خواطر مشتاق إلى بيت الخلاق

    لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك، ذكر  يتردد على شاشات القنوات  في مثل هذه الأيام من كل عام هجري إيذانا بحلول موسم الحج، ذكر ما إن تنتهي إلى آذانك نغمته إلا سرت في كيانك قشعريرة، باعثها الشوق إلى أغلى مزار:       

كم يهفو فـــؤادي لتلك الديـــــار       وبشوق أنادي شفيعي المختـار          

قد طال ابتعادي عن أغلى مزار      والحج مرادي وديار النبــــــي

من فرط شوقي لبيت الله قد همرت   عيني بدمع على الخدين رقراق     

ذكر هو استجابة لنداء الله الذي أمر خليله إبراهيم  الأواه أن يرفعه، فقال جل في علاه:” وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الانْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (27) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)[1]

رحمة وأي رحمة هذه، الغني عن العالمين يتودد سبحانه إلى عباده  ليحجوا بيته الحرام من أقصى بقاع وأصقاع الارض راجلين وراكبين، لأجل ماذا ياحنان؟ ليشهدوا منافع لهم، وانظر إلى كلمة لهم، فهو  الغني ونحن الفقراء إليه، منافع مادية ومعنوية، دينية ودنيوية، وأيضا لأجل ذكره تعالى في أيام معدودات، وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ”[2]، وما شرعت العبادات كلها إلا لإقامة ذكر الله.      

الحج إذن موعد سنوي يضربه الله عز وجل لعباده في البلدة التي حرمها، فالإعداد له إعداد لرحلة وسفر، ومعلوم أن السفر يستلزم زادا، ولهذا أمر الحق جل وعلا بالتزود لهذه الرحلة المباركة فقال في سياق عرض مناسك الحج: ” وَتَزَوَّدُواْ ” وأرشد في نفس الآية إلى أفضل زاد وأكمله فقال” فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى” وختمها بالأمر به فقال:” وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الاَلباب”[3].فلا بد من زاد مادي وروحي يليقان بمقام هذه الضيافة الربانية، من حرص على شهود المكتوبات مع الجماعة، وصوم النافلة، وبكاء على المضيف سبحانه والتضرع إليه أن يقيني الحجب والموانع والعقبات عن هذه الضيافة، ثم رد المظالم إلى أهلها من ديون وودائع وعواري، ومصالحة خصم واعتذار إليه وإلى كل الأقارب والمعارف، ويبقى دفع الواجب المالي والمستصحب منه ركيزة مهمة في الجانب المادي من هذا السفر العظيم، إذ تحكمه خاصيتان اثنتان:  أولاهما كثرته، وثانيهما مصدره، وما أدراك ما مصدره، إذ من هنا يؤتى كثير ممن يقصدون البيت الحرام، فلا يرجعون من الحج إلا باللقب، تلفي الواحد مأكله حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي الحرام، أو أن المال الذي دفعه اكتسبه من حرام، أو نودي عليه أو خرج سهمه ليحج بمال المستضعفين والمساكين والأمة عموما، مسكين من هذا مصدر ماله، فكيف إن قصد به الحج، أنى يستجاب له، يقول في المناسك لبيك اللهم لبيك، وملائكة الرحمان ترد: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، عياذا بالله، اللهم إنا نسألك رزقا حلالا طيبا ميمونا غير ممنون. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

وحل موعد الرحلة !!!

تبدأ الرحلة بتوديع الأحباب والأصحاب، كذلك يودعوننا يوم تحل بنا المنية والوفاة، في السفر للحج نودعهم، وفي السفر للآخرة هم الذين يودعوننا، لا إله إلا الله، اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقاك. آمين.

تحلق الطائرة أو تبحر الباخرة أو تنطلق الحافلة فيحلق معها ويبحر وينطلق الشوق إلى أقدس مكان وأطهره بيت الله الحرام، والشوق حادي أرواح العارفين إلى لقاء رب العالمين.  

ونحل بأشرف البقاع فتغمرنا فرحة الحلول بأرض مشى عليها أشرف الخلق وسيد الخلق وخير الخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ترب طَيْبَة دفنت الذات النقية الزكية، آه القشعريرة تملأ كياني أن وطأت قدمي هذه الأرض الطيبة:

                    واشـــــوقــاه واشوقـــــــــاه        إلى لقياك رسول الله

                                  &&&&&&&&&&&&&&&

                   شوقي سعى بي إلى المدينــة        أزور بدر الهدى نبينا                                 

 

وإذا بالأقدام تطأ عتبة المسجد النبوي، فيقشعر الجلد لحلول الجسد والروح معا بمسجد سيد الاولين والآخرين، وما إن وقعت العين على المضجع الشريف ومقام النبي الحنيف حتى سالت الدموع على الخدين غزارا، أسالها تحقق المراد، الذي فتت الأكباد، وقفة بين يدي خير العباد، والشهادة له بالتبليغ لكل عاكف وباد، وطلب شفاعته في يوم التناد:

           أرجو شفاعة من ترجى شفاعته        عند الشدائد في خوف وإطباق  

          محمد من به الأكوان قد لبســـت        أزياء نور وإشعـــاع وإشراق

فهنيئا لمن يحظون بزيارة الحبيب المصطفى قبل المناسك، وحتى للذين يزورونه بعدها، وإنما جرت العادة أن صاحب الدار هو أول من يتلقاك فيدخلك إلى الدار،  فرسول الله هو صاحب الدار، وهل شرفت مكة وتنورت المدينة إلا به صلوات ربي وسلامه عليه.

             وما حب الديار شغفن قلبــي       ولكن حـــب من سكن الديــارا  

             &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

             وبالمحب اعتلال ليس يدركه      خالي الفؤاد ومن ليسوا بعشاق   

ثم السلام على الصاحبين الخيرين: عبد الله العتيق من في الغار رفيق أبو بكر الصديق، والفاروق عمر الصدوق.

   طوبى لمن حظي بزيارة صاحب الدار أولا، وصلى في مسجده ومسجد قباء، وزار البقيع وأُحُداً وغيرها من المزارات، وتزود من هذه الزيارة الميمونة للمناسك بانشراح صدر واتقاد عزيمةٍ وفرحٍ برب البرية لا يوصف، كيف لا وقد اجتمع الفرع والأصول.

وحل موعد الذهاب إلى البلد الأمين، فصلت القافلة بعبق الإيمان نابع من زيارة سيد ولد عدنان، بلغت القافلة الميقات.

عند الميقات يتطهر الحاج ويلبس الإحرام، يا لها من لحظة اتعاظ “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوَ اَلقى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”[4] إزار ورداء فقط،  تجرد من المحيط والمخيط، تجرد من الدنيا مؤقت يذكر بيوم التجرد المؤقت، يوم الرحيل، اليوم نتجرد من الدنيا وثيابنا اختيارا وامتثالا، وغدا نجرد منها اضطرارا لا اختيارا، نترك الدنيا خلفنا ونقبل يومئذ على الآخرة، فإما روضة تزهو وإما القبر يشتعل، لا إله إلا الله، اللهم اجعل أجداثنا روضة من رياض الجنة لا حفرة من حفر النار آمين.  

ويشرع في التلبية التي لها معان عظمى أهمها:

تجديد الشهادة لرب العالمين بوحدانيته، وإلا فكل مولود يولد على الفطرة،” وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا”5، تجديد العهد مع الواحد الأحد على التدين بدينه الإسلام، وسؤاله الثبات عليه.

الآن الوجهة البيت الحرام، انطلاقة نحوه تتجدد معها القشعريرة، إنه الشوق إذا غلب، وما إن حللنا بمكة المحروسة، ووطأت الأقدام عتبة المسجد الحرام، ووقعت العين على الكعبة المشرفة حتى انهمرت الدموع من المقلة عن غلبة، وحق لها أن تنهمر وهي لأول مرة ترى فيها الكعبة المشرفة رأي العين، يزيدها انهمارا تحقق رجاء بلوغ البيت العتيق.

 ثم يشرع في طواف القدوم، يا رب ها أنذا قد قدمت إليك فاقبلني، انكسار وافتقار  بين يدي العزيز الغفار، رجاء أن يحط عني الأوزار، ويختم لي بخاتمة الأبرار، ويحشرني في دار القرار مع المصطفين الاخيار، “وحق على المزور أن يكرم زائره”، شرطه ما سبقت الإشارة إليه من صحة الإعداد، لأن من صحت بدايته أشرقت نهايته.

والطواف يختم بركعتين شكرا لله تعالى على بلوغ بيته الحرام وبدء المناسك، وطلب العون منه على ما تبقى منها، ثم يشرب من الماء المبارك، زمزم، اللهم اسقنا يوم الحشر من حوض حبيبك المصطفى وشفيعنا المرتجى بكفيه الشريفتين شربة لا نظمأ بعدها أبدا، ورفقة له في مستقر رحمتك آمين.

  ويأتي السعي بين الصفا والمروة انقيادا واقتداء، انقياد لرب العالمين وكل المناسك انقياد وامتثال لا مجال للعقل فيها، واقتداء بسيدتنا هاجر أم إسماعيل زوج إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام من الجليل.      

أما ما بعد السعي إلى يوم عرفة فما أشبهه في نظري بحياة البرزخ، من حيث انتظار يوم القيامة، وبخاصة يوم التروية.

ثم إذا نحن بيوم عرفة ينبلج فجره ويُسفِر صبحه، الله أكبر، يوم الحج الأكبر حل، جاء يوم القيامة الصغرى، ها قد أشرقت شمس يوم الركن الركين في الحج، “الحج عرفة”، ها قد بزغت شمس أفضل يوم في الدنيا كلها، فبدأت أفواج الحجيج تتجه نحو موقف عرفات،  ياله من مشهد عظيم، اللباس واحد، الذكر واحد، الوجهة واحدة، كأني بيوم القيامة الكبرى حين يحشر الناس إلى المحشر، يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له، وامتلأت عرفات عن آخرها بضيوف الرحمان، وحل الزوال، وهو موعد الخطبة من مسجد نمرة، خطب الخطيب واعظا ومذكرا وناصحا، ثم ختم بالدعاء للأمة، ورفع الأذان فأقيمت الصلاة وقضيت جمعا وقصرا للظهر والعصر، ثم بدأ الوقوف بعرفة، “وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا”  يا ترى ماذا جرى، بدأ العرض، عرض ماذا؟ عرض الحاجات على رب الارض والسماوات، بقلوب واجفة، أبصارها خاشعة، طمعا في عفوه وعتقه ورحمته ومغفرته ورضوانه، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ”[5] ، وروي عنه أيضا أنه قال: “إذا كان يومُ عرفةَ نزل الربُّ إلى سماءِ الدُّنيا ليباهىَ بهم(يعني الحجاج) الملائكةَ فيقولُ: انظروا إلى عبادى أتونى شُعْثا غُبْرا ضاحين من كل فجٍّ عميقٍ أشهدُكم أنى قد غفرتُ لهم فتقولُ الملائكةُ إنَّ فيهم فلانا مرهقا وفلانا، فيقولُ اللهُ قد غفرتُ لهم، فما من يومٍ أكثر عِتْقا من النارِ من يومِ عرفةَ[6] رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين” آمين.

وتأذن الشمس بالمغيب ويحل الغروب، لحظة وأي لحظة، والله لحظة وأي لحظة، انفض الجمع، نفرة الحجيج بدأت، كأني بيوم القيامة وقد حكم أحكم الحاكمين بين العباد وانقضى الحساب، كذلك الحجاج الآن هاهم قافلون رجالا وركبانا لا إلى منى التي باتوا فيها بالأمس ولا إلى مكة  التي كانوا فيها من قبل، إنهم نزلوا منزلا جديدا اسمه مزدلفة للمبيت بها امتثالا وانقيادا، وذكر الله عند المشعر الحرام.

ويتنفس صبح يوم النحر، الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، إنه يوم رمي جمرة العقبة ونحر الهدي والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة، إنه يوم التحلل الأكبر لمن أفاض، والأصغر لمن أخر طواف الإفاضة، إنه يوم شكر للمولى الشكور على ما وفق إليه من المناسك وأعظمها شهود الوقوف بعرفة، فلا غرو أن يتغير الذكر من تلبية إلى تكبير وحمدلة.

    ثم تتوالى أيام التشريق بمنى ويتوالى معها رمي الجمرات الثلاث الصغرى والوسطى والكبرى، مع الدعاء بعد الأولى والثانية دون الثالثة، كل هذا في فرح لا يفارق القلب وبشر يعلو المحيا بنعمة الحلول بالبلد الأمين وتيسر أداء المناسك، والتطهر من الخطايا، والإكثار من القربات وكذا المعارف، فرب معرفة في الدنيا بركة في الآخرة.   

وانتبه معي يا من يقرأ هذه السطور فكل المناسك لا تخلو من ذكر تحقيقا لقوله تعالى السابق “ليذكروا اسم الله”.

ويأتي يوم الوداع، آه إنه يوم فراق البيت الحبيب، مقام إبراهيم المنيب، وما أعز على النفس فراق الحبيب، هاهم ضيوف الرحمان يطوفون طواف وداع لدار الضيافة لا المضيف، وطواف الوداع كله دموع وأنين، وتضرع لرب العالمين ألا يكون هذا آخر عهد بهذا المقام الأمين. 

ختاما أقول اللهم أكرمنا بحج بيتك المحرم، ثم إني لأرجو أن يكون حديث الحجاج مع أقربائهم وأحبائهم بعد عودتهم حديث التشويق إلى البيت العتيق عسى أن يثيب الخلاق جنته يوم التلاق، كل مشتاق لبيته تواق، منعته من حجه قلة الأرزاق.

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد      سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

     لقد أقمنا على عذر وعن قــــدر     ومن أقام على عذر فقد راحـــــــا

                                                            والحمد لله رب العالمين.

                 عصر الثلاثاء رابع ذي الحجة الحرام 1440هـ، سادس غشت2019م       

 

[1] سورة الحج من الآية 35 إلى الآية 37.

[2] سورة البقرة رأس الآية 203

[3] البقرة، الآية 197

[4] سورة ق الآية 37.

[5] رَوَاهُ مُسْلِمٌ

[6] أخرجه ابن أبى الدنيا فى فضل ذى الحجة ، والبزار ، وابن خزيمة ، وقاسم بن أصبغ فى مسنده ، والبيهقى فى شعب الإيمان عن سيدنا جابر  رضي الله عنه ونحوه عند مسلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: