقاق اللعنة الأبدية. وهو نفس المنطق الذي حكم تصرف الكفار في كل الأزمان حين استكبروا وعتوا ورفضوا الإذعان لدعوة الحق والإقرار به وشخصنوا علاقتهم به. وقد أنكر الله عز وجل عليهم ذلك وجعله سببا لضلالهم وهلاكهم فقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا ۚ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (سورة التغابن الآية 6).

 

المزيد من المشاركات
1 من 82

وهذه الخصلة الذميمة قد تكون أيضا بابا يُجْهِزُ، من خلاله، الشر العظيم على العمل الدعوي والجماعة المجاهدة. فحين تنزاح الدعوة إلى الله تعالى عن الإخلاص والتجرد للمولى عز وجل وحين يرتبط أبناؤها بالأشخاص ويرتخون في ولائهم لمنهاجهم يتسلط عليهم الأدعياء ويخترقهم الأعداء. فالدعوة إلى الله عز وجل سماوية في طبيعتها علوية في غاياتها ووسائلها وخصالها، غَرَضُها الرئيس دلالة الخلق على الخالق وليست تنافسا بشريا على حصد الأتباع وتجميع الموالين ومنافسة الأقران. ورصيد الدعاة إلى الله مستمد قربهم من ربهم وحظهم الوافر من طاعته والإخلاص لجنابه العظيم وسلاحهم المؤثر هو أخلاقهم وحسن سيرتهم في الخَلْق وصدقهم في موالاة الحق وليس الكلام المنمق أو العبارات الساحرة المصطنعة أو أخلاق النفاق.

ومن أخطر تجليات الشخصنة في الممارسة الدعوية إعجاب القائد أو المسؤول بذاته واعتداده بخصائصها إلى حد الغرور والحرص على الظهور، وهو ما اتصف به الشيطان الرجيم حين قال : ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (سورة الأعراف الآية 12). هذه الخصلة القبيحة تؤدي بصاحبها إلى ازدراء الآخرين والتنقيص من كفاءاتهم وقدراتهم بل إقصاءهم عن مواقع التأثير وحرمان الدعوة من الاستفادة منهم. كما تجعل العمل الجماعي متمحورا حول شخصية القائد الفذ والمسؤول العبقري وليس حول الأهداف والغايات المسطرة، أي سيادة المنطق الفردي وغلبته على المنطق المؤسسي. وينتج عن هذا السلوك ربط مصير المؤسسة بمصير شخصية المسؤول وتسقيف الأداء المؤسسي بسقف إمكاناته الفكرية والتربوية والحركية. وحين تغلب الشخصنة في الجماعة الدعوية تسود أخلاق المحاباة والمجاملة ويغيب النقد البناء والنصيحة الصادقة وتتعطل الكفاءات وتضيق مساحة المبادرات ويصير المبدأ المتحكم في التعيين في المسؤوليات هو القرابة والعلاقة الشخصية والموالاة.. وهذا ما ينحدر بالأداء الدعوي إلى مستويات دنيا. وقد يصل الأمر بالشخص المستعلي وأتباعه إلى احتقار ما حبى الله عز وجل به غيرهم من الدعاة من خصال وقدرات وازدراءهم وتشويه إنجازاتهم وتسفيه جهودهم الدعوية والهجوم عليهم بدون مبرر معقول بل قد يتطور هذا الموقف إلى الحقد والغيرة المرضية. وكثيرا ما أدت الشخصنة إلى نشوء الخلافات بين أبناء نفس المشروع الدعوي تبعثرت بسببها الجهود وأُهدرت الطاقات في ما لا طائل من وراءه وفُقِدت الثقة في المشروع لدى المنتسبين إلى الجماعة الدعوية بل لدى عامة الناس.

ويمكن إجمال الأسباب الرئيسة لهذه الظاهرة المرضية الخطيرة في خمسة هي:

1ـــــ ضعف الأساس التربوي الذي ينمي خصال الإخلاص لله عز وجل وحده والتجرد له سبحانه والحرص على طلب وجهه الكريم والتقرب لجنابه العظيم بكل عمل تعبدي أو جهادي أو غيره.

2 ــ ظروف التأسيس والتعلق بالقيادة التاريخية وكثرة إطراءها والمبالغة في مدحها وتضخيم رمزيتها ودورها إلى حد يجعلها مُنَزّهة عن النقد ومترفعة على المحاسبة. وقد يصل الأمر إلى حد    التهويل المعيب من خطورة غياب هذه القيادة المؤثرة أو التهوين من كفاءات البديل المتوقع.
3- المكانة الاجتماعية أو العلمية أو نحوها للشخص المسؤول.
4- غياب قوانين منظمة للعمل وضابطة للسلوك الفردي والجماعي يتم اللجوء إليها عند الضرورة أو تعطيل العمل بها.

5- عدم الوقوف الحازم على القدرات المناسبة للمسؤولية أو المهمة وضعف التدقيق في الكفاءات المطلوبة في اختيار المسؤولين أو تعيينهم والاقتصار على مكانتهم الشخصية أو ماضيهم الدعوي.

أما تطبيب هذه العلة فيفرض التعاطي معها في مستويين وقائي وعلاجي. فالوقاية كما يقول الحكماء خير من العلاج، وكل مسؤول أو مرشح للمسؤولية في الجماعة الدعوية، بل في كل المؤسسات، مؤهل بقوة للإصابة بهذا الداء ما لم يكن ملقحا ضد أسبابه ومحصنا من عوارضه. فالتعامل بالأساس يجب أن يتخذ بعدا تربويا خالصا من خلال تعميق الولاء لله عز وجل وترسيخ الارتباط به في كل وقت وحين واتقاء سخطه جل وعلا والخوف من غضبه ومقته على كل الأحوال وذلك بمراعاة حرماته والابتعاد عن مواطن الشبهات والتنزه عن رذائل النيات والأقوال والأفعال والأذواق والصفات. وليث شعري كيف تتحقق هذه الغايات للفرد المعادى من شياطين الانس والجن إن أوكل لحوله وقوته ولم ينعم بصحبة راشدة صالحة وجماعة محتضنة حانية؟ إنها لعمري في هذه الحالة لمجرد أماني معسولة وسراب سرعان ما ينقشع عن أسوء السلوكيات وأبشع التصرفات. فإن أُغْفِل الأساس التربوي أو تراجع الاهتمام به في سلم الأولويات فقد فتح الباب مشرعا على كل الرذائل والنقائص في شخصية الفرد وسلوك الجماعة.

كما يقتضي التعاطي الوقائي مع ظاهرة الشخصنة تقوية العمل الجماعي من خلال أداء الفريق وسيادة منطق العمل المؤسسي بوجود أهداف مسطرة للعمل وتوزيع دقيق للأدوار والوظائف بين أعضاء المؤسسات وتقوية أواصر المحبة والتقدير بينهم وتفعيل قواعد الشورى واعتبار الانسجام الجماعي والأداء المؤسسي معيارا أساسيا للنجاح. يضاف إلى ما سبق الحرص على التأهيل المستمر لقدرات الأفراد وتطوير إمكاناتهم في العمل المؤسسي والتشجيع على النقد البناء والنصيحة الخالصة لله ورسوله والمؤمنين.

أما المقاربة العلاجية لظاهرة الشخصنة فتقتضي من الجماعة الدعوية التحلي بالشجاعة في التعاطي مع علاماتها والحزم في اتخاذ القرارات الصائبة والحكيمة في معالجتها. وقد يتم الأمر بإحدى وسيلتين إما بالنصح والتوجيه طمعا في تعديل سلوك المعني وتطهره من أذى العلة التي ابتلي بها وتغيير تصرفاته ونظرته للعمل. وإما يقتضي الأمر اللجوء إلى مشرط الجراح الذي يزيل العضو الفاسد حتى لا يتأثر سائر الجسم بفساده ولا يتعداه إلى غيره من الأعضاء. فقد يتطلب التعامل مع بعض الأشخاص الذين تضخمت ذواتهم بصورة مستعصية على العلاج إعفاءهم من مهامهم أو إلغاء عضويتهم في الجماعة ككل. ففي الأوقات الحرجة يكون من الحزم الواجب التضحيةُ بالمسؤول في مؤسسة حفاظا على البناء ككل وإعطاءً للعبرة بإمكانية ذهاب الشخص وبقاء المؤسسة واستمرار العمل. لكن الشرط الأساس للقيام بمثل هذه الخطوات هو استنفاذ كل إمكانات الإصلاح ومراعاة القوانين الداخلية المؤطرة لعمل المؤسسة وقبل ذلك وبعد إخلاص النية لله عز وجل والتنزه من حظ النفس أو الهوى والنصح لله ورسوله والمؤمنين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
تعليق 1
  1. عمر يقول

    مقال جيد جدا. اود اضافة بعض النقاط لكي تكون محاور تعطي للمقال اكثر شمولية باذن الله. النقطة الاولى وهي من اسباب تفلث الشخصنة وعربدتها هي ضعف شخصية المحيطين بالمسؤول الغالب المستعصي المغلوب على امره. بحيث قد يكون هذا المرض مرض الشخصنة للمسؤول هم من جعلوه يناى بجانبه ويتاله ويتامر. ” كيف وجدت الامارة…قال كنت احمل واوضع” من حديث المربي خير البرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان قرانا يمشي. كما ان الاتكال على المسؤول والتواكل عليه اذ لم يكن هو من يعمة كل شيء ولا يفوض واذا فوض يضل قاءما يصفع ويلذغ وينتقذ. المراة الحادكة بناتها يكن مخموجات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.