تزويج القاصر بين الماضي والحاضر

تعد الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع، فهي أساسه صلابته من صلابتها، وقوته في منعتها، ركناها زوج وزوجة المفترض فيهما الأهلية والقدرة على تحمل المسؤولية والاضطلاع بمهماتها وتبعاتها.

إن الإسلام بشموليته وحكمته أحاط الأسرة بالرعاية الكاملة، وسن لها من القوانين وشرع لها من الأحكام ما من شأنه أن يسير بها على درب النجاة. بل ويحقق لها السعادة والتواد والسكن النفسي والجسدي، بدءا بشروط اختيار الأزواج، وحماية المرأة من أن تنتهك حقوقها وتداس كرامتها، حيث جعل لها ظهرا وسندا تتكئ عليه، فلا نكاح إلا بموافقتها وموافقة وليها، وشهادة العدلين وأداء الزوج للصداق تكريما رمزيا لها وضمانا لحقها.

1 – تزويج البكر بين التخيير والإجبار:

لقد تحدث الأصوليون عن الأهلية والإطاقة في الزواج للزوجين معا، وحق الزوجة في الرفض والقبول، وهو ما تواترت الأحاديث على تزكيته: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قيل: وكيف إذنها؟ قال أن تسكت[1].

نتحدث عن البكر في الوقت الذي كان فيه الزواج المبكر هو الغالب والمشهور، والبكر قديما هي القاصر في عصرنا الحالي، ويشترط في البكر أن تكون رشيدة، والرشيدة هنا هي البالغ التي ليس بها عته ولا جنون، في مقابل الرشيدة في القانون الحالي، والتي تجاوزت سن 18 مع الأتمية في العقل طبعا.

ولقد ضيقت بعض الآراء الفقهية الأمر فذهبت إلى عدم أحقية البكر في الرفض أو القبول استنادا لفهم للفظ لحديث رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها.” [2]

على أساس أن تخصيص الثيب بكونها أحق من وليها يقتضي كون ولي البكر أحق بها من نفسها في إمضاء الزواج أو منعه.

ومع البحث والتدقيق في المسألة يتضح أن هذا الاستدلال مرجوح، فهو رأي عدد محصور من الفقهاء، ومخالف لأحاديث وأصول أخرى في الباب، لكن زكاه التقليد والتكرار، وقررته السنون التي أصابت الأمة بالتخلف والتمسك ببعض النصوص من غير استحضار للمقاصد الشرعية الأساسية.

فالملاحظ أن هذا الاختيار تضحده أحاديث صحيحة وسنن فعلية نبوية صحيحة أنصفت المرأة واعترفت بحقها كاملا غير منقوص.

كما تصدى علماء معتبرون لهذا المنحى، وردوا تلك التفاسير بالحجج الدامغة اعترافا بحق المرأة بكرا كانت أو ثيبا في الاختيار بحكم أن الأمر متعلق بها ابتداء وأنها الأحق من غيرها في ذلك. يقول ابن تيمية الإمام الحنبلي رحمه الله تعالى في شرح الحديث السابق:

” فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤا باتفاق الأئمة، وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلم الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك أو يخجلونها حتى تفعل…” [3].

واستدل رحمه الله بأن الأب لا يملك أن يتصرف في مال ابنته إذا كانت رشيدة إلا بإذنها وبضعها أعظم من مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها مع كراهتها ورشدها؟!

وقد استنكر رحمه الله أن تجعل البكارة موجبة للحجر عليها، إذ ما يخالف أصول الإسلام. كما عاب عليهم أنهم تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه، وقولهم بعدم وجوب استئذان البكر مخالف لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا مخالف لإجماع أئمة المسلمين قبلهم[4].

وجاء في المحلى لابن حزم رحمه الله قوله: ” لا نعلم لمن أجاز على البكر البالغة إنكاح أبيها لها بغير رضاها متعلقا أصلا.” [5]

وقد استندوا إلى حديث آخر يرويه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “والبكر يستأمرها أبوها.” [6]  أي يطلب أمرها قبل العقد عليها.

قال الشوكاني رحمه الله: “ويعكر عليه ما يرويه حديث ابن عباس من أن البكر يستأمرها أبوها”[7].

ويقول ابن الهمام صاحب فتح القدير رحمه الله:” وأما ما استدلوا به من قوله صلى الله عليه وسلم فليس حجة، إذ وجوب الاستئمار على ما يفيده لفظ الخبر مناف للإجبار لأنه طلب الأمر أو الإذن، وفائدته الظاهرة ليست إلا ليستعلم رضاها أو عدمه، فيعمل على وفقه، هذا هو الظاهر من طلب الاستئذان فيجب البقاء معه وتقديمه على المفهوم لو عارضه ولو سلم فلا يعارض المفهوم الصريح الذي ذكرناه… وهو أيضا يخالف المفهوم من حديث: البكر يستأمرها أبوها… والولي مأمور من جهة الثيب التي زال عنها حياء البكر ومستأذن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح فهذا مخالف للأصول والعقول”[8].

ومن الأحاديث الصحيحة الثابتة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم منها: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: “جاءت فتاة إلى رسول صلى الله عليه وسلم قالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء”[9].

وعن ابن عباس: ” أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي”[10].

ومن أهم ما اعتمده هؤلاء العلماء لترجيح أقوالهم إلى جانب أخذهم  بالقياس وذكرهم لإجماع أئمة المسلمين قبلهم على مقاصد الشريعة وكلياتها، فالجزئيات الفقهية تنضبط في سلك الكليات حفظا لأصول الشريعة وثوابتها من أن تنخرم، فيجمع بينهما متى أمكن ذلك، فإذا تعذر الأمر، فالأولى تقديم الكلي على الجزئي.

2-  القاصر في واقعنا الحالي:

تتعالى صيحات الجمعيات النسائية الآن لتنادي بخطر تزويج القاصر وأضراره الفتاكة على القاصر وعلى المجتمع….

نعم، علينا أن نسعى إلى تحقيق مصلحة المرأة وألا نتسبب في إيذائها، وألا نوقعها في أسر زواج لا مصلحة لها فيه، ونرجع عليها بتبعات لا طاقة لها بها.

ولا بد أن ننفتح على المصلحة العامة للفتاة، فلا يمكن تزويج الصغيرة التي لم تتمتع بعد بالأهلية لتحمل الميثاق الغليظ، ولا يكمن إكراه الفتاة على زواج لا ترضاه، ولا تطيقه نفسيا أو جسديا فهذا من المسؤوليات العامة التي تقع على عاتق الدولة.

لكن أيضا الجمود على جعل سن معينة (18 سنة) كما تنادي بذلك الفعاليات النسائية هو جمود وحكم نمطي لا يمكن إلا أن يظلم فئة ممتدة من النساء. إن عدم رعاية الخصوصية وحيثيات الواقع لا يمكن أن يكون قرارا صائبا، ولا يمكن أن يحقق النجاح المأمول، ما لم يلامس آلام الناس وآمالهم وما لم ندرس آثاره على المجتمع.

فالأحكام المتعلقة بالمجتمعات لا بد أن تراعي خصوصية هذه المجتمعات، وأن تنطلق منها، وتعرف دوافعها، ومآلاتها. إن إجراء دراسة بسيطة لحالات زواج القاصرات والتوزيع الجغرافي والمكاني لهذه الزيجات يحيل على كون الفئة المستهدفة هي الفئة المستضعفة الفقيرة والبعيدة عن أمكنة التمدرس النائية عن الحضارة والذين لا تلوح لهم بوادر المستقبل من غير زواج يستر هذه الفتاة… لذلك فالأسرة لا تألو جهدا من أجل التحايل على القانون لإتمام هذا الزواج ولو كان عرفا، وهو ما يعرضها لضياع حقها وهدر كرامتها. إذا ما تخلى عنها الزوج ورفض توثيق العقد.

كما أن ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع جعل الأسر تعيش هاجس الخوف وعدم الارتياح، فكيف ترد الزوج إذا ما رأت فيه الرجل المنقذ. لقد كان المشرع المغربي حكيما حينما أعطى القاضي حق تقدير الحالة عندما يتراوح سن القاصر بين 15 و18 سنة وهو ما اعتبرته هذه الجمعيات ثغرة يجب العمل على سدها.

في حين أن الجمود والإصرار على تحديد سن 18 سنة دون مراعاة المصلحة الخاصة بكل حالة هو عيب ونقص، وإهدار لحق الفتاة في الرضا والقبول وهو ما خوله لها الشرع.

ثم ما هو الحل لمنع زواج القاصرات؟ هل يختصر في المنع أم الحيلولة دون المسببات؟ من محاربة للفقر والهشاشة، والتشجيع على التمدرس بتوفير المؤسسات التعليمية في المناطق النائية. ثم هل الزواج هو كل ما يهدد القاصر؟

ماذا بذل المجتمع كي لا تعطى المرأة بلا زواج؟ وقد أصبحت تجارة الجسد في العالم كله تجارة مربحة.

نعم نمنع تزويج القاصر، ونمنع من باب أولى اغتصاب الفتاة، والاتصال بالفتاة اتصالا جنسيا غير شرعي، لأن الزنى مخالف لشريعتنا، وقيمنا المؤسسة على العفة والإحصان – وكون هذه السلوكيات المنحرفة هي بداية المزالق نحو الهوة، وبداية الضياع.

إن معالجة قضية المرأة يجب أن يعالج في نسق متكامل بعيدا عن التجزيء والتناقض.

فزواج الفتاة يجب أن يراعي مصلحتها بالدرجة الأولى فلا إكراه في زواج، ولا اغتيال لطفولة بريئة مكانها الطبيعي مدرسة وحضن عائلة، ولا يتأتى هذا كله إلا بالتمسك بالهدى الرباني، والاعتصام بالثوابت والقيم، وقيام أهل العلم والذكر بدورهم في انتخال المسائل الفقهية مما شابها من الجمود والتضييق، غير غافلين فقه الواقع وما يفرضه من تحولات، بعيدا عن الأنانية والتقليد والإسقاطات غير المنسجمة.

كل ذلك بالموازاة مع تنمية شاملة اقتصادية واجتماعية وعلمية وأخلاقية، ترقى بالرجل والمرأة على السواء، تيسر لهما سبل السلام، وتضمن راحتهما وسعادتهما في الحال والمآل.

المصادر والمراجع: 

  • صحيح مسلم.
  • مسند أحمد.
  • سنن ابن ماجة.
  • السنن الكبرى للنسائي.
  • ابن تيمية، الفتاوى الكبرى.
  • ابن حزم الظاهري، المحلى.
  • ابن الهمام، فتح القدير.
  • الشوكاني، نيل الأوطار.
  • ابن التركماني، الجوهر النقي على سنن البيهقي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الإمام مسلم، المسند الصحيح، ج2، ص 1036.

[2] – م.س، ج 2، ص 1037.

[3] – ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، ج3، ص 262.

[4] – ينظر م.س، ج 3، ص 263.

[5] – ابن حزم الظاهري، المحلى، ج9، ص 461.

[6] – الحديث جاء ذكره في نيل الأوطان للشوكاني، ج6، ص 146، والجوهر النقي لإبن تركوماني، ج7، ص115 وغيرهما….

[7] – ينظر الشوكاني نيل الأوطار، ج6، ص 146.

[8] – ابن الهمام، فتح القدير، ج 3، ص 262.

[9] – مسند أحمد، ج 4 ص492/سنن ابن ماجة ج1 ص602 / سنن النسائي ج6 ص 86

[10] – مسند أحمد، ج 4 ص 275 / سنن ابن ماجة ج 1 ص 592 / سنن النسائي ج 5 ص 176

اظهر المزيد

د. نبيلة الوزاني الثهامي

دكتورة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: