ماذا بعد رمضان؟

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد كان رمضان – كما قل الله جل وعلا – أياما معدودات، انتهت، وانقضت، ومضت، ولكن بقي أثرها، واستمرت دروسها، وتحققت مقاصدها، قال تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ[1]“.

فما التقوى؟

وما الدروس التي ينبغي تعلمها من شهر رمضان؟

إن الطاعات التي شرعها الإسلام في غالبها، وسائل لمقاصد، وغايات، يروم الشارع الحكيم تحققها في العبد المؤمن، فالصلاة تروم النهي عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى:” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ[2]“.

والزكاة تروم تزكية النفس، وتطهيرها من الشح، والبخل، قال تعالى:” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[3]“.

والحج يروم تخليص النفس من كل خلق ذميم، وحملها على الصبر الذي هو مفتاح كل خلق كريم، قال تعالى:” الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[4]“.

وكذلك الصيام فإنه لم يشذ عن هذا السياق، بل شرع لتحقيق التقوى، قال تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[5]“.

وأصل التقوى: التوقي مما يكره، لأن أصلها وقوى من الوقاية.

قال النابغة:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه & فتناولته واتقتنا باليد

فالتقوى هي أن تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، أي أن يجدك الله حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، فعن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسا عند أبي وائل، فدخل رجل يقال له أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة[6]“.

وقد قيل[7]: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقا ذا شوك؟ قال: بلى قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت، قال: فذلك التقوى.

وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:

خل الذنوب صغيرها & وكبيرها ذاك التقى

واصنع كماش فوق أر & ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة &إن الجبال من الحصى

إن التقوى أمر مطلوب، ابتداء، ودواما، لأنها شرط في قبول الأعمال، قال تعالى:” إنما يتقبل الله من المتقين[8]“.

وأنشد أبو الدرداء يوما:

يريد المرء أن يؤتى مناه & ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتي ومالي & وتقوى الله أفضل ما استفادا

دروس رمضان

إن ما ذكر أعلاه يجعلنا ندرك أن رمضان هو بمثابة دورة تدريبية مكثفة، يتعلم فيها المؤمن والمؤمنة جملة من الدروس، التي تمكنه من تحصيل التقوى، إن هو أدرك أسرارها، وواظب على تحصيل الحد الأدنى منها بعد رمضان. قال أبو الدرداء: ” التمسوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم[9]“.

1- الصدقة وإطعام الطعام[10]

الصيام: هو إمساك عن شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مما يجعل الإنسان يشعر بعضة الجوع، وألم الحرمان، فيتذكر بذلك كل محروم، ويرق قلبه، وتحن نفسه، على أولئك الذين لا يجدون ما يسد رمقهم، فيبادر إلى مساعدتهم، ويعجل بقضاء حاجتهم حسب قدرته، واستطاعته، تساعده على ذلك روحانية رمضان، وبيئته الخالية من وسوسة الشيطان، وتعاون الناس على البر والتقوى، امتثالا لأمر الله جل وعلا، الذي أمر بالصدقة في غير ما آية من كتابه، قال تعالى:” مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون[11]“، وقال جل وعلا:” آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ[12]“.

حتى إذا تعود المؤمن والمؤمنة على الصدقة في رمضان، فينبغي أن تصبح جزء من الطاعات التي يقومان بها في سائر الأيام، مصداقا لقوله تعالى:” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[13]“.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا[14]“.

وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” قال الله عز وجل: أنفق أنفق عليك، وقال: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء[15] الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض[16] ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع[17]“.

ومن الصدقة إطعام الطعام وهو عمل عظيم لما فيه من إحسان للفقراء والمساكين يكثر الناس منه في رمضان رجاء تحصيل ما ورد من فضل في إفطار الصائم فإذا خرج رمضان ربما غفل عنه كثر من الناس، وما ينبغي لهم، لأنه واحد من مفاتيح الجنان، التي تهفوا لها الأنفس المؤمنة، وتحن لها القلوب المطمئنة، قال تعالى:”  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا[18]“.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: ” تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف[19]“.

وعن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء تكلم به أن قال: ” يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام[20].”

فالمقصد الشرعي هو تحويل المجتمع من مجتمع الأثرة، وحب الذات، والتفاني في تحقيق “المصالح” الخاصة، إلى مجتمع الإيثار، والتعاون على البر والتقوى، ” وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[21]

2- الصيام

اعتاد الانسان على تناول عدة وجبات غذائية، في اليوم الواحد، حتى إذا تأخر عن تناول وجبة ما، هنيهة من الزمان، خيل إليه أنه سيموت جوعا، فتحرم هذه العادة كثيرا من الناس، من عبادة الصيام، مع ما ورد في فضلها من عظيم الجزاء، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” من صام يوما في سبيل الله، بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا[22]“.

حتى إذا جاء رمضان، وشاع بين الناس أمر الصيام، وجد المؤمن والمؤمنة في نفسيهما قدرة على الصيام، واضمحل ما كان في مخيلتهما من أوهام العجز، وثقل العادة، وأسر الشهوات، فإذا الصيام عبادة جميلة، والجوع عادة محمودة، واكتشف الانسان أنه صاحب قدرة، متى ما كانت له إرادة، وعزم.

وما إن ينقضي شهر الغفران حتى يرجع كثير من الناس إلى ما كانوا عليه قبل رمضان، وما ينبغي لهم، كيف؟ ولله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده.

أ- ستة أيام من شوال

إذا كان الصيام عبادة مفروضة في رمضان، فينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يكون لهما حظ منه في سائر الأيام، ولتكن البداية بستة أيام من شوال، نعاجل بها النفس، قبل أن تركن إلى الدعة، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر[23].”

ب- الأشهر الحرم

ثم يعقب شوال ثلاثة أشهر من الأشهر الحرم، – ذي القعدة، ذي الحجة، المحرم -التي ينبغي للمؤمن والمؤمنة أن يكون لهما فيها حظ من الصيام، ومن الأشهر الحرم رجب، فعن مجيبة الباهلية، عن أبيها، أو عمها، أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني، قال: ” ومن أنت؟ ” قال: أنا الباهلي، الذي جئتك عام الأول، قال: ” فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة؟ “، قال: ما أكلت طعاما إلا بليل منذ فارقتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم عذبت نفسك، ثم قال: ” صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر “، قال: زدني فإن بي قوة، قال: ” صم يومين ” ، قال : زدني، قال: ” صم ثلاثة أيام “، قال: زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك “، وقال : بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها[24]“.

ج- يوم عرفة

يوم عرفة من أيام الله تعالى، التي ينبغي ملؤها بالطاعة والقرب، ولذلك كان صوم يوم عرفة لغير الحاج عملا عظيما، يكفر الله به ذنوب سنتين ماضية، ومستقبلة، ، صيام يوم عرفة ، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ، والسنة التي بعده ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده [25]“.

د- تاسوعاء وعاشوراء

اليوم العاشر من المحرم هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون فصامه موسى شكرا لله، فلما قدم رسول الله المدينة، وجد يهود يصومونها، فقال لهم أنا أحق بموسى منكم، فصامه وامر بصيامه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ” ما هذا؟ “، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: ” فأنا أحق بموسى منكم “، فصامه، وأمر بصيامه[26]“.

ثم بدا له – صلى الله عليه وسلم – بعد ذلك أن يخالف يهود بصيام التاسع والعاشر، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع” قال : فلم يأت العام المقبل ، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم[27]

وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صيام يوم عاشوراء، إني لأحسب على الله أن يكفر السنة التي قبله[28]“.

 

ه- الاثنين والخميس

وفي كل أسبوع مناسبتان للصيام، الاثنين والخميس، ففيهما تعرض الأعمال على الديان، فيجمل بك أن يعرض عملك على خالقك وأنت صائم، فعن عائشة قالت: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين والخميس[29]“.

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ” تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم[30]“.

و- الأيام البيض

ومن الأيام التي يجمل بالمؤمن والمؤمنة المواظبة على صيامها الأيام البيض، قال أبو ذر: جاء أعرابي بأرنب، فقال الذي جاء بها: إني رأيتها كأنها تدمى، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل منها، فقال لهم: ” كلوا “، فقال رجل: إني صائم، قال: ” وما صومك؟ ” فأخبره، قال: ” فأين أنت عن البيض الغر؟ ” قال: وما هن؟ قال: ” صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة[31]“.

وعن أبي ذر قال: ” أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة[32].”

فهذه جملة من الأيام ورد الترغيب في صيامها، إن استطاع المؤمن والمؤمنة صيامها كلها فذاك، وإلا اختارا منها حسب الوسع، المهم ان يظهر عليك في كل شهر أثر من آثار رمضان.

 3- عمارة المساجد

من سمات الناس البارزة في رمضان عمارة المساجد، وحضور الجماعة، في الفرض، والنفل، فيتعلم الناس بذلك أهمية صلاة الجماعة، ويستشعرون فوائدها، ويتذوقون عوائدها، حتى إذا خرج رمضان كانوا عليها أحرص، وإليها أسرع، كيف لا؟ وهم يتلون قول الله جل وعلا:” إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ[33]“.

وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله[34].”

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة الرجل في جماعة تَضْعفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يُخْرِجُه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رُفِعَت له بها درجة، وحُطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تُصلِّي عليه، ما دام في مُصَلاّه ما لم يُحْدِث: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة”.[35]

وقد اختلف الفقهاء في حكم صلاة الجماعة، فقال عدد لا يستهان به منهم بوجوبها وجوبا عينيا، وحتى الذين قالوا بسنيتها، دعوا إلى المحافظة عليها ما أمكن، ومنهم الشوكاني الذي قال بأنه: (لا يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشؤوم)[36].

4- قيام الليل

قيام الليل من جلائل الأعمال، التي يصعب فعلها على كثير من الناس، فإذا جاء رمضان أصبح القيام فيه أمرا ميسورا، لاجتماع الناس عليه، فتبين للعبد أن قيام الليل أمر ممكن، متى تحققت العزيمة، وقوية الإرادة، فمازال الناس يجتمعون لقيام رمضان، منذ أن جمع عمر الناس على أبي بن كعب، فعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: ” إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل ” ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ” نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ” يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله[37].”

وقد كان الناس يقومون بثلاث وعشرين ركعة، تفعل كلها بعد صلاة العشاء، فعن عطاء قال: ” أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر[38]“. ثم أوصلها أهل المدينة في عهد عمر بن عبد العزيز عندما كان واليا على المدينة إلى تسع وثلاثين ركعة، تفعل كلها بعد صلاة العشاء، فعن داود بن قيس قال: ” أدركت الناس بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث[39]“.

وقد أبدع المغاربة في هذا نموذجا خاصا بهم، حيث يصلون بعد العشاء عشر ركعات، ويصلون في آخر الليل ثلاث عشرة ركعة، فيحصلون بذلك فضل الصلاة في آخر الليل، مع ما في ذلك من التخفيف على الناس.

حتى إذا انقضى رمضان بقي للمؤمن من آثاره قيام الليل، إحدى عشر ركعة، في أي جزء من الليل، وإن كان فعلها في آخر الليل أمثل، ليكون ممن قال الله فيه مادحا: ” إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[40]“.

فقيام الليل من سمات الشاكرين، فعن عائشة رضي الله عنها: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ” أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا، فلما كثر لحمه صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع[41].”

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أشراف أمتي حملة القرآن، وأصحاب الليل[42]“.

فلا يليق بمن يبيت مستيقظا في ليالي رمضان، متعرضا لبركات ليلة القدر، التي تتنزل فيها الملائكة والروح، أن ينام في وقت ينزل فيه ربنا إلى السماء الدنيا، يعرض فضله على عباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له[43]“.

5- قراءة القرآن

شهر رمضان هو شهر القرآن، قال تعالى:” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[44]“. وقد كان رسول الله يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فعن ابن عباس قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة[45]“.

ولأن رمضان شهر تصفو فيه النفوس، فإن الناس عادة يقبلون على تلاوة القرآن، جماعات ووحدانا، يتلونه قياما، وقعودا، في المصاحف، وقد تكون تلاوته استظهارا. وقد كان للسلف الصالح مع القرآن الكريم في شهر رمضان شأن، يثير العجب، ويبعث على الإعجاب. ومازال الناس على هذا المنوال، فهذه الأمة لا تخلوا من خير، فعن أبي نجيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره[46].”

فإذا خرج رمضان، ربما رجع الناس إلى شيء من الغفلة عن القرآن، وهذا مما لا ينبغي، وقد ورد في ذلك وعيد شديد، قال تعالى: ” وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[47]“.

فعلى المؤمن أن يديم النظر في كتاب الله تعالى حفظا، وتلاوة، ومدارسة، فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف[48]“.

وعن عقبة بن عامر قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة، فقال: ” أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطع رحم؟ “، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: ” أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل[49].”

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يحد مع من حد، ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله تعالى[50]“.

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها[51]

6- الذكر والدعاء

من المفروض أن يكثر المؤمن والمؤمنة في رمضان، من الذكر والدعاء، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد ورد عنه من حديث سلمان، قوله:” واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار[52]“.

فرمضان فرصة المؤمن للإكثار من الذكر والدعاء، حتى إذا ذاق حلاوتهما، سهل عليه فعلهما في غير رمضان، امتثالا لأمر الرحيم الرحمن، فعن الذكر قال تعالى:”  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[53]” وقال جل وعلا:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً[54]“.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ ” قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ” ذكر الله عز وجل “. وقال معاذ بن جبل: ” ما عمل آدمي من عمل أنجى له من عذاب الله، من ذكر الله عز وجل[55]“.

وعن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسير بالدف من جمدان إذ استند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” يا معاذ، أين السابقون؟ ” فقلت: قد مضى ناس وتخلف ناس. فقال: ” يا معاذ، أين السابقون؟ يستهترون بذكر الله، ومن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله[56].”

وفي شأن الدعاء، قال تعلى:” قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا[57]“، وقال جل وعلا:” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ[58]“.

وعن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” الدعاء مخ العبادة[59]“.

وعن صفوان بن عبد الله بن صفوان، وكان تحته الدرداء فأتاها، فوجد أم الدرداء ولم يجد أبا الدرداء، فقالت له: تريد الحج العام؟ قال: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” دعوة المرء مستجابة لأخيه بظهر الغيب، عند رأسه ملك يؤمن على دعائه، كلما دعا له بخير، قال: آمين، ولك مثل ذلك “. ثم خرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك[60]“.

خاتمة:

كل مسلم يصوم رمضان، ولكن شتان بين من صام رمضان فانتفع، وبين من صام رمضان فإذا انتهى رمضان عن كل عمل صالح امتنع.

والفرق بين الأول والثاني تظهر في حال كل واحد منهما بعد رمضان، فالذي لا يغيره رمضان، ما انتفع برمضان، فكيف ينتفع برمضان من إذا خرج رمضان عاد كما كان؟ فمثله كمثل رجل حلب بقرة، حتى إذا امتلأ الإناء لبنا، وفرح بالذي فيه، تحركت البقرة، وأصابت الإناء برجلها فأراقته في الأرض[61]. نعوذ بالله من الخذلان.

أما المنتفع برمضان فهو من تمسك بآثاره، وظهرت عليه طول السنة أفضاله، ف” إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[62]“. وهكذا ينتقل العبد من طاعة إلى طاعة، حتى يحقق المعنى الذي من أجله خلق، “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[63]“. والعبادة عمل مستمر لا ينقضي، لا ينبغي لك أن يحول بينك وبينها حائل إلا الموت، “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[64]

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة البقرة، الآية 183/184.

[2] سورة العنكبوت، الآية 45.

[3] سورة التوبة، الآية 103.

[4] سورة البقرة، الآية 197.

[5] سورة البقرة، الآية 183.

[6] تفسير ابن أبي حاتم.

[7] تفسير ابن كثير، ج 1، ص 44.

[8] المائدة، الآية 27.

[9] مصنف ابن أبي شيبة.

[10] قدمته على غيره لأن العبادة المتعدية، والتي فيها نفع للعباد، اعظم عند الله من العبادة القاصرة.

[11] البقرة، الآية 245.

[12] الحديد، الآية 7.

[13] المعارج، الآية 24/25.

[14] صحيح البخاري.

[15] السحاء: كثير العطاء.

[16] ينقص.

[17] صحيح البخاري.

[18] الإنسان، الآية 8/11.

[19] صحيح البخاري.

[20] مستدرك الحاكم.

[21] الحشر، الآية 9.

[22] صحيح البخاري.

[23] صحيح مسلم.

[24] سنن أبي داود.

[25] صحيح مسلم.

[26] صحيح البخاري.

[27] صحيح مسلم.

[28] صحيح ابن خزيمة.

[29] صحيح ابن خزيمة.

[30] سنن الترمذي.

[31] صحيح ابن خزيمة.

[32] صحيح ابن حبان.

[33] التوبة، الآية 18.

[34] سنن الدارمي.

[35] متفق عليه.

[36] نيل الأوطار للإمام الشوكاني ج 3 ص 151.

[37] صحيح البخاري.

[38] مصنف ابن أبي شيبة.

[39] مصنف ابن أبي شيبة.

[40] الذاريات، الآية 16/18.

[41] صحيح البخاري.

[42] شعب الإيمان للبيهقي.

[43] صحيح البخاري.

[44] البقرة، الآية 185.

[45] صحيح البخاري.

[46] المعجم الأوسط للطبراني.

[47] الفرقان، الآية 30.

[48] سنن الترمذي.

[49] صحيح مسلم.

[50] مستدرك الحاكم.

[51] صحيح ابن حبان.

[52] صحيح ابن خزيمة.

[53] الأحزاب، الآية 21.

[54] الأحزاب، الآية 41/43.

[55] مستدرك الحاكم.

[56] المطالب العالية، للحافظ ابن حجر.

[57] الفرقان، الآية 77.

[58] غافر، الآية 40.

[59] سنن الترمذي.

[60] مسند ابن أبي شيبة.

[61] هذا المثل للشيخ محمد الصواف في كتابه “الصيام”.

[62] هود، الآية 114.

[63] الذاريات، الآية 56.

[64] الحجر، الآية 99.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: