خلف العتمـــة

قصة قصيرة

هي الجسد اليتيم المحترق، يقاسي تصادم الحياة الملتبسة بواقعها المتعجرف المرير، الذي يبث في الأعماق الموت والاندهاش معا، وكأنه يتطلع إلى رغبة مرتجاة قد تنوسيت، واستبد الانتظار أنصافها فاحتلت محلها الأوجاع والأحزان والكآبة والوجل.

ما سرك أيتها المتربعة كمومياء أثري عند مفترق الصعود والهبوط، وسط مدينة مشروخة كل صبيحة جمعة على أبواب المقابر والمساجد ؟

ما سيرتك وأنت الخافتة في صمتك المتحشرج، تبحلقين في ارتجاج العرصات كأنها تطفئ ما قد خضب سؤالك الأزلي، عن انزياحات الأفق الرحب كيف كان وكيف أمسى، ولعله سيصبح في مخيلتك قائظا شاحبا كوجه المدى المتعفر.

أدرك أن الحروف وحدها قد لا تقدر فك طلاسمك المخبوءة خلف الغياب والحضور، لكن الواقع يتعمد أن يرسمك هكذا:

عندما يفقد النهار شهوة البياض يبدأ المساء في اجترار حلكته، وكأنه على موعد مع الاندثار، فتلجين أنت غرفتك المكعبة من بابها المشرع على ترعة واسعة، ومساكن مهمشة، تتأرجح بين القبوع والتلاشي، تختبئ تحت سقوف “قصديرية” ترجعها حرقة الشمس عند حلول الصيف، إلى ظلال ملتهبة، وأزقة حارقة تستحم في برك قانية تزكم الأنوف، وتظل قطعان من الغنم تشق طريقها عائدة من مرتعها المتواري خلف أكوام النفايات.

لا “ميمونا” تستدفئين تحت جناحيه من لسعات الصقيع، ولا حفيدا يدغدغ في كتمانك الأمل، مقطوعة من شجرة كأوراق الخريف المتساقطة بعد عطش وذبول، تؤججين رغبتك في الانبطاح، قبل أن تشعلي بين يديك المرتجفتين عود ثقاب، لتهتدي إلى أسمالك الرثة، فينبعث بين ثنايا الحجرة المهترئة بصيص ضوء خافت، ودخان شمعة متآكلة، قد بكت ظلمتها المفقوءة، مشتتة البال توارين الجسد النحيف تحت دفء لحاف مهترئ، وتبقى عيناك الغائرتان في محجريهما، تحملقان في تردد وذهول، تتأملان جدران البيت المتهدم وظلمته الدامسة.

وجهك والظلام وخلايا الصمت، وتنهدات الروح وارتجاجاتها، وغربة الصبح والمساء، أشباح وطنك المتعري كزهرة فواحة مدسوسة في مجرى أمواه عكرة، هائجة مائجة لا تنام.

هل كان وجهك المطروح في بوثقة العتمة، يراهن على خوض معركة الصبح المداومة، بدءا من المسجد الكبير، مرورا بأحياء المدينة إلى دوار الصفيح المجاور لعشك المتهدل؟

أم أن جراحك الدفينة، قد أثقلت ما كنت تبغيه عملا روتينيا، ترين من خلاله أن الأرض أوسع من قشرة ليمونة، وأكبر من بيضة دجاجة، وأن ما يدب فوقها من أجساد ودواب فهي سائرة بغير اتجاه، ومن تتحرك نحو غير اتجاه إلى مجهول يحرك شطحاتها إلى مالا نهاية؟! والمؤذن يدعو إلى الصلاة.

تجلسين مقرفصة للمرة التي لم أدر تعدادها منذ عهد بعيد، قبالة إحدى المساجد بالحي الجديد، تتكومين لا شيء يملأ بطنك مذ ليلة أمس، تمدين يدك معكوفة خاوية على عروشها، ترددين ترنيمتك المحفوظة: “ديال الله ألجواد … عاونوا هاد المسكينة… ديال الله…”

ليست كلماتك نوعا من التمويه، أو “دراما” مزيفة، بل هي نابعة من كيان أعياه الكمد، واستبد به الجوع وهشاشة الحياة، غير أن الشرفة موصدة ومشحونة بقراءة الآخر، حينما يشيح بوجهه موليا ظهره إليك في تأفف، تدركين وجه التشابه بين شعائر المساء الرخيصة، وتفاصيل النهار التي لا تنتهي رغم تعاقبهما الطبيعي.

تدركين ضيق اللحظة وقلة “العاطي لله”، تدركين أن دموعك ليست جرما إن تركت للاندلاق والانمحاء والاشتعال عن الوطن المتبخر، لكن شمس الظهيرة تشرق في انتظار الأفول، فتنتشر عبر باحة المسجد رائحة “عود الند” وعبق الروائح المتنوعة لمصلين همهم الشاغل: تأنقهم الزائد عن لزوم الموقف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: