حب أسفل السلم

رومانسية القرون الخوالي أعظم من رومانسية أيامنا هذه، كان العشيق ينتظر تحت ظل شجرة حبيبته، ليقول لها كلمة رقيقة وهي تحمل جرتها عائدة من ساقية ثرة، وأحيانا لا تأتي الحبيبة أبدا، فيعود أدراجه خاوي الوفاض. وكانت العشيقة تتسلل إلى زاوية من بيتها، بإزاء سور به كوة صغيرة، تطل من خلالها علها تكحل عينيها بالذي شغف قلبها. وكان من لهم حظ في القراءة والكتابة يترقبون “مقدم” الدوار كل جمعة، يأتي إلى المسجد يحمل البريد، وفي البريد رسائل شوق ينتظرها أصحابها أيام ذوات العدد ـ تصل أحيانا، وفي أحايين كثيرة تضل طريقها في مكان ما- وبعد حين انقلب كل شيء، فأصبحت الرسائل تصل بضغطة زر، ودون حاجة إلى “علي المومني” مقدم الدوار، كما أن لقاء العشاق كان أسهل وأيسر من ذي قبل، لكن العشق والفرح والبساطة كلها أمور كانت قد اختفت منذ أن دخلت المدنية دوار “أيت حدو” وسط واحة النخيل في جنوب المغرب الشرقي. وما تسللت الحضارة قط إلى ربع إلا كنست سعادته.

كان “قاسي” فلاحا سعيدا، يشتغل بجد ونشاط ليوفر قوت بناته الأربع. وكان زواجه من ابنة فقيه الدوار من أعاجيب الدهر. كما كان اسمه أيضا أعجوبة، فيه بعض قسوة، لكنه شاعر رومانسي رائع، ولعل ضابط الحالة المدنية، قلب ميمه ياء عن قصد أو بدونه، فأصبح قاسم قاسيا. طرقت بابه امرأة حكيمة تدعى إيطو، تخطبه لابنتهم التي انتهت عدتها من زواج فاشل، هي زوجتها، وسعت في طلاقها، والآن تسعى إلى تزويجها ثانية. أجابها بكل بساطة: “لعنة الله على من طلب منه الطلاق ولم يطلق –إشارة لزوجها الأول- وأضعاف تلك اللعنة على من طلب منه الزواج ولم يتزوج، لقد تزوجتها”، هكذا وبدون تعقيدات.

كان لصاحبنا ناي يعزف عليه ألحانا جميلة كلما تعب من حرث الأرض أو تأبير النخل، أو هرب من لفحة شمس محرقة أيام الحصاد. وكان من عادته أن يسرق من وقت وجبة الضحى التي تأتيه إلى الحقول في منديل طرزته يدا حبيبته، يسرق من وقت الوجبة ويستلقي على ظهره تحت ظل نخلة، يضع رجلا على رجل، ويرفع رأسه إلى السماء، فيعزف من أجمل الألحان على نايه. وكان أحيانا يحيط بنفسه بناته، فيعزف لهن بينما أمهن تطلب نارا من جارتها لتشعل موقدها إيذانا بطهي عشاء للأسرة. كان صوت ناي قاسي مألوفا في دوار أيت حدو. وكانت علاقة الرجل ببناته وزوجته مضرب الأمثال في الحدب والحنو والمحبة.

ذات ليلة مقمرة من ليالي الربيع، تحلقت البنات الأربع وأمهن وأبوهن على مائدة متواضعة، تحت ضوء مصباح قديم. لم ينل شظف العيش من رومانسية الرجل ولا من سروره. في تلك الليلة، وحين آوى الزوجان إلى فراشهما، وفراش ذلك الزمان عجيب كأهله، ورومانسيته أعجب. لم يكن للكثير من الأزواج غرفة نوم مشتركة، وكانا يختلسان اللقاءات الحميمية في أي زاوية عندما ينام الأطفال، أو يطلب  الرجل من زوجته أن تأتي معه لإطعام المواشي ليلا، هو يحمل التبن وهي تحمل المصباح، تضيء له الطريق إلى حيث الأغنام والأبقار، وتضيء في الآن نفسه ما اسود من أركان قلبه. ولم يكن ذلك في غالب الأحيان سوى ذريعة لخلوة شرعية منعتها أعراف البادية تلك. نادى الفلاح حبيبته وقد سكن الليل:

  • أريد أن أسألك عن أمر، وأستحلفك بالله أن يكون جوابك صادقا،
  • اخفض من صوتك، فللجدران آذان، هل تريد أن يسمعنا الجيران؟

كانت البيوت الطينية في الدوار متلاصقة، وأسقفها متداخلة، وبين كل بيتين كوة صغيرة تمر منها النار، وبقية الطعام، يأكله الجار ولا يرمى أبدا في المزابل.

  • أنا أريد أن يسمعنا الجيران، والدوار كله. أستحلفك بالله عزيزتي، أخبريني عن أحب الناس إليك
  • كنت أظنك تسأل عن أمر أعظم من هذا
  • أيتها الحمقاء، وهل يوجد أعظم من هذا الذي سالت عنه؟
  • أما وقد استحلفتني بعظيم، فإنه والله أمي أولا، فأبي بعده، وبناتي الأربع بعد أبي، ثم أنت بعد البنات،

هكذا بكل صدق وعفوية، رتبت “شطو” مراتب المحبة، استعملت حروف العطف الفورية بين ابويها وبناتها الأربع، وحرف التراخي قبل زوجها. لا تعرف حروف العطف ولا معانيها، لكنها أصابت كبد حقيقة لم تنافق فتخفيها. رتبت مراتب الحب كما رتب جبريل مراتب الدين بين يدي الحبيب عليه السلام لما جعل الإحسان أعلاها. هكذا وبدون عناء ولا مهلة تفكير جعلت شطو زوجها في مرتبة الأعراب، وجعلت أبويها في أعلى المراتب في الحب. لم تنافق المرأة زوجها تلك الليلة، وأجابت بكل صدق. ولم يكسر هو ظهرها بما تبقى من صفحة طعام العشاء، أو يرسلها في تلك اللحظة إلى بيت أهلها كما يفعله عشاق زمن الحضارة. تقبل نتيجة الاستفتاء في المحبة بكل روح رياضية، لكنه قال لها بصوت عال، عله يقصد أن يسمع جيرانه:

  • أسأل الله أن يفجعك في أبيك وأمك، حتى يخلص الوداد لي ولبناتي فقط.

لم يكن الرجل يريد من الحياة شيئا غير أن يصفو الوداد له ولبناته. ولا بأس أن تفجع زوجه بمن يضايقه في المحبة، ويتسلق أعلى رتبها. غلب قانون الندرة على قانون الوفرة كما يوصي به مدربو التنمية البشرية في الدورات التي يقدمونها للباحثين عن الطمأنينة وسكينة الروح. سمعت قهقهة من بيت الجيران. لم يكن الجار يسترق السمع، ولا قصد أن يعرف تفاصيل حوار تلك الليلة، لكن صوت الفلاح الجهوري اخترق هدوء ذلك الليل. كتم ابراهيم ضحكته طويلا، لكنه أطلقها بعد حبس علامة إعجاب أو استغراب من حديث جاريه العشيقين.

غط الرجل في نوم عميق بعدما بلغ رسالته بكل قوة في تلك الليلة الرومانسية، ليبدأ رحلة يوم شاق من العمل، وهو يمني النفس أن يصفو له الوداد يوما، ويحل في المرتبة الأولى في سلم الحب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. قصة جميلة تفوح منها رائحة تبن صيف بوادينا الجميلة وتقطر شوقا لماضي طفولة بعيدة
    لله درك يا شعيب !

  2. مزيدا من العطاء والتألق أيها المبدع المتعدد المواهب…
    أحسنت الأستاذ شعيب في تصويرك الرائع لمشهد أروع ينتمي لزمان ومكان عنوانه الطيبة والعفوية والصفاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: