رائحة قديمة.. قصة قصيرة

لم تحضر ابنةُ عمّي فتيحة، كنت أرجو أن تكون بقربي في هذه اللحظة العصيبة، لأتكئَ على صدرها وأنام، بل لأشمَّ رائحتَها وأسكرَ بذلك الحنين البعيد إلى طفولتنا الشقية في الدّوّار، لم تحضر، ومع ذلك بقي بصيصُ أملٍ في أن تتدارك تأخُّرَها أو امتناعَها عن زيارتي وتأتي في آخر لحظة، وددتُ لو أتملّى ملامحَها، وأَلْثُمَ خدّها وأشمَّ رائحتَها وأبكي، فهي الوحيدة التي تشبه أمّي رحمها الله وتحمل ملامحها، سبحان الله، ولو أن صلة قرابتهما ليست بذلك القرب.

لم تأت فتيحة، ولم يتوقّف ألمي لحظة واحدة، كان الأزيز في رأسي يرتفع أحيانا ثم يخبو، لكنه يظل هسيسا موسوسا يصيبُني بارتعاب وارتعاد، لمعرفتي بصيغة عودته، حين يوشك رأسي أن ينفجر، بل أتمنى أن ينفجر كي يتوقّف الألم العنيد، وأرتاح.

دخلتْ ثلاثُ جاراتٍ فقط، ورأيتُهُنَّ ينظّفن البهو، وتدخل إحداهن إلى المطبخ لتغسل الأواني المركومة، وأخرى، تقوم إلى أغطية فتبسط منها على الأرض استعدادا لزائرات أخريات، تدق مطرقة الوجع في قعر الرأس، وتصطك أسناني للأزيز المتواصل، وتفيض عيناي بالدمع، فتمسح إحدى النساء ما كرّ على الوجنيتن بكمّ قميصها باكية هي الأخرى من حالي، منذ أربعة أشهر وأنا ممددة هنا في هذا الفراش المقرف، لم أجد من يؤنسني أو يمدّ لي يد العون إلا امرأة مطلّقة تسكن غير بعيد مني، تسمّى التهاميّة، تأتي لتغيّر لي ملابسي وتعطيني بعض ما يمكن أن أتناوله إن استطعتُ، وأحيانا تصحب معها ابنتها فيدخلاني الحمام ويغسلان جسدي الواهن، وأنا أصارع ألمي وهزالي ووُشْك انهياري النهائيّ..

كانت روائح الأدوية والأعشاب تختلط مع رائحة سكنت دمي منذ زمن قديم ولم أستطع التخلّص منها أبدا، رغم كل ما قمت به، كانت رائحة أحس بها أنا فقط ولا يحس بها جُلاسي، وأكتوي بها وحدي دون أن يدرك أحد معاناتي معها، تلك الرائحة هي كل ما أرجو أن أتخلّص منه الآن، ولا حرج عندي أن تظل كل الروائح الأخرى التي يعافها الناس ويشمئزون منها فيصاب بعضهم بالغثيان والدّوار، محيطة بي ساكنة حواليّ، لا يُهِمُّنِي.

لا أطمع أن يزورَني الناس أو يبدوا شفقةً لحالي، لا أدري أيَّ حاجزٍ صعبٍ استطاعتِ النسوةُ الثلاثُ تخطّيه كي يَزُرْنَنِي أخيرا، ويعطفن عليّ ببعض العناية، ربما أخبرتهنّ جارتي المطلقة التهاميّة، واستحثّتهنّ على ذلك وتحايلت وتلطّفت، وربما تداعَيْنَ في حميّة فُضْلَى للإطلالة على جارة توشك أن تودّع دنياهنّ مهما فعلت ومهما قيل عنها.

تطعمني إحداهن وهي تعدني بالشفاء والرحمة، وأعرف أنها تواسيني وتفعل ما يجب إزّاء مريضة ميؤوس من حالها ومن شفائها، لكنّني أبتسم في وجهها، وأطلب منها الصفح والغفران، فتخذلها دموعها وتبكي بمرارة، لا أبكي أنا، أستعطف الكريم أن يزيل عني الرائحة قبل خروج الروح، وأتحيّر فيما أفعل، وقد عدمتُ حيلة لتبرئة نفسي، وإنزال ما يشاء الله من عقاب عادل عليها، كان الناس ينظرون إليّ نظرة ازدراء وتحقير، وأحيانا نظرة اشمئزاز وغضب، بعضهم يغتابني وأنا أسمع، والبعض يسبّني بلا سبب أنني كنت عاهرة ولا أزال، مهما ادّعيت من توبة، نعم كنت عاهرة، ولا أنكر، أمضيت بضع سنين أبيع جسدي في مبغى بمدينة أخرى، قبل أن أتوقّف ويغيّر الكريم طريقي.

هربت من بيتنا عندما مات أبي وسيطر عمّي على كل شيء، وحاز أمي إليه كما تُحاز الأملاك الموروثة، فعشت في كنفه إلى أن فتحت عينيّ على ما يجري، واكتشفت أن عين العمّ بدأت تطالني وتغزوني، ثم تحوّلت العين إلى كفّ، ثم ما لبث أن لعب الشيطان بعقله فراودني بعنف ذات ظهيرة، فهدّدني وكرّر فعلته وأنا خائفة حائرة مما يجري، وكيف التصرف السليم إزّاء جاهلية عمياء كجرم شنيع مع ابنة أخ لم تكن إلا ناهدا لم تبلغ بعد أوان النضج والزواج، وخطرت لي فكرة الهرب يوم عيد الأضحى، فتلقّفتني مِحَنٌ تلو المحن، وتقاذفتني دروبُ الأسى والقهر والاستغلال ردحا من الوقت، إلى أن وجدتُ نفسي في مبغىً بإحدى المدن الصغيرة.

تعايشت قليلا مع العهر والهوان وداويت جراحي بالتمرّد والنسيان، وهناك سكنتني تلك الرائحة، وسيطرت عليّ فخالطت أمشاجي وأنفاسي، ومن يومها تسكنني، مع أنني ابتعدت مدة تقارب العشرين سنة عن ذلك المسلك الوضيع، وكان سبب إنقاذي زواجي بشاب مدمن فقد إحدى رجليه، وكان فقيرا للغاية، ولا أمل له في عمل أو زواج، إذ أعرفه لسكناه قرب المبغى، ورغم أنني لم أتحدث معه يوما ما، إلا أنني كنت أرمق نظراته المعجبة بي عند مروري أمامه للدكان، وهكذا تحدثنا ذات يوم، وتطور الكلام يوما عن يوم، حتى نضجت فكرة الزواج به على نار هادئة، ووعد متبادل بالوفاء والبحث عن بداية جديدة، تضمّنت ابتعادي عن حرفة العار، وابتعاده عن بلوى الشرب والحشيش، فأقسمنا معا على ذلك وأشهدنا الله على الوعد، وكنت قد احتوشت بعض المال، فاشترينا منزلا خربا بحي شعبي، وعملنا على إعادة ترميم بعض غرفه ثم سكنّاه.

كان قد بدأ يبيع بعض الفواكه الجافة باقتراح مني، وأنا أعمل خادمة في بعض البيوت، فاستقر بنا العيش وطاب، لم يرزقنا الله ذرية، فصمدنا وحيدين متآلفين متحابّين، مع أنني كنت أعرف حجم الاضطراب والقلق الذي كان يسكن زوجي كلما تسرّبت إليه كلمة سوء عني، أو ذكّره أحد الشامتين بماضيّ الوسخ، فكان يدخل في شجار غير متكافئ معه، لا ينتهي إلا إن خرجت مهددة إياهم بكل شر لما تعلّمته في حرفة السوء من قسوة ودمويّة، وقد يتدخل بعض المحسنين والعقلاء لإيقاف المعركة ولا يبقى إلا الألم العميق الذي يحس به في صمت، لكنّ ذلك الاستعداء سرعان ما خفّت حدّته، ودخلنا فيما يشبه هدنة أو تطبيعا مع الناس، بل صار بعضهم يدعونا إلى بعض مناسباته العائلية.

تمسح المرأة عرقي، وتقول لي بحزن بالغ: “قولي: لا إله إلا الله، ربي كبير، لا تخافي”.
أبتسم في وجهها، ثم أدخل عالمي من جديد:
أرى نفسي حينما كنت أبكي في الليالي الطوال على باب الله كي يسامحني على ما فعلت، وأراني أبكي في جنازة زوجي عندما توفاه الله وتركني كوتد حملوا خيمته وتركوه بعد الموسم، غريبا في فلاة، لا يستطيع من مكانه حراكا، ولا قيمة يحوزها بعد فصله عن مهمته، أقنع بوضعي الجديد، وأواصل التشبث بالحياة، وأتساءل: لم كان يجب أن يموت هو وأبقى أنا؟ ثم أستغفر الله، وأقول بأنها فسحة لإصلاح ما أفسدته، ثمّ أرى نفسي أمرّ قرب باب جارتي التي تعطي دروسا دينية للجارات، أمرّ خفيفةَ الخُطى متيقّظةَ السّمع لربما التقطتُ شيئا مما يجري داخل البيت، كنت أحس بغربة تكاد تخنقني فأبكي دموعا حارة على العزلة التي تحفر في أعماقي بلا توقف، وعلى شعوري بأن الناس يتجنّبوني ولا يصدّقوني تركي لماضي السوء، وصدقي في إنهائه، وكان أكثر ما يعذّبني تلك الرائحة التي أحس بأنها لا تفارقني، ولا أظنها ستفعل..

أسمع بكاء النسوة الثلاث، وهُنَّ يرمقنني بعيون باكية منتفخة، أشير لهن بعيني أن يصمتن، لا أظنهن فهمن إشارتي، أستسلم للبرودة الصاعدة من القدمين، وللضغط الهائل على صدري، ويلهج باطني بأدعية لم أعرفها من قبل، ينبسط قلبي فجأة لكلمة التوحيد، فأرددها في أعماقي ولو لم تتحرّك بها شفتيّ، ألتصق بها وأدور حولها، وأتشبث تشبث الغريق المفجوع بستائر إهابها، وأتسلق أغصانها بلهفة، وأمصّ رحيقها بشغف، أستزيد ريّا للظمإ المهول الذي أحسّه، أرضع كصبية نور “لا إله إلا الله” وأمرح في رياضها وأتهادى في أراجيح وَجْدٍ تدفَّقَ في كل ذرّة مني، آه يا ربّي! لم ظللتُ محرومة من هذا الفيض طوال حياتي! لم كان عليّ أن أذوق سعير الابتلاء كل هذا العمر قبل أن ألج فردوس الروح!

أتيقّظ قليلا من جديد، وأرى البيتَ قد ازدحم بالرجال والنساء والأطفال، بعضهم يبكي وبعضهم يبتسم، اعتراني شعور بأنهم أجناس من المخلوقات تزاحم الجيران، ثم ما لبثتُّ أن ولجت عالمي مرة أخرى، فرأيتُني أمام بيت الجارة التي تنظم دروسا دينية للجارات، أطرق بابها فتخرج وتعانقني باكية ومرحّبة، أدخل وأنا أشهق بالبكاء، وأرجوهن أن يقبلنني بينهنّ، فأجلس وأنشرح، وأنا أردد “لا إله إلا الله” كأني أُسْلِمُ من جديد، لا أذكر الدرس الذي ألقته الجارة بالضبط، لأنني كنت أبكي لقبولي بينهن، وأحس بأن الكريم قد مدّ لي حبلا كي أرجعَ إليه وأصالحَه، عبارة واحدة أذكرها جيدا، عندما هممت بالخروج من بيت الجارة، قالت لي بابتسامة مِلْؤُها البِشْرُ والأمل: “لا تعيري اعتبارا لكلام الناس، الأمر بينكِ وبينه فقط، لا يردُّ أحدًا أبدا، فلا تغادري بابَه”.

وها هي الروح تنسلّ من الجسد الفاني وتغادرني، وأراني جثةً هامدةً بين نسوةٍ باكيات، تعجبني مشاعر تقديرهن لي وأُلْفَتُهُنّ التي كان يدثّرها القرب والمعاصرة، لكني أشفق لحالهن في نفس الآن، وأرجو أن يبكين حقا على أنفسهن، قبل أن يَرِدْنَ ما وَرَدْتُهُ، غسّلتني إحدى العجائز وخاطت كفني، وقبّلْنَ جبهتي جميعا، وقلن عني قولا حسنا، وعند العصر، جاء الفقيه ومعه خمسة رجال، لا أكثر، كان الفقيه مستعجلا كي يحملوني إلى المقبرة لدفني، كأنه نسي أن يصلي عليّ تماما، كنت أراه متبرّما من الحضور كثير التأفف والعبوس، كأنّما أُتِيَ به ليشهد الزور، وليس ليدفن امرأة مسلمة، لا أحس بأي حقد اتجاهه الآن، أشفق لحاله فقط، أتى شابّ ثلاثينيّ عليه سيماء الصلاح، فرأيته يذكّرهم بالصلاة عليّ، وتقدّم الفقيه الصّف، وصار الجمع سبعة رجال، صلوا عليّ وأغلبهم يشكّون في أن يشملني الله برحمته، ويتجاوز عني ويصفح عن رائحتي القديمة.

أخرجوني بعدها من الزقاق واتجهوا بي صوب المقبرة، الفقيه وخمس رجال، وشاب يافع، يتبعهم بصدق ونية، كان الرجل الثلاثيني يبكي وهو يفكّر في هذه الجنازة الفقيرة، ويتأمّل الحياة الزائفة وهي تمضي غير مبالية بمن أنهى سيره وترجّل إلى مثواه، وكان الفقيه يناور هواجسه وهي تحدّثه بأنهم سائلوه مساءً على المشاركة في جنازة عاهرة بلا حياء، فماذا هو قائل لهم يا تُرى؟! وبين الحضور كان موظّف في القيادة، يذكر الله في صمت، وهو يدعو أن يحسن الله خاتمته، ويقبل توبته، توقّف الكثير من الناس وسألوا عن صاحب الجنازة أو صاحبتها، بعضهم ترحّم عليّ صادقا، وآخرون يعرفونني رددوا عبارات الترحّم باللسان دون أن تنزل إلى شغاف القلب، كأنّهم يخافون عقوبة ما، عليهم ألا يمنعوها من إدراكي.

أنزلوني الحفرة، وَوَارَوْني الثَّرَى، وأنا أسمع صوت الشاب الثلاثينيّ يعظ الجمع الصغير خاشعا، أن يحسنوا الظن بخلق الله ويسألوا المغفرة لأموات المسلمين جميعا، فليست الجنة أو النار بيد أحد من الناس، وليس الله ملزما بشيء مما يظن الناس أو يتوجّسون، وأنه الكريم الذي تحتار الأفئدة في كرمه، ويا سعد من أحسن الظن به وعاد إليه خاضعا لسلطانه، راجيا عفوه وغفرانه.

وأنا أجهّز أجوبتي كأني أحفظها عن ظهر قلب منذ آلاف السنين، رأيت أنوارا تتلألأ حول الجمع، وسمعت صوتا مواسيا يأتي من حيث لا أدري:
– “يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربّي وجعلني من المكرمين”.

اظهر المزيد

عبد القادر الدحمني

عبد القادر الدحمني/ سوق أربعاء الغرب روائي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: