منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ملامح المنهج التربوي عند أهم مدارس الفكر التربوي الإسلامي (2)

0

ثانيا: مدرسة علماء الكلام

إن علم الكلام لم ينشأ في الإسلام نتيجة سبب بعينه، وإنما هو نتاج أسباب متضامنة، وعوامل متضافرة اقتضت وجوده على الصورة التي نراه عليها في تاريخ الفكر الإسلامي، فهناك عوامل منبعثة من داخل الجسم الإسلامي ذاته كالخلاف حول بعض النصوص الدينية، مما أفضى إلى الاختلاف في وجهات النظر حول تفسير العقائد الإسلامية، والخوض في مشكلات عقائدية نظرية لم يعرفها الرعيل الأول المسلمين، وكالخلاف السياسي الحادث حول مسألة الإمامة، إذ في أعقاب الفتنة الكبرى التي وقعت بين علي ومعاوية – رضي الله عنهما -، تحول الصراع المسلح بعد أن وضعت الحرب أوزارها، إلى صراع فكري – سياسي وديني -، وهو الخلاف الذي أدى إلى ظهور الفرق، وهناك عوامل وافدة من خارج الجماعة الإسلامية، ساهمت بشكل غير مباشر في بزوغ علم الكلام وازدهاره وذلك مثل الالتقاء بحضارات وديانات وعقائد أخرى.

وتدور أبحاث هذه المدرسة حول العقائد الإيمانية مثل الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ويتضمن العلم الذي يبحث فيه أصحابها “الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد”(1)، وبالتالي فإن علم الكلام نشأ أول ما نشأ للدفاع عن العقيدة ودفع الشك عن الدين وحمايته، بأساليب جديدة دخل فيها النظر العقلي والكلام المنطقي، والمناظرة والجدل، ثم ما لبث أن تحول إلى أداة تستخدمه الفرق والطوائف والتيارات للدفاع عن آرائها واتجاهاتها، وبعد أن كانت أدلته عقلية في خدمة عقائد القرآن وآياته أصبح القرآن وآياته أداة في يد تلك التيارات والفرق والطوائف تطوعه لنصرة مذهبها واتجاهاتها، الأمر الذي جعل طوائف غير قليلة من العلماء ولا سيما أهل الحديث والفقه ترفضه وتشكك في جدواه، وناصبوا للمتكلمين العداء وتصدوا لهم يفندون

آراءهم ويردون عليها.

و “تلتقي المدرسة الكلامية في كثير من منطلقاتها مع المدرسة الفلسفية، لا سيما أن المتكلمين يهتمون بفلسفة التعليم أكثر مما يهتمون بالتعليم نفسه. وفلسفة التعليم تتصل بفهم الإنسان المتعلم، وهو ما يحيل إلى علم النفس والطبيعة البشرية، ثم عن التعليم بما يحيل إلى نظرية المعرفة. وعلى الرغم من أن كثيرا من المتكلمين هم في الأساس علماء في الفقه، لكن كلامهم يهدف إلى نصرة الدين، في حين يهتم الفقهاء باستنباط الأحكام العملية”(2).

المزيد من المشاركات
1 من 36

وسوف يكتفي الباحث في الحديث عن هذه المدرسة، بجملة من النصوص المباشرة حول التربية والتعليم للقاضي عبد الجبار الهمذاني المتكلم المعتزلي، وطرق التدريس المعتمدة عنده، والقواعد التي اعتمدها في تنمية الإبداع والموهبة لدى المتعلم، وكل ذلك مستنبط من الإسهامات التربوية والأفكار التعلمية التي عرضها في بعض مؤلفاته، والتي تعكس حقيقة دوره البارز في التأسيس للفكر التربوي والذي لا يقل أهمية عن دور أي من مفكري التربية المعاصرين. ونأمل أن نبرز شيئا مما قدمه هذا العالم الجهبذ من نظريات معرفية وتربوية، فهناك الكثير ممن لا يعرف القاضي عبد الجبار والدور الحقيقي الذي قام به في التاريخ الإسلامي والدفاع عن الإسلام.

ونحن نذكر الجوانب التربوية للقاضي عبد الجبار، فلا بأس أن نعرض نبذة يسيرة عن هذا الإمام العالم الفذ، فارس المعقول والمنقول، “القاضي عبد الجبار بن أحمد بن خليل بن عبد الله الهمذاني الذي ولد حوالي 325ه/ 936م، والذي اتفقت كلمة القدماء والمحدثين على أنه من أشهر العلماء والفلاسفة في عصره وهو شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف، ومن كبار فقهاء الشافعية، وقد ترك عددا كبيرا من المؤلفات بلغت في مجملها تسعة وستين مؤلفا، منها شرح الأصول الخمسة، كتاب ضخم سماه المغني، وله في مجال التفسير وعلوم القرآن الأدلة في علوم القرآن، وبيان المتشابه في القرآن، والتفسير الكبير، والتفسير المحيط، وتنزيه القرآن عن المطاعن، وفي مجال الحديث والسيرة نظم الفوائد وتقريب المراد للرائد، وتثبيت دلائل نبوة سيدنا محمد، وفي مجال الوعظ والإرشاد آداب القرآن، نصيحة المثقفة، وفي مجال أصول

الفقه الاختلاف في أصول الفقه، أصول الفقه، شرح العمد، العمد، مجموع العهد، النهاية، وله الاختبارات في كتب الفقه الشافعي، وتكملة الجوامع، تكملة الشرح، تهذيب الشرح،      المجمل، جوابات مسائل ابن رشد وغيرها الكثير من المؤلفات”(3).

ورغم الجهود التي بذلت وتبذل في مجال البحث بالتراث التربوي الإسلامي، إلا أن هناك ندرة في الدراسات التي تناولت الفكر التربوي عند القاضي عبد الجبار الهمذاني.

  • جملة من نصوصه المباشرة حول التعليم

قال في كتابه المغني، بهدف بيان حقيقة العلم والمعرفة :”اعلم أن العلم هو المعنى الذي يقتضي سكون نفس العالم إلى ما تناوله، وبذلك ينفصل من غيره، وإن كان ذلك المعنى لا يختص بهذا الحكم إلا إذا كان اعتقادا معتقده على ما هو به واقعا على وجه مخصوص”(4).

وقال :”ولا يأمن إذا نظر أن لا يؤديه ذلك إلى التخلص، لأن عندكم أن النظر في باب الدنيا لا يوجب العلم، وإنما يحصل عنده غالب الظن، ويجوز عند ورود الخوف من كون السبع في الطريق أن لا يكون له أصل، ويجوز أن يتحمل المشقة في السؤال والنظر فيزيده ذلك سوءا إلى غير ذلك، فكيف يجوز فيما هذا حاله أن يجب عليه… “(5).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

وقال :”وبعد، فإن هذا العلم على ما بيناه وإن كان مكتسبا فلا بد من وقوعه، لأن الدواعي تقوى في فعله، فتحل محل الضروري، أو الفعل الواقع من الملجأ في هذا الباب… فإن قيل :لا بد أن تجوزوا من العاقل في هذا العلم ألا يختاره على بعض الوجوه، لأن كونه مكتسبا يوجب ذلك فيه، وإذا صح منه أن لا يختاره فلو لم يختره أكان التكليف يثبت أم يسقط، فإن قلتم يثبت حكمتم بثبوته مع زوال شرطه، وإن قلتم لا يثبت حكمتم بزوال التكليف… “(6).

وتحدث في إبطال القول بأن حقيقة كل شيء ما يعتقده المعتقد، وأن ما يدرك بالحواس هو بمنزلة ما يظنه النائم مما يراه في نومه، وأن ذلك مختلف فيه كما اختلفوا في العقليات، قال : “وبعد فإن الحواس لا تتناول كون الشيء صحيحا أو فاسدا، وإنما يدرك بها الشيء على ما هو عليه لذاته ويعلم عند ذلك كونه موجودا، لأن صحة الشيء لا ترجع إلى نفسه، ولا لصفة النفس به تعلق”(7).

وتحدث عن طرق العلوم الضرورية والمكتسبة، وأن العلم بالمشاهدات ضروري، وإنما ينتفي بالسهو، أو ما يجري مجراه، فقال :”وقد يعلم العاقل متى علم الشيء الذي يدرسه حالا بعد حال، ترتيبه ونظامه على وجه يكون العلم به حفظا يمكنه معه أن يؤديه مرتبا، إن كان علم الكلام قادرا، وكذلك قد يعلم الصنائع عند علمه بتعاطي الصناع لها وممارستهم ذلك، فيصير ذلك العلم ثابتا في قلبه وعلى وجه يمكنه فعل مثل ما فعلوه، ويجري ذلك مجرى الحفظ على ما قدمناه، فكل ذلك ضروري”(8).

وتحدث عن اختلاف مراحل التعليم عند المعتزلة، ومميزات كل مرحلة، ومما قاله في ذلك: “واعلم أن البليد والمبتدئ لو ساوى المتبحر في العلم، لوجب أن يتفقا لا محالة في المعرفة، وكذلك في سائر ما سأل عنه، وإنما يختلفان لأنهما يفترقان فيما نحتاج إليه في النظر، كما أن المتبحر في التجارة والسياحة، يصح منه ما لايصح من المبتدئ لفضل عليه، والذكي فيه يفارق البليد، لأن هذه الأمور يحتاج فيها إلى استعمال الآلات، والواحد منا يحتاج إلى بصيرة وتكرير كثير لاستعمال الآلة… “(9).

وتحدث عن أن جميع العلوم يجب أن تكون موجودة في مجموع أبناء الأمة، ولعل هذا ما يعني عنده فرض كفاية في العلم، يقول: “إن جملة العلوم يجب أن تكون محفوظة في الأمة، وإن تفرقت في العلم، ليصح أن يظفر بها من يطلبها من أهل العلم، فأما وجوب حصول ذلك في واحد معين فغير واجب، لأنه لا فرق بين أن يوجد مفترقا في صحة التوصل إليه أو مجتمعا عند واحد، وإنما يجب أن لا يفوت الأمة جميع علوم الشرائع”(01).

وقال في كتاب ‘المجموع في المحيط بالتكليف’ في إثبات النظر وبيان أحكامه: “اعلم أن النظر الذي نريد إثباته ها هنا إنما هو الفكر، والكلام في إثباته معنى مبني على ما يجده أحدنا من الفصل بين أن يكون مفكرا وبين أن لا يكون كذلك، ولا عاقل إلا ويفصل بين حالته في كونه مفكرا أو لا يكون كذلك، بل يكون عالما أو مريدا، أو معتقدا… “(11).

وتحدث عن كيفية توصل المكلف إلى العلوم، فقال: “اعلم أن العلوم على ضربين: أحدهما يدخل تحت التكليف والآخر لا يدخل تحت التكليف، وهذا الثاني هو الذي يعبر عنه بالضرورات، وكمال العقل داخل فيها، ولا يتم تكليف الله تعالى لما يكلفنا من المعارف إلا عند تقدم بعض الضروري الذي هو العقل، فما لم تزح علة المكلف بذلك لم يجز تكليف العلم، كما لا يجوز تكليف العمل، فإذا صار العاقل عاقلا أمكنه أن يتوصل إلى تحصيل المعارف بوجهين: أحدهما عن طريق التوليد وإيجاب الأسباب لمسبباتها، وليس ذلك إلا لمن تمكن من النظر، ويعرف ما يختص به من الوجوب الحسن، على ما سبق ذكره، والثاني أن تتقدم له علوم مخصوصة يتمكن معها من اكتساب المعارف، وذلك يكون على جهة الابتداء فيصير ما تقدم داعيا له، نحو ما يفعله المنتبه من رقدته عند ذكره للنظر والاستدلال فيصير هذا الذكر داعيا، ونحو علمه بأن الظلم قبيح فيعلم أن هذا بعينه قبيح لكونه ظلما إلى أشبه ذلك، وفي كل واحد من هذين الوجهين كلام نبينه… “(12).

  • طرق التدريس المعتمدة عند القاضي عبد الجبار

عرف النتاج الفكري للقاضي تنوعا وخصوبة في مجالات العلوم التربوية، ويظهر هذا جليا من

خلال الطرق والأساليب التي تبناها وهو يمارس النشاط التعليمي التربوي، ويمكن بيان هذه الطرق والأساليب كما يلي:

طريقة التعلم الذاتي:

إن التعلم الذاتي يجعل عملية التعلم متمركزة حول المتعلم نفسه لاحول المعلم، وهذه الطريقة تمكن الفرد من التعلم في كل الأوقات وطوال فترات العمر المختلفة المناسبة للتعليم، فهي ضرورة لتدريب الأفراد على كيفية الاعتماد على أنفسهم في تحصيل المعرفة والعلم خارج المدرسة وداخلها، وتسمى هذه الطريقة أيضا بالتعلم مدى الحياة، ولأهميتها يشيد القاضي بمبدأ التعلم الذاتي أو التربية الذاتية، أي أن إرادة وعقل المتعلم هما اللذان يوجبان ويحتمان عليه البحث عن المعلومة والمعرفة.

أسلوب التكرار والمحاولة والخطأ:

لا شك أن أسلوب التكرار يساهم بشكل كبير في تكوين الأخلاق والعادات الحسنة وترسيخها في الذهن، “إذ بالتكرار ينتبه غير المنتبه ويزداد إدراكا وتعمقا من أدرك”(31)، فلم يكن علماء النفس والأخلاق مبالغين حينما قرروا أن التكرار من أهم وسائل الحفظ والذكر، وتربية العادات الحسنة، ذلك أن أعمال المرء ما هي إلا مجموعة عادات وآثارها المتكررة، ويرى القاضي أن الطفل يتعلم اللغة عن طريق التكرار أو الإعادة إذ يوقولون: “على حسب ما نجد الطفل ينشأ عليه فيتعلم لغة والديه، إذا تكررت منهما الإشارات”(14)، وقد أشار إليها القاضي بوصفها من طرائق التعليم، فقد ذكره في تعلم الطفل للغة والديه عن طريق التكرار والإعادة.

الطريقة التجريبية من خلال إنجاز التجارب:

إن إدماج أسلوب التجربة أو الإختبار في العملية التعليمية كأسلوب من أساليب المنهج العلمي، تسهل على المتعلم استيعاب الدروس و فهمها، و تزيد من رسوخها في ذهنه، فليس من رأى كمن سمع. وقد اعتمد القاضي عبد الجبار على هذه الطريقة في الوصول إلى المعرفة الحقة، من خلال “إجراء التجارب على الحيوانات ومن ثم الاستفادة منها في المجال الإنساني، وكذلك تم الاعتماد عليها في العلوم الطبيعية كإثبات الحركة والسكون بالنسبة للأجسام”(15).

طريقة الإملاء:

معلوم أن تدريب المتعلم على رسم الحروف والكلمات رسما صحيحا يحتاج إلى طريقة تربوية قويمة، حتى يتمكن من ضبط نظم الكتابة أحرفا وكلمات، والإملاء من أفضل الطرق على الإطلاق، فهو يتكفل بتربية الأذن بتعويد التلميذ حسن الاستماع وتحويل هذا المسموع إلى منقول عن طريق المحاكاة. وهذه الطريقة كانت تستخدم من قبل العلماء المدرسين المسلمين، وكذلك اعتمد المعتزلة على هذه الطريقة في إيصال المادة العلمية إلى المتعلمين، فتذكر لنا المصادر أن القاضي عبد الجبار قضى زمنا طويلا في التدريس والإملاء.

طريقة التعلم التعاوني:

تعتبر هذه الطريقة من الطرائق التربوية الحديثة المجدية للغاية، فهي تساعد كثيرا على غرس الروح التنافسية لدى الطلاب مما يسمح بتفتيح المدارك لديهم ومن ثم إطلاق العنان للطاقات الإبداعية لهؤلاء الطلاب، وتتم بتقسيم المتعلمين على مجموعات موزعة بشكل منتظم، ويتم تقسيم المادة على أفراد هذه المجاميع ويكون التعلم هنا أجدى وأنفع، حيث يتعلم الصبيان من بعضهم البعض ويتحملون مسؤولية ذلك، فالصبي يتعلم من الصبي ويأخذ عنه، ولا شك أن هذه الطريقة تدفع الميز العنصري بين المتعلمين، وترفع من حصيلة التعلم والاستفادة المعرفية من خلال التعاون والتنافس الذي سمح به ذلك القدر من الاستقلالية والمرونة الذي أتيح لهم . وقد تنبّه القاضي عبد الجبار إلى هذه الطريقة كما مر معنا وذلك بقوله: الصبي عن الصبي أفهم، فتعد هذه التفاتة مبكرة إلى فكرة التعلم عن طريق المجاميع.

تنمية إبداع وموهبة المتعلم في فكر  القاضي عبد الجبار التربوي

اهتم القاضي عبد الجبار اهتماما بالغا بتنمية الإبداع والموهبة، وقد وضع قواعد أساسية تؤدي إلى تنمية الإبداع والموهبة لدى المتعلم، حيث تمكنه هذه القواعد من تحصيل الملكة الكافية للاعتماد على نفسه في تحصيل المعارف، وأهم هذه القواعد:

القاعدة الأولى، رفض التقليد في المعرفة:

لا شك أن التقليد يعتبر تعطيلا لدور العقل، ومن ثم تنعدم الموهبة، وبالتالي تطمس وتضعف، ويزداد الأمر خطورة في جانب الاعتقاد،  ذلك أن الإنسان الذي تكون قناعاته في أصول الدين و العقيدة ضعيفة و غير قائمة على أسس يقينية و ثابتة، تكون بالطبع شخصيته ضعيفة ومتذبذبة تتلاعب بها التيارات الفكرية و العقائدية كتلاعب الرياح بأوراق الشجر، قال ابن مسعود رضي الله عنه: “ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن ، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر”(16).  وقد رفض القاضي عبد الجبار التقليد كطريق للمعرفة، لأن التقليد كما يكون في الحق يكون في الباطل، وكما يكون في الصحيح يكون في الفاسد، وكما يكون فيما ثبت بالدليل يكون فيما لا دليل عليه، فالتقليد، عندهم: “ليس بطريق للعلم لأن الباطل كالحق في ذلك”(17). وهذا مبدأ مهم يجعل المتعلم يبحث عن المعرفة والمعلومة بنفسه.

القاعدة الثانية، تحرير التفكير من القيود:

تناول القاضي عبد الجبار الحرية الإنسانية، بحثا ودرسا وتحليلا تحت أصل من أصول مذهبهم الخمسة وهو “العدل”، وأراد المعتزلة بهذا الأصل تقرير حرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله التي يستحق على الحسن منها الثواب، وعلى القبيح منها العقاب، وحاصل معنى العدل عند المعتزلة أن الله تبارك وتعالى لا يجبر العباد على فعل ولا ترك، وعرفوه بمثل قولهم: “إن الله، سبحانه، عدل غير جائر، لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يعذبها إلا بذنبها، لم يمنع أحدا من طاعته، بل أمره بها، ولم يدخل أحدا في معصيته، بل نهاه عنها “(18).

وقد تناول القاضي بالنقاش بعض المصطلحات المتعلقة بمفهوم الحرية الإنسانية، التي يرى بعضهم أنها لا تدع للإنسان مجالا للاختيار كمفهومي “اللطف والالتجاء”، فقال: “إن اللطف هو الظروف الموضوعية الخارجية التي تحيط بالإنسان، والتي هي بمثابة ضرورات ودواع للأفعال الطيبة والحسنة”(19).

أما الالتجاء فإنه “لا يخرج الملجأ من أن يكون على الفعل قادر وباختياره متعلق، لأن المشاهد للسبع إذا خاف على نفسه، فهو ملجأ إلى الهرب، وهربه يقع باختياره لأنه متى عرض له في الهرب طرق، اختار سلوك أحدها، وفعل ذلك بحسب قدرته، لأنه يعدو على حسب ما يقدر عليه في السرعة والإبطاء، ويفعل السلوك بحسب علمه في قرب الطريق وبعده فليس يخرجه الإلجاء أن يكون قادرا على ما يقع منه، وإن حرفه عن فعل إلى فعل”(20).

وعليه، فمقتضى العدل عند القاضي عبد الجبار وغيره ممن ذهب مذهبه، أن يؤمن العبد أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الكفر ولا الجور ولا الظلم، ولا يأمر بهما، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يظلم العباد، ولا يأمر بالفحشاء، ذلك أن من فعل شيئا من ذلك أو أراده أو رضي به فليس بحكيم ولا رحيم، وأن الله رؤوف رحيم، جواد كريم، لم يحل بين عباده وبين الإيمان، بل أمرهم بالطاعة، ونهاهم عنن المعصية.

القاعدة الثالثة، تعزيز الدافعية للتعلم:

من الواضح أن سلوك المتعلم يتميز بالنشاط والرغبة في بعض المواد المعرفية دون مواد أخرى وذلك يرجع إلى مستوى دافعية المتعلم نحو ممارسة النشاط المعرفي في هذه المواد دون غيرها، ومن هنا تعتبر الدافعية حالة ناشئة لدى المتعلم نتيجة بعض العوامل الداخلي، أو وجود

بعض المأثرات الخارجية، وانطلاقا من هذا يكون الهدف الأسمى من مهارات التدريس هو إثارة دافعية واهتمام المتعلم نحو التعلم. ويرى القاضي أن الجهل أو الشك يسبب حاجة داخل المتعلم وأن عدم إشباعها يؤدي إلى التوتر وضيق الصدر، لذلك “يستروح العاقل إلى إزالته بطلب البصيرة والكشف”(21)، ويحاول المتعلم أن ينزع هذا التوتر المؤرق بحصول العلم الضروري، الذي هو بمثابة الدافعية التي تدعوه إلى النظر والاستدلال.

القاعدة الرابعة، محاربة الخرافات والشعوذة:

لا شك أن سبب الخرافة والشعوذة هو الجهل والشلل الفكري سواء على المستوى النظري أو العملي، ويسعى القاضي إلى إحلال العلم محل الخرافة، ومن الأسلحة التي اعتمدها في ذلك فتتمثل في الأفكار التي استخدمها في التدريس لمحاربة الخرافة، فالقاضي عبد الجبار المعتزلي من أصحاب المنهج العقلي، الذي يؤمن بأن العلم والخرافة لا يجتمعان، ولذلك “فقد أسهم إسهاما عظيما في إعلاء شأن العقل وتوجيه السهام إلى فكر الخرافة الذي شاع في المجتمع … كما أسهم بالتأليف والمناظرة، وفي إفحام المنجمين الذين راجت بضاعتهم على الخاصة والعامة في ذلك التاريخ”(22).

القاعدة الخامسة، الحث على التفكير العقلي:

بالعقل ميز الله الإنسان عن سائر مخلوقاته، فمن اتجه إلى عقله أكثر كانت حياته أثرى، وكان قدره أرفع، والقرآن الشريف يدعوا بدون تقييد إلى إطلاق العقول من أسرها ودفعها للتأمل في خلق السموات والأرض واستعمالها في مختلف شؤون الحياة، ليعقل الإنسان حقيقة الوجود الكبرى وأن يعمل بمقتضاها في حياته.

ويرى القاضي عبد الجبار أن العقل أهم مصدر من مصادر المعرفة وبه نحكم على صدق المحسوسات أو المنقولات، فهو المعيار لقبول المعارف، حيث يقول أن “دليل العقل إذا منع من الشيء فالواجب في السمع، إذا ورد ظاهره بما يقتضي ذلك الشيء، أن نتأوله لأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل فلا يجوز فيهما التناقض”(23).

ويرى أن العقل له القدرة على إدراك كليات الأحكام المتصلة بالله وصفاته من التوحيد والعدل ووجوب شكره، كما له القدرة على معرفة الحسن والقبح على الجملة. أما الشريعة فإنها تبين وتوضح للإنسان الطرائق التي يستطيع من خلالها أن يؤدي هذه الواجبات العقلية عن طريق الصوم والصلاة والزكاة ومواقيتها، وهي أمور لا نصيب للعقل فيها، فلذلك تأتي الشريعة وتكشف له كيف يؤدي هذه الطاعات، فهم يقولون: “إن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية، أما دور الشريعة النبوية توضيح مقدرات الأحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل، ولا يهتدي إليها فكر”(24).

إن الاتجاهات الغالية والمتعصبة الداعية إلى إقصاء هذه العطاءات التراثية التربوية التي تمثلها المدرسة الكلامية بدعوى تبديعها أو تسببها في التدهور الحضاري عند المسلمين، أو مخالفتها لعقيدة السلف ليست سوى تعبير عن جهل بالتراث التربوي الإسلامي من جهة، وتقليد أعمى وانشطارية في تقييم وفهم مواقف ماضية ظهرت في عصر التدهور والاختلال السياسي عند المسلمين، حتى أصبح التبديع لكل عمل بديع طابع يطبع بصورة عامة قائمة عريضة من أصحاب هذا الاتجاه، فلا نهضة حققوا، ولا علوم دققوا، ويا ليتهم من غفلتهم استفاقوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

 

الهوامش

 

  • عبد الرحمان محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان، ص458.
  • فتحي حسن ملكاوي، التراث التربوي الإسلامي: حالة البحث فيه، ولمحات من تطوره، وقطوف من نصوصه ومدارسه، والكتاب هو الأول من ثلاثة كتب لدراسة التراث، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى 1439هـ / 2018م، ص 298.
  • عبد الكريم عثمان، قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، دار العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1985م، ص47.
  • القاضي عبد الجبار، أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الأسد أبادي، المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق إبراهيم مذكور، بإشراف طه حسين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط1، ج12، ص13.
  • القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، (مرجع سابق)، ج12، ص359 – 360.
  • نفس المرجع، ج12، ص 137.
  • نفس المرجع، ج12، ص55.
  • نفس المرجع، ج12، ص 65.
  • نفس المرجع، ج12، ص 378.
  • نفس المرجع، ج20، ص212.
  • القاضي عبد الجبار، المجموع في المحيط بالتكليف، جمع: أبو محمد الحسن بن أحمد بن متوبة، تحقيق يان بترس، دار المشرق، توزيع المكتبة الشرقية، بيروت، ط1، 1999م، ج3، ص199.
  • نفس المرجع، ج3، ص 236.
  • القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، (مرجع سابق)، ج20، ص106.
  • موسى شاهين لاشين، اللآلئ الحسان في علوم القرآن، دار الشروق، القاهرة، 2002م، ص297.

 

  • القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، تحقيق فؤاد سيّد، الدار التونسية للنشر، تونس، 1393ه/ 1974م، ص 302.
  • أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأندلسي، الاعتصام، تحقيق محمد رشيد رضا، مكتبة الرياض الحديثة، البطحاء، الرياض، ج2، بدون تاريخ، ص359.
  • القاضي عبد الجبار، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (مرجع سابق) ، ص 170.
  • يحيى بن الحسين بن قاسم الرسي، العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد، في مجموع رسائل العدل والتوحيد، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، 2009م، ص168.
  • القاضي عبد الجبار، المجموع في المحيط بالتكليف، تحقيق: عمر عزمي، الدار المصرية، ط1، 1965م، ص915.
  • القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة،ج12، ط1، 1960م، ص154.

 

  • القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة،(مرجع سابق)، ج10، ص405.
  • نفس المرجع، ج12، 168.
  • القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة،(مرجع سابق) ، ج12، ص280.
  • محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1968م، ص81.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.