فنجان في شارع التّاء.. قصة قصيرة

كان الشارع مشرقَ الملامح، مبتسما في صفاء ووداعة، بحيوية ظاهرة، فتيّة مَرِحَة، وكان نشاطُه يرجعُ غالبا إلى أمطار الخريف الأولى، التي تنبعثُ معها رائحة التُّربة النديّة، مُشيعَة إحساسا عميقا بالرجوع إلى الأصل، كأنّه نداء قرابةِ رحمٍ وخيطِ فطرة، يصالحُ الإنسانَ مع الأرض، وكانت أشعَّةُ الشمس كأنّها تتمطّى في استفاقة مرتاحة بعد نومة استوفت تمامها، ولذلك كانت دافئة حميمية، جعلتني أطمئن إلى صفاء اليوم بطوله، وخلوِّه من الأمطار، وملاءمة ما لبسته للطقس، غير أن هذا لم يدم إلا بضعة دقائق، لا أدري كيف غام بعدها الجوُّ، وبدا وكأن الظلام سيحُلُّ منذ الصباح، أو كأن غيمة سوداء حاقدة تريد أن تفسد علي اليوم، وتنيخ بكلكلها على نفسي التي تنقبض مع كل إظلام للأجواء يصعّد المشهد كي يوحي، ولو من بعيد، بتمثيل قيامة صغيرة، وبثّ مقطع من لحظات الفناء المخيف..

كنت رغم ذلك أحتفظ ببعض الانشراح وأنا أسارع الخطى كأني ابنة العشرين في شبه تحدٍّ وحبور، وأنا أستطيب انحشاري في حشود التلاميذ المتوجهين إلى الثانوية القريبة، كأني واحدة من هؤلاء التلميذات اللواتي ليس لهنّ إلا دراستهن والاهتمام بأجسامهن ومظهرها، مع عبءِ تيقّظ الحواس وطفرة الغرائز وتناسل الأحلام الوردية..

أمسكتني من كتفي على حين غرة، فانتبهت مستغربة، والتفتّ لأستيقن منها، فإذا هي امرأة أعرفها حقّ المعرفة، وإن كنت قد نسيت اسمَها، لكنّ الملامح أحفظها جيدا، ولو أني لا أذكر على وجه الدّقة من تكون بالضبط، ولا في أي مكان أو مناسبة التقيت بها، طبعا سعيتُ إلى كتمان اضطراب ذاكرتي بهذا الشكل، وسايرتُ المرأةَ وتحديقَها في وجهي، كأنها تعاتبني على أمر ما:
– كنت أنتظر أن تقولي شيئا بخصوص ما حدث، لكنك دوما تتفلّتين..
– والله لا أسعى إلى التفلُّت، وحاشا أن أفعل.
لم أستوعب بعد عن أي موضوع تريد الحديث، ولا عمّا تعاتبني، أدّعي انخراطي في ما أثارته، وأحرص على أن تظلّ لغتي عامة فضفاضة، يمكن تحويرُها وإمالتُها لأيّة جهة شئتُ بعد أن أتبيّنَ الخيط الأبيض من الخيوط اللعينة الأخرى.
– الطلاق ليس سهلا، ولكن يبدو أنه الحل الوحيد..
ما أن ذكرت كلمة الطلاق، حتى غلب على ظنّي أنها أمّ المرأة التي تزوّجها قريب عائلتنا، ويريد تطليقها بعد اشتعال خطوط النار بينهما بدون أمل في هدنة أو استسلام من أحد طرفي الحرب الأهلية القديمة.

يجب أن أعلنَ رأيي بحزم حتى لا تظنّ أنني فرحة بما يجري، أو منتظرة أن يطلّق الرجل ابنتَها كي تنفتحَ لي أبوابُه، وأستميله أنا العانس التي طال ليلها وألغى صباحَه دون أن يحدد موعدا لاستئناف الانتظار، أزمعتُ أمري وقلت، كي أبدو بعيدة عن دفع الصراع إلى أوجه، وانتظار الانفصال بسرور وأريحية:
– اسمعي يا امرأة منّي، الرجل أصله طيب وكريم، وهو لو اقتصر الأمر عليه كما بلغني، لعاشت زوجته أميرة مدلّلة كريمة، ولكنّ المشكل الحقيقي هو أمّه، هل أمٌّ هذه التي تقتحم بيتَ ابنَها في غيابه وتضربُ زوجتُه وتكسر أوانيها، وتشبعها سبًّا وشتما وإهانة، ثم تسبقها إلى الشكوى عند ابنها؟ معذرة، فالأمّ التي تقدّر ابنها، تعتبر زوجته ابنتها، فتكرمها وتحنو عليها، وتعلمها وتصبر عليها، أما هذه التي تسعى للتفريق بين الرجل وزوجه، فهي شيطانة بالتأكيد، وليست أمّا أبدا، وأنا أعتبر أن هذه المرأة مريضة حقا ويجب أن تعرض نفسها على طبيب نفسي، فما فعلَتْهُ لا تفسير له إلا الغَيْرَة المرضيّة، والاضطراب النفسي، هذه امرأة فاسدة وتريد أن تفسد زواج ابنها، وتجلعه يطلّق زوجته ويرجع إليها في البيت عَزَبًا مُمدّدا قربها بلا منافِسة مفترَضَة، كي تستئنس به وتهشّ به على الجيران وبناتهن، وهي امرأة لا أظنها تعرف الله أو تخافه..

كنت أتحدّث بقوة وصرامة، وأظهر انفعالا بما أقول، وكانت المرأة تبدي اندهاشا مما أقول فاغرة فاها، صامتة كأنها مذهولة، أو كأنها مبهوتة لم تعد تسمعني، فكّرت في أنها متفاجئة مما أقول، وما قلته عينُ النميمة كما خطر ببالي، ولكنّي برّرت الأمر بكوني على الأقل قلت الحق وشهدت به، ولم أتجنّ عليها..

شدّتني المرأة بكلتا قبضتيها من جلبابي، وأحكمت شدّها، وقالت:
– هذا ما عندكِ إذن؟!
استغربتُ لردّ فعل المرأة وتفاعُلِها مع شهادتي، إذ كنت أنتظر أن تطري عليّ وعلى موقفي، أو تطلب مني التدخل للمساعدة ورأب الصدع، لكنّها عوض ذلك صرخت بهستيريا:
– عنكِ كنت أبحث أيتها السافلة، أنا هي أمّ الرجل، واليوم سيعرف العالم من هي المجنونة حقا، أأنا أم أنت، تعالي عندي لأعرّفك إن كنت امرأة فاسدة حقا يا بنت..

كان الجو قد انضغط أكثر، وزفرت ريح السموم من جديد، وبدأت السماء تصبّ ميازيب الماء فوقنا ونحن نمسح الشارع في رقصة نسوية متوحّشة، تعيد كتابة تاريخ تاء التأنيث بطريقة أخرى..

وكان شتنبر الشامت يضحك، ويحرّك فنجانه وهو يسلو بما يرى، وينتشي متيّقنا من رسوخ أفكاره الذكورية وهو يتفقّدها في مرآة شارع التاء المشروخة..

اظهر المزيد

عبد القادر الدحمني

عبد القادر الدحمني/ سوق أربعاء الغرب روائي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: