خدش صغير أثناء “واجب وطني”.. قصة قصيرة

لا أدري لِمَ انعقد لساني فلم أخبر الطبيبَ بالحقيقة، وأصارحه بما أعتقده السّببَ الحقيقيَّ الذي اشتعل جراءه الألمُ في بطني، فوق الورك الأيمن بالضّبط، وكيف أمضيت قرابة شهرين أخفي عن زوجتي الأمر، ليقيني في أنه الجواب السريع عمّا فعلت.

لم أخبر الطبيب، وهو أيضا بدا عَجِلا وهو يأمر الممرضتين أن تساعداني في خلع ملابسي تأهبا للعملية الجراحية المستعجلة، كنت مرتعبا، وأبدو شاردا وأنا أفكر في ثلاثة أمور، الأمر الأول، احتمال موتي خلال العملية، وترك زوجتي وطفلتنا وحيدتين في دنيا الذئاب، بلا سند ولا معيل. والأمر الثاني، هل يمكن أن تكون فرصة ما لكي أصلح ما وقع، وأسدد ما بعنقي من دين، وما ارتكبته من جرم وأنا في كامل اليقظة والوعي، هل حقا يعد ذلك وعيا؟ أسخر منّي ومن ادّعاءاتي المتهاوية، فَلْأَقُلْها بصدق وأنا على باب الله هنا في المستشفى، على أهبّة فقدي وعيي، كي أترك الأطباء ينبشون بطني ويحاولون العثور على ما يشعلها ألما، ويجعل جسدي في مخاض عذاب أليم، ووجع ممض لا يتوقف، أقولها بجرأة وواقعية: أنا خوّان، بعت نفسي بلقمة هيّنة.. أنا جبان ومجرم.

وأما الأمر الثالث، هو تلك الصورة التي لا تفارقني، وأنا أطير فرحا بالوظيفة، هل قلت الوظيفة، لا، ليس بالضبط، إنها عقد إذعان مدفوع الثمن، ظللت أنتظره سنتين متتابعتين، بعد أن دفعت والدتي تحويشة عمرها، لأحد سماسرة العائلة كي يضمن بها عند رئيس الجماعة المحلية وظيفة في المقاطعة الخامسة، محررا لعقود الازدياد، أو مصححا للإمضاءات فيها، كنت المرشح الأمثل كي أحوز “المنصب”، لأنني حاصل على الإجازة في القانون، ولدي دبلوم في الإعلاميات، وأحسَب على عائلة الرئيس، ولو من بعيد، ودفعت الأربعة ملايين في وقتها، بعدما تمكنت أمي أخيرا من بيع مصوغاها الذهبية البسيطة التي اشتراها لها الوالد رحمه الله، وأقرضَها بعضُ أفراد العائلة، ما أتمّتْ به المبلغَ المطلوب مقابل “المنصب”، وما كان لها أن تُتِمَّه لولا أن أختي الكبرى التي تزوجت مهندسا ناجحا، لا أعرف كيف اجتذبته إليها، تمكنت من إقناعه بقرضنا نصف المبلغ المتبقي، على أن أبدأ في ردّه بالتقسيط حالما أشرع في قبض حوالتي الشهرية.

هذه الصورة بالضبط لم تغادر بالي لحظة، وعيناي ترقبان أنابيب التخدير توشك يد الممرضة أن تجعلها تنسلك في أوردتي كي أغيب عن التمزيق والبحث والبتر والمخيط في بطني، التي يجعلني سعار ألمها أنطوي ككتاب، وأعوي كذئب جريح لن يلتفت إليه أحد إلا الأعداء في مساء الوحشة وليل الفتك المرتقب، هل كنت ساذجا كي أعتبر الوظيفة البسيطة نهاية الانتظار والتعب، وخاتمة خوفي من أن أبقى عالة أو أكون مدينا لأحد في لقمة عيشي؟! هل كان خطأ ما فعلت منذ البداية؟ أليس هذا السبيل هو كل ما تبقى في هذا البلد الأمين؟!

ابتسمت لي الممرضة الصغرى، وبدت مشفقة لحالي، ومنتبهة إلى خوفي وارتعابي، دنت مني، وقالت: “لا تخف، لن تحس بشيء”، يبدو أنه الكلام نفسه الذي يقال لكل من ينام هنا قبيل الغيبوبة، وهل يا ترى يرجع بعدها، أم تكون البوابة الأخيرة لسفر بعيد بلا عودة، أبتسم لها، كأني وثقت في طمأنتها، ويعود المشهد المؤلم بتفاصيله كلها:
“وقفت أمام منصة المحكمة منكّسا رأسي، وأنا أستعيد ما حفّظني إيّاه الضابط كي أقوله، وأرتاح، فأنا مجرد شاهد، أؤدي واجبا وطنيا “هكذا قال”، ثم ينتهي الأمر.
سألني القاضي:
– اسمك واسم أبيك وأمك.
– …
– مذكور أنك موظف في المقاطعة الخامسة التي تقع فيها مؤسسة النور.
– …
– هل كنتَ حاضرا في الواقعة؟ احك لنا ما رأيتَه بعينيك!
– ….
– هل هذا كل ما عندك؟
أومأت بالإيجاب، فالتمس محامي الدفاع أن يسألني، لكن يبدو أن القاضي قد أتاح له ذلك مع الشهود الذين مروا قبلي أمام المنصة، فلم يتح له نفس الأمر معي، ما دام ليس هناك جديد في أقوال الشهود، وهي كلها متطابقة باستثناء اثنين، أحدهما رفض الشهادة وتراجع عنها، والثاني بكى أمام القاضي، وقال بأنه لن يشهد شهادة الزور، فالمدّعى عليه لم يسب ولم يضرب أحدا أبدا.

كنت كفأر تجربة خبيثة، أنتظر أن يقذفوني إلى مزبلة التاريخ، لقد فشلت في امتحان الرجولة، كما في امتحان الحياة كلها، أنا لم أكن حاضرا حين الواقعة، ولم تطأ رجلاي تلك المؤسسة قطّ طوال حياتي، أحضرني رئيس الجماعة أمام صديقه القائد، وأقنعاني بأنني لا بد أن أقدم خدمة لهذا الوطن وأنافح عنه إن كنت أحبّه فعلا، والمطلوب أن أدخل قاعة المحكمة وأصرح برؤيتي المتهم يسبّ ويلعن ويضرب أحد رجال السلطة الذين كانوا هناك، وانتهى الأمر، هو أصلا سيكون مدانا، لأنه فعل ما فعل كما يقولون، ولأنه معارض سياسي ستكون هذه فرصة تصفية الحساب معه، والحقيقة أن عملي كان في مهبّ الريح، وتأدية ما طلبوا مني أحسبها ستقطع الشك باليقين، وتفتح لي أبواب الترقّي ما دامت ستزرع بيننا ثقة لا تتزعزع، سيكون لها بعض الأعراض الجانبية، ولكنّها حتما ستُنسى، هكذا زعمت لنفسي.

وقد ترددت كثيرا قبل أن أقبل دور الخوّان، وجيءَ بي إلى المحكمة، وأُدْخِلْتُ أمام القاضي، وقلت ما قيل لي أن أقوله، كأنّي لا أعي ما أفعل بالضبط، وأحسست كأني قد حُكِمَ عليّ عوض المتّهم، وعرفت أنني أنا الذي كنت أُمْتَحَنُ وأُبْتَلَى في الحقيقة، وفي لحظة وجيزة للغاية وجدتني وقد تاه بي سيل الأحداث، ولا شيءَ أتشبث به كي لا أغرق نهائيا، في تلك البرهة الصغيرة التي أومأت بها للقاضي أي نعم، أحسست كأنّ خدشا صغيرا أصاب بطني، كأن حشرة سقطت عليه، حككت بيدي مكان الخدش، ولم أظن أنه سيكبر ويغوص، ويحرك كل هذه الأوجاع النارية في بطني، ثم يجرّني إلى غرفة العمليات.

أنا خائف وحزين، وضحكة طفلتي تتراءى لي، والزوجة المسكينة لا تعرف القصة، وتحسبني بطلا صنديدا، والوالدة التي لم أخبرها بكل ما جرى ستفجع مرّتين، ورأسي بدأت تغوص بعيدا، وأفقد إحساسي بجسمي، وكيف أعتذر للرجل الذي ظلمته، ومن يبعد عني هذا الكلب المسعور الذي ينتظر أن تخور قواي، وأنا أتردّى من علوّ شاهق، والوالدة تصرخ فيّ: لِمَ لَمْ تُخبرني وتستشرْني؟ والقاضي يسحبني إلى النار، وأنا أحاول الهرب، وأبي يشيح بوجهه عنّي ويرفض أن يكلّمني، وضحكة طفلتي تتكسّر، وتنفجر بكاءً، وأبكي، وتندلق دواة على الأوراق، وطبيب يدخل يديه في بطني ويخرج ملفّا ويتضاعف حجم نظارتيه، والميزان ينتصب عملاقا، وأنا أرتجف، أحد ما يطفئ الأضواء، أتهاوى على الأرض..

اظهر المزيد

عبد القادر الدحمني

عبد القادر الدحمني/ سوق أربعاء الغرب روائي مغربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: