العلبة

قصة قصيرة

… تجمهروا كلهم حول العلبة المغلقة.. أثارهم الفضول لمعرفة ما الذي بداخلها.. تسابق الأطفال محدثين ضجيجاً وصخباً وشغباً، محاولين التسلل وسط الكبار قصد الاقتراب من هذا الجسم الغريب. زجروهم، لكنهم لم يهتموا واستمروا في التسلل حتى اقتربوا.. حاول أحدهم لمس العلبة لكنهم نهروه بعنف شديد ارتعدت معه فرائسه فانسل يجري هلوعاً دون أن يلتفت إلى الوراء.
ظلت الوفود تتقاطر على المكان حتى لم يعد يسَع جموعها الغفيرة، واستمروا يثرثرون مع بعضهم مقترحين تأويلات عديدة لمحتويات العلبة المغلقة… فجأة ارتفعت صفارة سيارة الشرطة مدوية تزلزل الفضاء والأسماع.. نزل اثنان من السيارة وأمرا الواقفين بالابتعاد قليلاً ثم اتجها نحو الجسم الغريب.. نظرا إليه ملياً دون أن يلمساه.. تنحى أحدهما جانباً وأخذ يتصل عبر الهاتف بكلام لا يُسمَع منه إلا عبارة:
– نعم سيدي… حاضر سيدي…
مر الوقت ثقيلاً جداً، وازدادت حدة الصخب والضجر عند الناس… وفي تلك اللحظات تكونت قصص ونُسِجت حكايات وحيكت أساطير بين المجموعات المتناثرة في أطراف المكان.
كان الصخب يرتفع ثم يخفو، بين الحين والآخر، وأعين الواقفين لا تفارق العلبة.
فجأة، وفي غفلة عن الجموع، توقفت سيارة سوداء أنيقة فأسرع الشرطيان إليها، مبادرين بالتحية آمرين الناس بالتفرق وإفساح الطريق نحو الجسم الغريب.. ترجَّل رجلان يضعان نظارات شمسية سوداء و يرتديان بذلتين بلون زرقة السماء وينتعلان حذاءين أسودين لامعين.. مسحا المكان بنظراتهما، ثم اتجها نحو الشرطيين الواقفين جنبيهما وأخذا معهما في حوار خافت لايسمعه إلا الأربعة…
انتهت المحاورة وأخذ أحد الرجلين هاتفه ثم أدار بعض الأرقام مشيراً، بعد حوار قصير جداً، إلى مرافقه بالعودة إلى السيارة، آمراً الشرطيين بالمراقبة الشديدة وإبعاد المتجمهرين عن الجسم الغريب، مع عدم التزحزح عن المكان إلا بعد عودتهما…
جاء وفد آخر في سيارة خاصة.. ترجَّل منها ثلاثة ببعض الآلات والوسائل الغريبة، واضعين قفازات سميكة على أيديهم .. قاسوا المكان طولاً وعرضاً.. حاولوا قياس العلبة، أيضاً، في حيطة شديدة حتى لا يلمسوها.. كانت علامات الخوف والارتباك بادية عليهم، رغم محاولات إخفائها ورغم تظاهرهم برباطة الجأش والثقة بالنفس …. همس أحدهم لزميليه:
– قد يكون عملاً…
– ربما…
– حاذر أن تلمس الجسم.. إقترب بحذر شديد جداً…
– حاضر…
– أية جهة، يا ترى، تكون وراء العملية؟
– الجهات كثيرة.. لكن أيهما بالضبط.. لا أستطيع أن أحدس !
– لن نترك الأمر يمر دون عقاب… !
– تكفي حالة الرعب هذه وحدها ليتم إنزال أشد العقاب…
في هذه اللحظة مر طفل صغير، من وسط أقرانه المتحلقين، منطلقاً كالسهم.. لم ينتبه إليه أحد.. ضرب العلبة برجله اليمنى ضربة قوية فتناثر ما كان بداخلها .. أخذ قطعة وشرع يلتهمها بنهم وفرح طفوليين عارمين، في حين ظل الجميع ينظرون إليه، واضعين أيديهم على قلوبهم أو فوق رؤوسهم، فاغرين أفواههم، بينما اهتز آخرون ضحكاً وقهقهة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: