تميز اللغة العربية عن باقي اللغات:

بسم الله الرحمن الرحيم

إن أول ما يميز اللغة العربية أنها؛ لغة القرآن فهي اللغة التي اصطفاها الله عز وجل من بين جميع اللغات لتكون لغة كتابه العزيز الذي فيه عزة الأمة، وعزة كل أمة في عزة لغتها.

وتعد اللغة العربية من أغنى اللغات بالمفردات، مما يساعد المسلم والمثقف العربي التعبير عن كل ما يريد بسهولة مطلقة، ولا أدل على ذلك كثرة المفردات التي تغص بها المعاجم اللغوية. فهي إذن لغة كثيرة المترادفات متنوعة الأساليب والعبارات فيها الحقيقية والمجاز والتصريح والكناية. وقد كُـتب لها بفضل الله وبفضل الإسلام أن تتحول من لغة الأشعار إلى لغة الأفكار وأن تصبح لغة الشرع والعلم وأصبحت اللغة التي ترجم منها واليها المؤلفات العلمية والأدبية والفلسفية والتاريخية.

ومما يميز هذه اللغة الغنية؛ سهولة اللغة العربية وثراؤها. وذلك عن تجارب كثيرة نراها ونعيشها؛ فقلد رأينا كثيرا من المسلمين الأجانب الذين لا يتكلمون باللغة العامية، فكثير من سكان شرق آسيا لم يكونوا يفهمون لغتنا العامية ولكن حين نتحدث معهم بالفصحى نراهم يتجاوبون ويفهمون، حيث يظهر لنا أنه لا فرق.

وتعتبر اللّغة العربيّة من أبرز اللّغات على الإطلاق، وأكثر لغات العالم جزالةً في الألفاظ وقُدرةً على استيعاب المعاني الجليّة، وتناسُقا في الأوزان؛ إذ الأوزان في أغلبها مُتشابِهة[1]. وهي أيضا لغةٌ فضفاضةٌ واسعةُ المدى والبيان، وقد كان العرب سابقاً يتفاخرون بقدرتهم على نظم الشّعر وضرب الأمثال والنّثر والبلاغة، ومازالَ اللّسانُ العربيّ فصيحاً حتّى اختلطت بالعرب عناصرَ من العجم الذين دخلوا في الإسلام عصرَ الدّولة الأمويّة، وبشكلٍ أكبر في عصر العبّاسيين المُتأخّر؛ حيث أُعجمت الألسنة وتأثّر بَريق لغة الضّاد، فاحتاجَ الأمر أن يقف رجال القواعد لضبط الألسنة وتقويم اعوجاجها، وتنقيحها من الدّخائل والمُصطلحات التي ليست منها.

وسُمّيت اللّغة العربيّة بلغة القرآن والسُنّة، وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)[2]. وقال عز من قائل: (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)[3]. قال ابن كثير: (أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف).

لذلك حَظِيَت بما لم تحظَ بهِ أيّة لُغةٍ من الاهتمام والعناية، وهذا أمرُ الله نافذٌ فيها؛ لأنّها لُغةُ القرآن الكريم وهذا بدوره أعظم شرف وأكبرَ أهميّةٍ للّغة العربيّة؛ لأنّ الله جلّ جلاله اختارها من بين لُغات الأرض ليكون بها كلامهُ الخالد الذي أعجز بهِ من كانَ ومن سيأتي إلى قيام السّاعة، ولا يكونُ هذا الإعجاز إلاّ لكون هذهِ اللّغة تحتمل ثقل الكلام الإلهيّ وقوّة الخطاب الربّاني.

كما تميزت اللغة العربيّة بثباتِها عبر العُصور؛ فهي صالحة لكلِّ زمان، ومكان؛ إذ ما زال العربيُّ قادراً على قراءة النصوص القديمة، وفَهمِها، على عَكس اللغة اللاتينيّة التي اندثرَت، ونشأَت منها اللغات الأوروبيّة، ثم تطوّرت واختلفت بشكل كبير عبر الزّمن.

إنّ اللّغة هي الوعاء الأساس الذي يحتوي العلوم، والتّكنولوجيا، والثّقافة، والتّاريخ، والحضارة، والهوية، والمشاعر، فإن استطاعت أمّةٌ المحافظة على لغتها ستكون من أكثر الأمم تقدُّماً وتطوّراً، كما أنّ تعليم العلوم باللّغة العربيّة أسهل وأكثر إمتاعاً؛ نظراً لأنّ اللّغة العربيّة تُعطي مجالاً للإيجاز والتّعبير بشكلٍ كبيرٍ عن المواضيع المُختلفة، فهي لغةٌ مَرِنةٌ جداً في شرح الأمور العلميّة في ظلّ الوفرة الكبيرة في المفردات والأساليب اللغويّة[4].

كل ذلك يدل على أهميّة اللّغة العربيّة في فهم آيات القرآن ومعانيها ومقاصدها بشكل واضح؛ لأنّ القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيّ فصيح ومُبِين في عصرٍ كان مُعظم النّاس يتباهون ويتفاخرون ببلاغة وفصاحة لغتهم، وإلمامهم بقواعدها، وضوابطها، وقد نزل القرآن الكريم بمعانٍ، وتراكيبَ، وجملٍ بليغة جدّاً، تحتوي على الكثير من التّشبيهات والاستعارات، والأساليب اللغويّة البليغة، ممّا أضاف لمكانة اللّغة العربيّة درجاتٍ كثيرةٍ، حتّى أصبحت اللّغة الخالدة الوحيدة في العالم[5].

كما تُعرف اللّغة العربيّة بعبقريتها؛ لأنّها تُتيح المجال بشكلٍ كبير للكُتَّاب بأن يربطوا المَواضيع المُختلفة ببعضها دون أن يضعوا القارئ في دوّامة من التشتّت وعدم الفهم نتيجةً لتعدُّد المواضيع ضمن المُؤلّف الواحد[6]؛ ومن جهة أخرى يتميّز التّاريخ العلميّ العربيّ باحتوائه على الكثير من المُؤلّفات العلميّة في شتّى المجالات العلميّة باللّغة العربيّة، وكان المُؤلّفون العرب يكتبون مُؤلَّفاتهم بطريقة مُميّزة عن غيرهم، وتكون مُؤلَّفاتهم تتحدّث في أكثر من تخصصٍّ علميّ واحد، مثل كتاب إسماعيل بن أبي بكر بن المقرّي المُسمّى؛

“عنوان الشّرف الوافي في علم الفقه والعروض والتّاريخ والنحو والقوافي”،

فهذا الكتاب يتحدّث عن الفقه، وعلم العروض والقوافي، وغيرها من العلوم المُختلفة التي تميزت بها اللغة العربية.

خــاتمـة:

تُعدّ اللّغة العربيّة لغةً خالدةً، ولن تنقرض مع مرور الزّمن؛ حسب دراسة لـ”جامعة برمنجهام” أُجريت للبحث في بقاء لغات العالم في المُستقبل.

فلا يسع كلِّ عربيٍّ إلا أن يعتزَّ بلغته، شأنه شأن كلِّ إنسان ينتمي إلى لغته، وأن يحافظ عليها، ويدافع عنها كلما تهجم عليها خصومها، وأرادوا الانتقاص من قَدْرها، ومن قدرتها على مواكبة تطورات العصر. ويكفي للرد عنهم، والدود عن هذه اللغة المتينة؛ الخصائص والمميزات التي أوردت سابقا، حتى لا تصل إلى ما وصات إليه في زمان الناس هذا.

ومن أبرز ما قِيل في نعي اللغة العربيّة، لما آلت إليه؛ قصيدةٌ للشاعر حافظ إبراهيم، الذي يُذكرنا  في نفس الوقت أن اللغة العربيّة لغة القرآن، وأنّها لغة واسعة، ولغة اشتقاقيّة، وقد تُشتَقُّ منها أسماء الآلات أيضاً، مثل: مِفكّ، وسِكّين، وأنها إذا كانت قادرة على استيعاب ألفاظ القرآن المُعجِز، فكيف بقدرتها على استيعاب مُفردات الحياة اليوميّة[7]:

وَسِعتُ كتابَ الله لفظاً وغايةً ** وما ضِقتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فَكَيْفَ أَضِيقُ الْيَوْمَ عَنْ وَصْفِ آلَةٍ  ** وَتَنْسِيقِ أَسْمَاءٍ لِمُخْتَرَعَاتِ

أَنَا البَحْرُ فِي أَحْشَائِهِ الدُّرُّ كَامِنٌ ** فَهَلْ سَأَلُوا الغَوَّاصَ عَنْ صَدَفَاتِي.

كما شبّه اللغة العربيّة ببحرٍ واسعٍ؛ حيث يَجِد المُتأمِّل في مكنوناتها كلّ ما هو ثمين، وأشار إلى أنّ اللغة العربيّة أخذَها الخَلَف عن السلَف بالرواية، فقال[8]:

أيهجرُني قومي عفا الله عنهمُ ** إلى لغةٍ لم تتَّصل برواةِ.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – يُنظر: عبد المجيد عمر، “منزلة اللغة العربية بين اللغات المعاصرة دراسة تقابلية”، (مركز البحث

العلمي وإحياء التراث الإسلامي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية)،  الصفحة: 79.

[2] – النحل : 103.

[3] – الزمر : 28.

[4] – د. محمــد مرايــاتي، تعليم العلوم والتكنولوجيا باللغة العربية وأثره في التنمية االقتصادية واالجتماعية، الصفحة: 20-22. (بتصرّف).

[5] – عبد الله علي محمد العبدلي، “أهمية اللغة العربية في فهم القرآن الكريم وتفسيره”، (تفسير، بتاريخ:

07-12-2016).

[6] – أحمد فال بن أحمد، “مكانة اللغة العربية وأصالتها”، (إسلام ويب، بتاريخ: 30-05-2010).

[7] – أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري، “ديوان حافظ إبراهيم” (الطبعة الثالثة)،

الصفحة: 254-255.

[8] – د. عثمان مكانسي، “سويعة مع الموهوب المرحوم حافظ إبراهيم”، (بتصرّف).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: