عندما يُتخذ غموض التعبير مقياسا لعمق الفكر!

       يتخذ بعض الكتاب من غموض العبارة نهجا لهم في تدبيج مؤلفاتهم وإيصال معانيهم، ويتعمدون التخفي والمواربة والالتفاف في القول، لا يضيرهم إن كان قراؤهم يفهمون ويستوعبون فحوى ما يصلهم أم لا، وكأن لسان حالهم يقول ما قاله ابن سبعين؛ في “غموضي استتاري”، فترى القارئ يقرأ ويعيد القراءة دون أن يظفر بشيء، فيسائل نفسه مرتابا في قدراته: هل ما أقرؤه يفوق قدراتي الإدراكية والمعرفية، أم أن بي علة متأصلة تعوقني عن الفهم؟ هل أعاني ما أعانيه وحدي، أم أن العسر والمكابدة يقتسمهما معي غيري؟ وبعد أخذ ورد يقتنع في دخيلته بأن الغموض دليل عمق فكري، وعلو كعب في الكتابة هيهات أن يبلغه أمثاله، وينطبع في ذهنه، بالمقابل، أن الوضوح سيئة  لا جدال فيها تصيب السطحيين وصغار المؤلفين.

لا جدال أن هناك موضوعات غامضة في جوهرها، لا تفصح عن مكنوناتها وخباياها إلا بعد جهد وتعب مضنيين قلما يتوفران في غير من توشحوا بالصبر والجَلد، وامتلكوا من العلم والمعرفة زادا وفيرا، ومن مفاتيح القراءة أجودها وأدقها، لذلك لا يعد الغموض الذي يركبه هؤلاء في إيصال المعاني نقيصة ولا سيئة، لأنهم لم يختاروه طائعين بل مجبرين، فلم يجوزوا لأنفسهم التعبير السهل عن موضوعات غامضة في طبيعتها.

  وإذا كان هذا حال هؤلاء، فإن غيرهم، ممن اقترفوا مهنة الكتابة، نلفيهم يتلفعون بعباءة الغموض عنوة، وعن عمد وسبق إصرار، مسوغهم في ذلك أن الكلام الواضح هو أقرب ما يكون إلى اللغة التي تلوكها ألسنة عامة الناس في أحاديثهم اليومية، فهي لا تعبر عن أفكار عميقة ولا عن معاني ثقيلة.

لهؤلاء وأولائك نتوجه بالسؤال؛ لمن يكتب الكاتب،  ولماذا يكتب ويتكلف مشاق الكتابة بما هي اختمار شائك عسير، وإثمار باطني وئيد، إذا لم يكن بغرض إيصال معارف، وتبليغ معاني، وتمرير رسائل؟! أليست الكتابة تفاعل وتآثر وإفهام وتفاهم؟ ثم ما جدوى الكتابة إذا لم تستهدف التواصل مع قارئ واقعي أو متخيل؟

      لا تخلو البحوث التي تناولت فعل الكتابة من تنصيص على الاهتمام بالمتلقي، وتحديد خصوصياته، ورصد طبيعته، ودرجة فهمه واستيعابه، بل وعلى ضرورة استحضاره حتى لو كان غائبا(كصورة متخيلة). وهذا الاهتمام يعود إلى قيمته باعتباره الطرف المتلقي للمكتوب ومن ثم فهو السبب الفعلي الذي استدعى اللزوم إلى فعل الكتابة في الأصل، وهي دعوة تم التنصيص عليها في أكثر من كتاب داخل الثقافة العربية وعلى لسان أكثر من مؤلف؛ فقد نظر ابن رشيق إلى المتكلم البليغ باعتباره “من ينظر في أحوال المخاطبين” واضعا في الحسبان أن “نجاعة الخطاب وفعله في المخاطب رهينان باستحضار المتكلم لطبيعة المستمعين ومواقفهم وظروفهم … فالقول المقنع لا يكون غفلا بل حاملا لانتظارات المتلقين”.([1]وألزم بشر بن المعتمر، على لسان الجاحظ، المتكلم بأن “يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”.([2]) حتى لا يخالف مضمون خطابه هواهم فيقع المحظور الذي هو “سوء الفهم”، ولم يقع إغفال الدعوة إلى مراعاة لغة الخطاب، وذلك بالاجتهاد في اصطفاء الألفاظ المناسبة والعبارات الكفيلة بتحقيق المراد، واشترطوا فيها أن تكون ملائمة للقدرات الاستيعابية للمخاطبين فـ”كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا”.([3] كما أن “العامي إذا كلفته بكلام العلية سخر منك والخاصي إذا خاطبته بألفاظ سوقية أو بألفاظ غير مناسبة لهويته ومرتبته كان ذلك جفاء قد يقابله المخاطب بجفاء مثله”.([4] وإدراكا منه لعسر المسألة وصعوبة تكييف اللغة بحيث تتمكن من أفهام كل السامعة، تحدث عبد القاهر الجرجاني عن اللغة الوسطى وهي عنده “أن تكون اللفظة مما يتعارف الناس في استعمالهم، ويتداولونه في زمانهم ولا يكون وحشيا غريبا أو عاميا سخيفا”.([5] وإلى ذات الموقف تقريبا ألمح بِشر بن المعتمر بقوله: “فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام”.([6] 

وبعد، إن جماع ما يمكن أن نخلص إليه بعد لملمة المواقف سالفة الذكر، بصرف النظر عن مصدرها، أن المخاطب هو حجر الزاوية في تحقيق الخطاب لأهدافه، لذلك لا ينبغي إغفال طبيعته وأحواله وقدراته، كما لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد طرف سلبي في العملية التواصلية، بل هو بنية متعددة المداخل: سيكولوجية وسوسيولوجية ولغوية وثقافية، بنية حاملة لقيم وحاضنة لخلفيات، وبالتالي لا يتأتى إقناعها بخطاب معين إلا إذا تم تكييف الكتابة بحيث تصل واضحة جلية لا يلقى المتلقي عنتا أو مشقة في فك شفرتها وإدراك معناها، وفي ذلك قال الفيلسوف النمساوي لودفيج فتجنشتين: “إن كل ما يمكن التفكير فيه على الإطلاق، يمكن التفكير فيه بوضوح، وكل ما يمكن أن يقال، يمكن قوله بوضوح.”([7])

 وبعد هذا يطلع علينا بعض الأدباء والفلاسفة والمفكرين عموما بكتابات ترى “الجِدة والحداثة في تتويه القارئ عن المعنى، وتبعيده عن المقصود وخلطه بغيره، وتحميل الفكرة زوائد وحواشي تسبغ عليها أهمية”([8] وتضفي عليها هالة من الالتباس تجعل القارئ يتفصد عرقا من الجهد ولا يظفر بشيء، من هؤلاء شعراء ما فتئوا يمجدون الغموض ويعدونه قيمة إيجابية، بل ويرون فيه ضرورة لا غنى للأدب عنها، حتى شط بغيرهم الاعتقاد أن الشعر الذي يفهم ليس بشعر، مادام الشعر، والأدب عموما، يتوسل في صوغ معانيه بلغة تصويرية مجازية، تقوم على التخييل وتمزج بين التصريح والتلميح، وتكسر قواعد المنطق، ويطغى فيها الذاتي على الموضوعي وغيرها من الخصائص التي أرست للأدب فرادته وتميزه. وعليه، فقد اعتبروا أن طلب الوضوح في الأدب تقويض للأدب وهدم لماهيته، والحال أن فطاحل الأدب وواضعي أركانه تكشف مؤلفاتهم عن زيف هذا الإدعاء وتهافت حججه؛ فقد أخفوا دون أن يبهموا، وستروا دون يغيبوا، وتعمقوا دون  يطلسموا.

أما في مجال الفلسفة، فحدث ولا حرج، إذ يستعصي المعنى ويستوحش وكأننا بصاحبه يخاطب أقواما لا يعرفهم إلا هو، أو كأن رأيا تمكن منه مفاده أن الفلسفة ما هي إلا مرواغة للغة على حد تعبير عبد السلام بنعبد العالي، وأن جمالية النص ووضوح عباراته يتنافى ودقة الفهم وعمق الفكرة، وقد سلك هذا المسلك من الفلاسفة، الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر واشتط في غموض الأسلوب وبالغ في تعقيد العبارة حتى غدت لغته الفلسفية أشبه بالطلاسم التي يزيغ معناها عن مبناها، ويتيه المرء في تأولاتها، ولست أقصد هاهنا التقليل من شأن هذا الفيلسوف الذي يعد من أساطين الفكر الفلسفي على مر العصور،  بل كل المقصود أن صاحب “الكينونة والزمن” لم يختر طريقا مستقيما في تبليغ معاني كتاباته، بل جعله متعرجا شائكا، زادت من صعوبة ارتياده، اشتماله على مفاهيم لم تألفها أذهان القراء ولا أسماعهم، اتسمت بالتكثيف والغموض، و من كانت تلك فلسفته فهو بحسب طه عبد الرحمان واقع في أحد الجهلين: “إما الجهل بالحقيقة الفلسفية أو الجهل بالحقيقة التداولية؛ أما جهله بالحقيقة الفلسفية، فيقوم في جعل المتفلسف لا يفيد إلا نفسه، والمتفلسف الذي لا يفيد الغير قبل أن ينفع الذات، لا عبرة بفلسفته، وأما جهله بالحقيقة التداولية،  فيقوم في جعل المتفلسف لا يعرف قومه، والمتفلسف الذي لا يعرف مجاله التداولي قبل أن يعرف المجال التداولي لغيره، لا عبرة بفلسفته.”([9])  ولا أحسب هايدغر إلا واقعا في ما وقع فيه بعض المتفلسفة حين رأوا أن المعرفة الفلسفية إنما جعلت لفئة محظوظة مخصوصة، فكان أن أضحت فلسفته حكرا على خاصة الخاصة من الفلاسفة، واستغلق فهمها على غيرهم من حديثي العهد بالفلسفة اللهم إلا عبر وساطات، قد تطول أحيانا فيضيع المعنى في لجة التأويلات الكثيرة والمتضاربة.  ولقد فطن هايدغر ذاته إبان حياته إلى تعقيد فلسفته واستعصائها على الأفهام، لذلك بادر إلى تسويغ هذا الغموض قائلا: “إن عملية نحت المفاهيم وصياغتها، في المجال الانطولوجي، [هي التي] تملي “وعورة الأسلوب”.”([10]) ولسنا ندري لِم جاءت كتابات بعض أسلافه من الفلاسفة، من أمثال ديكارت وأفلاطون واضحة شفافة، وهم أصحاب السبق في نحث المفاهيم وصياغتها!!

صفوة القول، إنه “ليست هناك فكرة أدبية أو فلسفية أو علمية مهما يكن حظها من التعقيد والعمق والدقة، إلا ونستطيع ملامستها ومجاذبتها والتعبير عنها بلغة مفهومة وإيصالها إلى عقل القارئ.” ([11]إن كان من يكتب يستهدف فعلا إفهام القارئ ومد جسور التواصل معه، لا أن يتقصد الغموض والتعقيد ويجعل منهما غايته من منطلق يرى في  الأفكار الواضحة أفكارا رخيصة لا قيمة لها.  وعليه، لا لزوم لأن يختبئ الكاتب وراء شعارات من قبيل “موت المؤلف”، “موت القارئ”، “الإنسان مقياس كل شيء”…إلخ ليجعل من الغموض والإبهام ستارا يخفي وراءه إفلاسا فكريا، يسوقه على أنه دلالة عمق فكري لا تقوى أفهام القراء على إدراكه وسبر أغواره.


الهوامش:

([1]) حسن المودن، “دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي“، ضمن الحجاج مفهومه ومجالاته، الجزء الأول، إعداد وتقديم حافظ اسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث الأردن 2010، ص: 242.

([2]) أبو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين، المجلد الأول،الجزء الأول، دار الكتاب العلمية، بيروت، ط 1998، ص: 100.

([3]) نفسه، ص: 104.

([4]) حسن المودن، “دور المخاطب في إنتاج الخطاب الحجاجي“، مرجع مذكور، ص: 242.

([5]) نفسه، ص: 244.

([6]) الجاحظ، البيان والتبيين، مرجع مذكور، ص: 99.

([7]) لودفيج فتجنشتين : بحوث فلسفية، ت: د. عزمي إسلام، الكويت، 1990، ص 107 فقرة 111.

([8]) فواز حداد، المترجم الخائن، منشورات نجيب الريس، 2008، ص 286.

([9]) طه عبد الرحمان، فقه الفلسفة 1: الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، 1995، ص 258.

([10])  علي حرب، الممنوع والممتنع نقد الذات المفكرة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية، 2000، ص 186 .

([11]) فواز حداد، المترجم الخائن، مرجع مذكور، ص 287.

اظهر المزيد

د. عبد القادر ملوك

باحث مغربي حاصل على دكتوراه في لسانيات التواصل، صدر له من الكتب: كتاب"من تعددية الأخلاق إلى أخلاق التعددية" وكتاب "حجاجية الخطاب الإعلامي: أطر نظرية ونماذج تطبيقية"، بالإضافة إلى العديد من المقالات المنشورة بمجلات محكمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: