“رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ”

بسم الله الرحمن الرحيم

رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ[1]: هذا الجزء من الآية الأخيرة من سورة البقرة ضمن الآيتين اللتين قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه”[2]، وهي من قوله عز وجل:”آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ…” إلى نهاية السورة.

"رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ"

قال ابن حجر: ” أي أجزَأَتا عنه من قيام الليل بالقرآن،… وقيل كفتاه كل سوء”[3]، والآيتان تضمنتا توجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة والتضرع إلى الله عز وجل برفع الأغلال والآصار والمشقة[4].

وبعد سؤال المؤمنين الله أن لا يحمل عليهم إصرا (أي ثقلا ومشقة) كما حمله على من قبلهم من الأمم كبني إسرائيل الذين حرم عليهم الطيبات عقوبة لهم على عصيانهم، بل وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم العجل، وغير ذلك من العقوبات، جاء الدعاء بأن لا يُحَمِّلَهم الله سبحانه ما لا طاقة لهم به من العقوبات والبلايا والمحن، ولا يكلفهم ما يشق عليهم من الأحكام والتكاليف، رحمة بهم واعترافا بضعفهم.

وذلك حتى لا يعجزوا عنه ويقصروا في تأدية واجبهم، بل يحمِّلُهُم اليسير الذي يَسْهُلُ عليهم حملُه والنهوض به. حتى لا يستحقون بمقتضى سنن الله أن يحملهم ما لا طاقة لهم به من عقوبة المفرطين في دينهم.[5]

فالرسول والمؤمنون المذكورون في الآيتين وقد آمنوا وأعلنوا طاعتهم وسمعهم من قبل، وطلبوا المغفرة من الحق عز وجل، إنما دعوا هذا الدعاء طمعا في رحمته سبحانه وبره وكرمه.

وتوجيه المؤمنين لهذا الدعاء فيه بشارة بأن الله جلت قدرته لا يكلفنا ما يشق علينا[6] كما بين ذلك في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)[7]وقَالَ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ أحد إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ[8]“. وقال صلى الله عليه وسلم: “يَسِّرُوا وَلاَتُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَتُنَفِّرُوا[9].

إن ديننا الحنيف يسر، ولم يكلفنا ربنا سبحانه إلا ما في الوسع، كما قال جل وعلا: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)[10]، والوُسْع هو القدر المشترك بين المؤمنين.

ثم يبقى متسع للتطوع والتقرب إلى الله بالنوافل حسب همة المؤمن وإرادته، فمنهم المسلم المقتصد الذي يقتصر على ما فرضه الله عليه دون زيادة، ومنهم المؤمن السابق بالخيرات والمسارع إلى الدرجات العليا في الجنة، ومنهم المحسن طالب وجهه الكريم سبحانه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده: قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)[11].

وهذا الفضل الكبير إنما هو اصطفاء من الله ومنة خاصة بدليل قوله عز من قائل (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ)[12].

وقد بين سبحانه كيفية التعرض إلى سابقته في قوله  عز وجل(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[13]، وفي قوله: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ)[14]، وقد فسرت الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم.

اللهم لا تحرمنا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]. سورة البقرة، الآية 285.

[2]. رواه البحاري، حديث رقم:5009.

[3].فتح الباري، ج9، ص81.

[4].الصابوني، صفوة التفسير، ج1، ص20.

 ينظر في ظلال القرآن، سيد قطب ج1، ص، وتفسير المراغي ج3، ص84[5]

ينظر تفسير المراغي، ج3، ص83,[6]

[7]. سورة الحج، الآية76.

[8]. رواه البخاري، كتاب الإيمان، حديث رقم 39،

[9]. رواه البخاري، كتاب العلم، حديث رقم 69.

[10]. سورة البقرة، الآية 285،

[11]. سورة فاطر الآية 32

سورة الأنبياء، الآية 101[12]

[13]. سورة العنكبوت، الآية 69

[14] . سورة يونس الآية 26

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: