منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مصطلح “جند” في القرآن الكريم – دراسة مصطلحية – (1)

0
اشترك في النشرة البريدية

 

  1. الجانب النظري

“لا سبيل إلى استيعاب أي علم دون فهم المصطلحات، ولا سبيل إلى تحليل وتعليل ظَواهر أي علم دون فِقه المصطلحات، ولا سبيل إلى تجديد أيِّ علم دون تجديد المصطلحات أو مفاهيم المصطلحات”[1] فمن هنا جاءت أهمية الدراسة المصطلحية، خاصة لمفاهيم القرآن الكريم، في سبيل تبيين المصطلح القرآني وفهم ما أضمر فيه، واستخراج حكمه ومعانيه.

ونروم من خلال هذا البحث تسليط بصيص ضوء على هذه الدراسة، مع العمل على نموذج من المصطلحات، ندرسه في ظلال منهج دراسة المصطلح القرآني، مقتصرا في ذلك على الدراسة المعجمية والوصفية.   

  • تعريف الدراسة المصطلحية
المزيد من المشاركات
1 من 29

يعرفها الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي بأنها ” ضرب من الدرس العلمي وفق منهج خاص بهدف تبين وبيان المفاهيم التي عبرت أو تعبر عنها تلك المصطلحات في كل علم، في الواقع والتاريخ معا”[2]  وفي تعريف آخر يقول الدكتور عبد العلي الودغيري بأنها: “بحث في المصطلح لمعرفة واقعه الدلالي، من حيث: فهومه، وخصائصه المكوِّنة له، وفروعه المتولِّدة عنه ضمن مجاله العلمي المدروس به”[3]  وتقول الدكتورة فريدة زمرد أن الدراسة المصطلحية هي ” تلك الدراسة المنهجية الجامعة التي تبين مفاهيم المصطلحات من نصوصها، وتبين المقومات الدلالية الذاتية للمصطلح عبر ضمائمه واشتقاقاته والقضايا الموصولة به”[4] 

ومن خلا التعريفات التي ذكرنا يمكننا القول: بأن الدراسة المصطلحية، هي نوع من أنواع الدرس العلمي لألفاظ مختلف العلوم، بهدف تبيين مفاهيم هذه الألفاظ،  بحيث إذا أطلق اللفظ كان المراد منه ذلك المفهوم الذي وضع له،”سواء كانت هذه الدراسة لمفاهيم هذه الألفاظ  في فترة بعينها من الفترات أو كانت تهدف إلى دراسة و تتبع التطور الدلالي الذي طرأ على مفاهيم هذه الألفاظ  في تلك العلوم عبر التاريخ”[5] .

  • أهمية الدراسة المصطلحية

يعتبر الشيخ الشاهد البوشيخي رائدا من رواد الدراسة المصطلحية في العصر الحديث، وذلك لما أثل له  في هذا الميدان، وما أنتجه من أبحاث ودراسات  تبتغي خلق نسق تنظيري للمسألة المصطلحية، عن طريق منهج محكم الخطوات، نستطيع من خلاله  تتبع ممتلكات الأمة العلمية في الماضي والحاضر،  استشرافا لآفاق المستقبل. وفي أهمية الدراسة المصطلحية يقول الشيخ البوشيخي: ” تنبع أهمية الدراسة المصطلحية من صلتها بالذات الحضارية للأمة التي تعيش مرحلة صعبة على جميع الواجهات، مما يجعل تكاثف الجهود مطلب العصر حتى يتسنى تحقيق الإقلاع الحضاري، ولن يتحقق ذلك إلا بإتيان البيوت من أبوابها وهي المصطلحات.

إن الحرب المعلنة على الأمة اليوم هي حرب مصطلحات يقذف بها في مختلف الحقول المعرفية، ليصيب شررها عقول المسلمين الذين ولوا وجههم شطر المصطلح الوافد[6]، أفرادا ومؤسسات.

بالإضافة إلى أن تبين وبيان مفاهيم مصطلحات العلوم، يمكن العالم والمتعلم معا من ناصية العلم، بحيث تعبد هذه الدراسة الطريق للمتعلم من أجل الفهم العميق والتاريخ الدقيق للعلم، كما تجعل العالم الراسخ يقف ” على عتبة استشراف مستقبل العلم، في ضوء الحاجة العامة للأمة والحاجة الخاصة للعلم”[7]

  • تعريف المصطلح القرآني وأهميته
مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

تعريف المصطلح عند السابقين:

أورد الجرجاني صاحب التعريفات خمسة  تعاريف للمصطلح فقال : “الاصطلاح عبارة عن: اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما. وقيل: اتفاق طائفة على وضع اللفظ  بإزاء المعنى. وقيل: إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد. وقيل: لفظ معين بين قوم معينين”[8].

عند المعاصرين:

 المصطلح هو : “ما يصطلح جماعة من الناس، تجمعهم حرفة أو مصلحة أو سواهما، على إطلاق لفظ بإزاء معنى أو ذات، لا ينازعون فيما اصطلحوا عليه”[9]. وقد عرف الدكتور عبد العالي الودغيري المصطلح بكونه: “اللفظ الذي خصصه الاستعمال في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو صناعة من الصناعات، بمفهوم معين”[10]. أو هو ” اللفظ الذي يسمي مفهوما معينا داخل تخصص ما”[11].

وبالنظر إلى تعاريف القدامى والمعاصرين يتضح أن المصطلح لفظة محددة وواضحة، مفردة أو مركبة، تنتمي إلى لغة خاصة في مجال خاص، هدفه البيان والتعبير عن مفهوم معين.

 

المصطلح القرآني:

” يقصد بالمصطلح القرآني إجمالا: كل لفظ قرآني عبر عن مفهوم قرآني، وتفصيلا: كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، مفردا كان أو مركبا، اكتسب داخل الاستعمال القرآني خصوصية دلالية قرآنية جعلت منه تعبيرا عن مفهوم معين له موقع خاص داخل الرؤية القرآنية ونسقها المفهومي”[12]  فيدخل في ذلك كل ” كل أسماء المعاني وأسماء الصفات المشتقة منها في القرآن الكريم، مفردة أو مركبة، مطلقة كانت أو مقيدة، وعلى الصورة، وعلى الصورة الاسمية الصريحة، أم على الصورة الفعلية التي تؤول بالاسمية “[13]

   أهمية المصطلح القرآني

يقول العلامة الراغب الأصفهاني الذي عاش في حضن القرآن، وتحت ظلاله، وتبحر في علومه، وغاص في ألفاظه وآيه: ” وذكرت أن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة. فتحصيل معاني ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه أول المعاون في بناء ما يمكن أن يبنيه وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كلّ علم من علوم الشرع .

فألفاظ القرآن هي لب الكلام وزبدته وواسطته وكرائمه، وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم،؟ إليها مفزع حذاق الشعر والبلغاء في نظمهم ونثرهم”[14].

  • منهج دراسة المصطلح القرآني

تعتبر قضية المنهج في الدراسة المصطلحية قضية أساسية  بل هي أم القضايا: ” لأن بها يمكن للباحث أن يكون دارسا مصطلحيا، أو لا يكون. وإن كان، فبها يمكنه أن يسير في الاتجاه السليم أو لا يسير، ولعل أول من أثار مشكلة المنهج في الدراسة المصطلحية بإلحاح، هو أستاذنا الدكتور الشاهد البوشيخي. وعلى العموم فقد اشتهر في هذا الميدان منهجان رئيسيان (المنهج التاريخي والمنهج الوصفي) يضاف إليهما ثالث مركب منهما”[15] وهذا الثالث هو المعتمد عندنا في هذا البحث إن شاء الله، وهو قائم على خمسة أركان:

  1. الإحصاء : ويقصد به ” الاستقراء التام لكل النصوص التي ورد بها المصطلح المدروس، وما يتصل به، لفظا ومفهوما وقضية، في المتن المدروس”[16]. وهذا ركن أساسي ” تقتضيه العلمية، فلا يمكن أن تعتبر النتائج المتوصل إليها علمية، تعتمد ويبنى عليها إذا لم يتحقق فيها الاستقراء التام. فلا بد من ان نحصي كل النصوص التي ورد فيها المصطلح المدروس بأي صيغة ورد، أو مفهومه، أو قضية من قضاياه”[17].
  2. الدراسة المعجمية: أي دراسة المصطلح في المعاجم اللغوية والاصطلاحية، بغية معرفة جهود السابقين، ووضع المصطلح في سياقاته.
  3. الدراسة الوصفية: “هذه الدراسة تعتني بصفة ورود اللفظ: حجما (عدد المرات التي ورد بها اللفظ المدروس في المتن المدروس)، وشكلا (ويقصد بها الصيغة الاشتقاقية أو الصرفية التي ورد عليها اللفظ المدروس”[18]
  4. الدراسة النصية: يقصد بهذه الدراسة : دراسة المصطلح في جميع نصوصه بغية معرفته من خلال كل ما يتعلق به، ويقصد بها أيضا دراسة المصطلح ” ضمن أسرته المفهومية المآلفة والمخالفة، بهدف تدقيق الفهم، وضبط الفروق والعلاقات”[19].
  5. الدراسة المفهومية: تصنيف النتائج التي جلبتها الدراسة النصية.

حسب الدكتور لخضر بوعلي تعتبر هذه الأركان الخمسة مرحلة أولى في الدراسة المصطلحية وهي مرحلة التحضير وهي كما يقول مرحلة  “لا ترى بعينها وإنما بأثرها” لتأتي بعدها المرحلة الثانية وهي مرحلة التحرير وخطواتها [20] كالآتي:

  • التعريف: تعريف المصطلح
  • الصفات:

– صفات واصفة

– صفات مبينة

– صفات حاكمة

  • العلاقات:

– علاقة ائتلاف (الترادف التعاطف …)

– علاقة اختلاف ( التضاد التناقض التقابل …)

– تداخل

  • الضمائم:

– ضميمة العطف

– ضميمة الإضافة

– ضميمة الاسناد

  • المشتقات: كل الصيغ الصرفية التي ورد بها المصطلح، تدرس دراسة خاصة بحسب ترتيب معين، يحسن فيه اتباع منهج المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
  • القضايا: ما يتعلق بالمفهوم المدروس مما لا يجد مكانا في المرحلة السابقة، ولا يجوز إضاعته، كالشروط والأسباب، والنتائج، والموانع، والمراتب، والمراحل والاثار والتأثر، وهي تختلف كثرة وقلة ووجودا وعدما، من مصطلح لآخر، وهي تلتقي هنا مع التغير الموضوعي.[21]

[1]  د. الشاهد البوشيخي: نظرات في المصطلح والمنهج، مطبعة أنفوبرانت، الطبعة 4، فاس 1990، ص 15.

[2]  نظرات في المصطلح المنهج رقم 2 من سلسلة دراسات مصطلحية مطبعة آنفو برانت ، طبعة أولى غشت 2002 ص . 22

[3]  تعليق الدكتور عبد العلي الودغيري على منهج المعجمية، دار المعارف، الرباط، ط/1، 160.

[4]  مفهوم التأويل في القرآن الكريم الحديث الشريف،فريدة زمرد، معهد الدراسات المصطلحية ،كلية الآداب و العلوم الإنسانية ظهر المهراز، فاس

[5]  الشاهد البوشيخي

[6]  البوشيخي، الشاهد، نظرات في المصطلح والمنهج، ط4، فاس، ص9

[7]  المصدر السابق ص 16.

 

[8]  التعريفات ص:44

[9]  بناء المفاهيم : دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، مجموعة من باحثي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1 07/

[10]  قضايا المعجم العربي في كتابات الطيب الشرقي، ص 194

[11]  مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والاسلاميين قضايا ونماذج، الشاهد البوشيخي ص 54

[12]  القرآن الكريم والدراسة المصطلحية ، د الشاهد البوشيخي، ص 20

[13]  نحو معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية المعرفة، د الشاهد البوشيخي ص 2

[14]  المفردات في غريب القرآن، ص 6، ت محمد سيد كيلاني، طبع الحلبي 1381ه 1961م

[15]   الدكتور فريد الأنصاري، المصطلح الأصولي عند الشاطبي، ص 63

[16]  نظرات في المصطلح والمنهج، الشاهد البوشيخي، ص 23

[17]  الدكتور لخضر بوعلي ، في محاضرة حول الدراسة المصطلحية قدمها لطلبة ماستر مناهج وطرق التدريس في الدراسات الاسلامية،  كلية الآداب وجدة.

[18]  المرجع السابق

[19]  الدكتور محمد الأحمدي،، صفحة 36

[20]  حسب اطلاعنا فهناك من جعل هذه الخطوات التي أدرجها الدكتور بوعلي في مرحلة ثانية سماها مرحلة التحرير، عناصر الركن الخامس من منهج الدراسة المصطلحية، دون تقسيم مرحلي.

[21]  هناك فرقا أساسيا بين القضايا في منهج الدراسة المصطلحية والتفسير الموضوعي : الأول التفسير الموضوعي مقصود لذاته بينما القضايا في منهج الدراسة المصطلحية ليس مقصود بل المقصود هو المفهوم.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.