قصة قصيرة- عندما تتلألأ النجوم

انطلق الولد إلى الخارج، ودموعه تسبقه. حاول أن يحدد اتجاهاً لمسيره لكنه لم يستطع، ومع ذلك تابع المسير، يجر معه صراخ والديه يصحبه ويطنُّ في أذنيه.

                خرج الوالد غاضباً، بعد أن ضرب الباب بقوة. في طريقه ألقى نظرة خاطفة داخل المقهى التي اعتاد الجلوس فيها مع بعض أصدقائه. كانت المفاجأة سريعة حين لمح ابنه مصطفى يجلس، بين مجموعة من الشباب، يدخن سيجارة وينفث بعصبية وغضب شديدين. تمالك نفسه وهدَّأ من روعه، بعدما هَمَّ باقتحام المكان وضَرْب ابنه، لكنه تراجع وأخذ الهاتف من جيبه ثم التقط صورة لمصطفى في حاله تلك، دون أن يلاحظه أو يشعر به أحد.

                عاد الوالد إلى البيت. أدار المفتاح ودفع الباب. كانت الأم لا تزال شاردة في الحال التي تركها عليها. ألقى الهاتف أمام زوجه فاطمة مفتوحاً على صورة ابنه ثم خاطبها:

  • أنظري أثر تربيتك؟!
  • بل أثر خلافاتنا وخصوماتنا المتكررة أمامه… وربما سنجني الأمر نفسه مع أخويه الآخريْن!.

انتبه إلى نفسه.. فكر  في كلماتها النافذة وصمت. حمل هاتفه وغادر البيت.

في طريقه ظل يعيد تلك الكلمات ويقلبها.

 حقاً.. هو الأمر كما قالت.. خلافاتنا وخصوماتنا هذه بداية نتائجها، وربما تطور الأمر أكثر، وقد ينتقل إلى بقية الأولاد إن لم نفكر في تغيير الأمور وإعادتها إلى نصابها قبل فوات الأوان.. هؤلاء أولادنا، معاً، وليس لهم ذنب في ما نفعله!.

أطال الجلوس في باحة مقهى خارج المدينة. أحس بقليل من الارتياح، فالمكان هادئ وجميل، بُنِـيَ على فناء بيت قديم ذكَّره ببيت والده الذي ورثه عن جده الذي ورثه، بدوره، عمن سبقه من الأجداد، في المدينة القديمة… تذكر  كيف كانوا يتحلَّقون حول جدهم، هو وأبناء وبنات أعمامه الثلاثة وعمته.. كانت تجمعهم باحة الفناء الذي يتوسط البيت مع واسطة عقده؛ النافورة الفسيفسائية، تحيط به حديقة جميلة غناء، تحفها أشجار سامقة، تتوسطها ورود متنوعة، تزيدها ترانيم طيور الحسُّون  جمالاً وروعة. كانوا يتسابقون لإطعامها حبوب البريق (ازوان) ينثرونها عبر فتحات أقفاصها، والجد يتابعهم بابتسامته العريضة الدائمة، يوزعها عليهم بالتساوي ودون استثناء، والجدة تداعب إحدى حفيداتها؛ تسرح شعرها الحريري وتنادي باقي البنات لتشاركنها حكاية أو مَثَلاً أو تساعدنها في تنقية القمح المنشور على مائدة دائرية كبيرة.

وفي الركن الآخر من الفناء يجلس الجد بوجهه الوضاء الذي لا تفارقه ابتسامة تنفرج لها أساريره، يلاقي بها الجميع، هادئاً، يحمل مسبحته في يده اليمنى يمرر حباتها المتلألئة بأطراف أصابعه، يتابع تهاليله التي لا تُسمع معها إلا همهمات سريعة مطمئنة.

تذكر  هذا كله وهو يتأسف عما وصلت إليه الأمور، بعد موت الوالديْن وتفرق إخوته وأخته عبر مناطق المدينة نفسها، حيث يقطن كل واحد منهم منعزلاً بنفسه وأولاده وهمومه…

  • وا أسفاه.. وا أسفاه..

قالها وتنهد تنهيدة طويلة، ثم عاد إلى نفسه.

لم يكن والدي ووالدتي يتشاجران، كما نفعل اليوم، بل تذكر أنه لم يعش شجاراً ولا خصاماً بينهما، في حياته، أو على الأقل لم يسمعهما كذلك…

  • ما الذي حصل لنا؟

كرر السؤال بداخله، مرات ومرات، وأعاد التفكير: هؤلاء أولادي ومن صلبي.. كيف أضيعهم؟ وأين سيذهبون هم ووالدتهم؟.. حقاً لقد عشت معها سنوات ولحظات جميلة وهادئة.. كنا متفقيْن في غالب الأشياء وحول أغلب الأمور.. ما الذي حدث؟.. أي شيء غيَّرَ مجرى حياتنا؟.

في هذه الأثناء كانت الزوجة جالسة في ركن الغرفة الكبيرة تردد الأسئلة نفسها، وهي تنظر إلى طفليْـها النائميْن والدموع لازالت عالقة في عيونهما البريئة مثل قطرات المطر الخفيفة على أوراق التوت، تستغفر وتحوقل. أثار صوت آذان الظهر انتباهها فانسحبت بهدوء شديد حتى لا توقظ الطفلين. بسملت واستعاذت بالله ثم دلفت مكان الوضوء..

عند أول تكبيرة وجدت في نفسها راحة وسكينة. انخرطت في المناجاة عند السجدة الأولى التي طالت ولم تقم منها إلا بعد لحظة طويلة. تابعت صلاتها ولم تعد تشعر بشيء من حولها.

عاد الزوج مسرعاً إلى البيت.. ولج بسرعة فائقة.. توجه نحو مكان الوضوء ثم خرج مسرعاً حتى يلحق تكبيرة الإحرام.. عند أول خطوة على باب المسجد سمع المأموم يقيم الصلاة، فشكر الله على ذلك فناذراً ما فاتته تلك التكبيرة التي اعتادها، في الصف الأول، منذ كان يصحب والده أو جده، أو هما معاً، وهو طفل.

كبَّر الإمام، وكبَّر بعده. وجد حلاوة الصلاة التي لم يذقها منذ صباح اليوم. انسابت الدموع غزيرة صاحَبَـها أزيز متقطع. وبعد تسليم الإمام وجد في قلبه راحة افتقدها منذ مدة بسبب ضغوط العمل والسفر المتكرر، الذي نأى به بعيداً عن أهله وأبنائه.

أسند ظهره إلى سارية كبيرة وطاف بنظره في سقف المكان. انتابه شعور غريب بجماله الأخاذ، وتساءل لماذا لم يستشعر هذا الأمر طيلة عمره!.. كانت زخرفات خشب الأرز لازالت جذابة، رغم مرور قرون عليها، في تناسق عجيب تثير في الرائي جلال المكان ورهبته، وتشهد على براعة صناع هذا البلد على مرِّ الزمان، تزيدها شساعة الفناء روحانية غريبة، ترسم في القلب لوحة انفلات الدمع على إسفلت الماضي الهارب من صاحبه.

سرح بخياله، وروحُه ترفرف تواقة إلى أجنحة الجلوس أمام فقيه الكتاب يلقنه الآيات والسور، وهو يستظهر بصوته الجميل الذي كان يجعله واحد أقرانه في الحي والأحياء المحيطة، بل كثيراً ما كانوا يستدعونه في المناسبات لقراءة آيات تنبعث من صوته الشجي، تثير السامعين وتنبههم إلى جمال وروعة كلام الخالق، وتدعوهم للاتعاظ والتوبة فتنهمر دموع الخاشعين والمفرطين منهم، على السواء، مدرارا. ثم وهو يعود إلى والده وجدِّه يقبلانه فرحيْن به شاكرين الله على نعمة الولد، فينحني خجولاً يقبل يديهما ويتمسك بعنُقَيْهما… أخذ شريط الذكريات يتتالى عليه وهو منغمس في جوه الروحاني ذاك، ولم يقطعه عنه إلا صوت خادم المسجد يلقي عليه التحية ويسأله عن أحواله وسبب طول غيابه الأخير. رد عليه السلام وتابع معه الحديث، ثم انتبه إلى أن وقتاً طويلاً قد مر عليه. استجمع نفسه، وقام مودعاً.

أدار  المفتاح ودخل. وجد زوجه قد تغيرت عما تركها عليه.. بادرته بابتسامتها المعهودة. ذكَّرته بها في أول عهدهما عندما جاءا إلى هذا المنزل، هانئيْـن ببعضهما، يجمعهما حب ووُدٌّ قلما يجتمعان في هذا الزمن.. ذكرته بمبادرتها له عند الدخول وحملها حقيبته وأخذه إلى مائدة الطعام، متسائلة عن يومه، شاكرة الله على سلامته وعودته الميمونة…

أخبرته أن وجبته جاهزة وأنها بردت بسبب تأخره ثم استأذنته بضعة دقائق لتضعها على النار قليلاً كي تسخن، وأنها لازالت تنتظره حتى يتناولا وجبة الغذاء، كعادتهما، معاً.

جلسا حول المائدة، وقد خجل من نفسه لهذا الاستقبال الذي لم ينتظره، بعدما فعل ما فعل صباح اليوم. استسمحها عما بدر منه، واستسمحته هي أيضاً. التقت نظراتهما ففاضت ابتسامتان رقيقتان من كل منهما. اقترب منها قليلاً وقبَّل جبينها.

تابعا تناول الغذاء. سألها هل عاد مصطفى إلى البيت أم لا. فأشارت برأسها بما يدل على السلب. صعدت منه تنهيدة وزفرة معبرة، ثم قال مخاطباً:

  • لا عليك!.. سأعالج الأمر بإذن الله تعالى.

بادرته:

  • أرجو ذلك.

بعد أذان العصر ، خرج متوجها إلى المسجد. مر بالمقهى فلمح ابنه مصطفى في المكان نفسه. ناداه بصوت رقيق:

  • تعال يا بني!.

تفاجأ مصطفى بصوت والده وقام إليه مسرعاً. احتضنه بقوة، ثمة خاطبه:

  • تعال معي لنصلي العصر ، وبعدها أريدك في أمر هام! .

لم يجد الولد بدّاً من مجاراة والده. وصلا إلى المسجد، فاستأذن مصطفى للذهاب قصد الوضوء.

بعد الصلاة التقيا عند باب المسجد. أخذ الوالد بيد ابنه وانطلقا. جلسا في مكان هادئ. نظر إلى ابنه، ثم قال له:

  • تعلم يا مصطفى أنك أصبحت رجلاً، وأن ما يقع بين الزوجين من خلافات أمر عادٍ.. أريد منك أن تثبت لي أني أنجبت رجلاً يخلفني عند غيابي.. طبيعة عملي، يا بني، تحتم علي السفر بين الحين والآخر، وتجعلني، أحياناً، متوتراً، وستدرك ذلك بعد سنوات قليلة حين تعمل وتتحمل مسؤوليات غيرك!.

لم ينبس الولد بكلمة، ولكنه تابع كلام والده باهتمام كبير، مستشعراً معانيه وأبعاده العميقة، وقد ازدادت مكانة والده عنده.. اعتاد منه هذا السلوك النبيل منذ نعومة أظفاره، واعتاد رعايته له ولإخوته، ولذلك ندم عما بدر منه، هو الآخر.

نظرا إلى بعضهما وترقرقت عيونهما بدموع لها أكبر من دلالة، ثم تعانقا، وأخذ الوالد بيد ابنه عائدين إلى البيت معاً.

استيقظ الأب مع تهليل المهلِّل قبل صلاة الصبح. وجد زوجه خارج الفراش. ضغط على زر المصباح، وإذا به يكاد يتعثر وهو يسمع صوتها تناجي ربها بصوت خافت، والدموع تنهال من عينيها طرية باردة. قبَّل رأسها وتابع السير نحو الحمام. توضأ ودعا الله أن يجعله من التوابين ومن المتطهرين، ثم نادى، بصوت خافت، عن مصطفى. بادرت :

  • لقد سبقك إلى المسجد.

نزلت كلماتها برداً وسلاماً عليه.. فحمد الله وأثنى عليه، ثم ودعها.

عند وضع قدمه بباب المسجد لمح ابنه في سجود طويل، ففاضت عيناه. وبعد انتهاء الصلاة خرج دون أن ينتظر مصطفى، كعادتهما، ولكنه تركه وقد أخذ المصحف وانزوى في ركن من أركان المسجد.

كان نور المكان يشع عبر الأرجاء، والسكون يعم كل أطراف الطريق. أطال النظر في السماء.. نجوم تتلألأ، تخاطبه وتنثر على روحه نسمات الجمال والجلال، تعانق الصومعةَ الشامخة وتدخلان في عناق يدير ساعة الزمان نحو بداية الخلق، قبل سيلان الدم على نطع الخصام والشقاق، والقلب يهفو نحو الآتي.. نحو ضياء التأويل المنفتح ملء ذاك الفضاء….

اظهر المزيد

د. سعيد أصيل

دكتوراه في الأدب العربي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مشكور أستاذي الفاضل تقبل تحياتي متألق دائما كما عهدناك
    تقبل تحياتي معك احد تلاميذك في “خالد ابن الوليد” وطلابك في “الحسن الأول
    “محمد النور”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: