فقه الموت

كتب الحق عز وجل الفناء على كل شيء وتفرد سبحانه بالبقاء والدوام، وقضى الله عز وجل أن يكون الموت هو الكأس الذي يذوق منه كل مخلوق، وهو الباب الفاصل بين الدارين دار الفناء ودار الخلود، قال تعالى : “كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام” وقال عز من قائل: ” كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ” وأكد سبحانه هذه الحقيقة بقوله عز وجل: كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون”

أراد الوحي الكريم أن يؤسس للموت باعتباره شأنا مركزيا في عقيدة الإنسان المسلم وفي فلسفة حياته اليومية، أراد القرآن الكريم ـ وكذا فعلت السنة النبوية ـ أن تتغير نظرة الناس للموت باعتباره هو النهاية والفناء وأن لا حياة بعده ترجى ولا بعث ولا نشر وهو ما نقله على لسانهم قول ربنا عز وجل ” أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون “

كان المجتمع الإسلامي الأول في الصحبة المباركة لرسول الله صل الله عليه مدركا لحقيقة الموت متبصرا ومتفقها في حكمه وأسراره، وكان النبي صل الله عليه وسلم دائم التذكير بهادم اللذات تارة بالترهيب من شدة سكرة الموت وعذاب القبر وسؤال الملكين…، وبالترغيب في لقاء الله عز وجل والشوق إليه وما عنده سبحانه من خير وفضل وكرم وإتحاف يتحف به أحبابه ساعة حضور الأجل وبعده.

عن بنت الحارثة بن النعمان، قالت: ما حفظت: ق ـ إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة[1] ، كانت النبي الكريم صل الله عليه وسلم يتخلل صحابته الكرام بذكر الموت والآخرة  حتى تترسخ في النفوس همة الاستعداد وطلب وجه الله، وحتى لا تكون الفجعة بالموت والفجأة به..

هذا التذكير النبوي الدائم بالموت وبما بعد الموت لم يكن مقتصرا على أسلوب الترهيب والتخويف من هذا القدر المحتوم والسنة الماضية، بل كان صل الله عليه مبشرا للمؤمنين بما أعده الله عز وجل لهم حال ارتحالهم من الدنيا وما بعده والكرامة التي يكرم الله بها أحبابه في لحظات النزع.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: ” الموت تحفة المؤمن “[2]

وعن السبط الحسين رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال: ” الموت ريحانة المؤمن “[3]

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صل الله عليه وسلم قال: ” الموت غنيمة المؤمن “[4]

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبي صل الله عليه وسلم: ” إن الدنيا جنة الكافر وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج منه، فجعل يتقلب في الأرض ويتفسح فيها”[5]

كان منهج رسول الله صل الله عليه وسلم منهجا وسطيا كاملا جامعا لفقه الموت وفلسفته ومعناه، كان يهيئ القلوب الوافدة على الإسلام للقاء الله عز وجل والشوق إلى إليه، وفي الوقت ذاته يحملهم هذا التشويق على تأدية مستلزمات الاستخلاف الأرضي المؤقت بما هو قنطرة مؤدية للنعيم الأخروي الخالد.

تعاقبت قرون على الأمة انحصر فيه الحديث عن الموت وفقهه وعن الآخرة، واتخذ التأليف في هذا الموضوع ـ على قلته ـ شكلا من التخويف والتنفير من الموت وما بعده، فعجّت الكتب بالحديث عن القبر وأهواله وشدة السكرات وهول طلعة منكر ونكير وغيرها من الأمور التي هي في حقيقتها دين من الدين والإيمان بها عقيدة ندين بها، غير أنها غلبت على تصور المسلمين للموت وطبعت تعاملهم معه بمنطق التوجس والخوف والنفور والاستبعاد…

والحق أن المنهج النبوي الشريف في اعتداله ووسطيته كان المنهج الأقوم في فهم حقيقة الموت وتفهيمها لنفوس المؤمنين وقلوبهم، فإذا كان خبر أهوال الموت وما يكابده الإنسان حال النزع من شدائد، وما جاء من أخبار في عذاب القبر وأهواله موجبا لليقظة والتنبه والزهد في الدنيا والإقلاع عن الذنوب والاثام بالنسبة للعصاة، فإن البشريات الواردة في حال السعداء عند فراق الدنيا خير محفز للمؤمنين أحباب رسول الله صل الله عليه وسلم ليكون الشوق للقاء الله عز وجل ديدنهم وشغلهم الدائم.

قال النبي صل الله عليه وسلم: إن مثل المؤمن في الدنيا كمثل الجنين في بطن أمه إذا خرج من بطنها بكى على مخرجه حتى إذا رأى الضوء ووضع له لم يحب أن يرجع إلى مكانه.[6]

في الحديث تشبيه لطيف لحال المؤمن في الدنيا كالطفل في بطن أمه يرتاب ويخاف ويضطرب حين خروجه منه إلى العالم الخارجي، حتى إذا تلمس ضياء عالمه الجديد واتساع أفقه سكن واطمئن وكذا حال المؤمن حين خروجه من الدنيا يكره مفارقة الأحبة والمؤلوفات ويستكره الموت، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته،[7] حتى إذا بدا له من لطائف كرم الله اطمئن وفرح بلقاء ربه.

يعد الإمام السيوطي رحمه الله من العلماء القلائل الذين نقلوا الحديث عن الموت من الإطار الغالب في كتابات المسلمين إلى التجديد في فقه معنى الموت وخبر الآخر، وقد ترك رحمه الله للأمة كتابا لطيف المبنى والمبنى مبهج العنوان سماه: بشرى الكئيب بلقاء الحبيب جرد فيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وآثار الصالحين ما يدلل على إكرام الله عز وجل لعباده المؤمنين في حال انتقال إلى الدار الآخرة، وما يتحفهم به الله من منن وعطاء جزاء ما قدموا في الحياة الدنيا، يقول الإمام السيوطي رحمه الله في سبب تأليفه لهذا الكتاب: ألفته في أحوال البرزخ، قصرته على البشرى بما يلقاه المؤمن عند موته وفي قبره من التكريم والترحيب.[8]

من العلماء المتأخرين في تاريخ الذين أبدعوا إلى حد كبير في فهم حقيقة الموت وتقريبها للناس نجد الأديب الألمعي مصطفى صادق الرافعي رحمه الله الذي ربط الموت وتدبر معناه والاستعداد المستمر له مقدمة من مقدمات سعادة الإنسان في الحياة، يقول رحمه الله في هذا المعنى: إن الذي يعيش مترقبا للنهاية يعيش معدا لها، فإن كان معدا لها عاش راضيا بها، فإن عاش راضيا بها كان عمره في حاضر مستمر كأنه ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح ولا في الصبح أن يبعد الليل.[9]

جعل صادق الرافعي الذكر الدائم للموت والاستعداد له محصلا للرضا الكامل للقدر والتسليم له، فيحصل بهذا الرضا والانقياد والانسجام إقبال على ما هو مطلوب لهذا الإنسان في فسحة العمر فيتحقق معنى الحياة في معنى الموت والعكس.

ويزيد رحمه الله في تأكيد هذا المعنى بقوله: من عرف حقيقة الحياة عرف أنه فيها ليهيء لنفسه ما يحسن أن يأخذه، ويعد للناس ما يحسن أن يتركه…، ينتزع من الزمن ليل الميت ونهاره، فيذهب اسمه عن شخصه ويبقى على أعماله.[10]

هذا المعنى الذي ذكره الأديب اللبيب الرافعي رحمه الله يشير إليه ويؤكده الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله بنَفس جهادي تجديدي فيقول: من شأن ذكر الموت في حياة أهل الإيمان أن يهونَ عليهم الموت ما داموا ساعين في العمل الصالح وفي رضى الله. يُصبح الاستشهاد في سبيل الله مطلبا غاليا، ويكون الجُهد والجهاد في سبيل الله بذلا مقصودا، لا تصرفهم الصوارف ولا تمنعهم الموانع عن الفاعلية الكبيرة في الدنيا. أما الباكون المتباكون من خوف الموت، المتماوتون في الدنيا خمولا ويأسا فقوم آخرون بل وباء وطاعون.[11]

الذكر الدائم للموت حياة للقلوب المتنورة بالإيمان ، لا يكون الخوف من الموت الذي يسيطر على العقل المادي مثبطا عن العمل الصالح والسعي الحضاري تكثيفا للجهد وإعدادا فاعلا لنهضة الأمة بعيد عن اليأس والخوف والتماوت.

الموت في عقيدة المؤمنين الصادقين المحسنين نقلة من ضيق إلى سعة من سجن إلى حرية ، الموت كما يجب أن يصوره دعاة المسلمين ووعاظهم : الموت عند العارفين المحسنين الأولياء راحة، لأنها تخففهم من كثافة الجسم الترابي، فيُصبح لقاء الله أقرب، يسبحون في الروحانية حتى يبعثهم الله ويبعث من في القبور في أجسام الخلود التي بها يتنعم من يتنعم وفيها يعذب من يعذب[12]

  1رواه مسلم وغيره

 [2] رواه الطبراني

 [3] أخرجه الدليمي

  [4] أخرجه الديلمي

 [5] أخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد

  [6] أخرجه ابن أبي الدنيا مرسلا  

 [7] رواه البخاري في صحيحه

 [8] السيوطي، بشرى الكئيب بلقاء الحبيب ، ص 24

 [9] مصطفى  صادق الرافعي ـ وحي القلم ـ ج1 ، ص51

 [10] مصطفى صادق الرافعي ــ كلمة وكليمة ـ ص 75 76

 [11] عبد السلام ياسين ـ الإحسان ـ ج1 ، ص 275

 [12] نفس المصدر ـ ص73

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: