تجليات عناية الإسلام بالإرضاع الطبيعي

من الأساليب الجميلة التي جاء بها القرآن الكريم تلك التي ذكر في العناية بإرضاع الأطفال، فقبل أن يضمن لهم الرضاع، ضمن لهم حق الحياة بعد ولادتهم وحرم وأد المولود بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت[1]، فالإسلام يحترم حق الحياة ويعتبرها من المقدسات التي لا ينبغي التفريط فيها، هذا من جانب العار اللاحق بازديان الفراش بالأنثى، كما شدد القرآن الكريم على عدم قتل الأولاد بسبب الفقر، إذ يقول تبارك وتعالى: ﴿قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلك وصاكم به لعلكم تعقلون[2].

تحتوي شريعتنا السمحاء على إشارات وعبارات تؤكد على ضرورة صيانة حق الحياة[3] الخاص بالطفل من جهة، ومن جهة أخرى رعاية وعائه وحاضنه وهي أمه، حيث جعل لها الشرع الحنيف أحكاما خاصة كلها تخدم الجنين وترعاه، ومن أمثلة ذلك تأجيل عقوبة الحد الذي ربما قد تستحقه الأم، إذ يمنع الشرع تنفيذ حكم القصاص من الأم الحامل بأي ظرف من الظروف، بل ويمتنع أيضاً عن “إعدامها بعد الوضع خوفاً على ولدها من الهلاك بسبب عدم الرعاية والاهتمام، ومن التدليل على أهمية إرضاع الطفل من أمه، ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من أن إحدى النساء التي وجدها مستحقة القصاص، فأمرها بأن تكفل ولدها حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولا يتردى من سطح ولا يتهور في بئر.. وحتى يكون هذا الحق بالحياة مكفولاً، كان لابد للطفل من تأمين حقه بالرضاعة، ذلك الحق الذي يستمر مبدئياً حولين كاملين.. وبعد الرضاعة يتكفل الأهل بالحضانة حتى يستغني الولد عن خدمة النساء”[4].

فمن جمالية الإرضاع حفاظه على الصحة الجسدية للمرضع، وذلك بحسن رعايتها وتغذيتها تغذيةً سليمةً كافيةً، ولذا أُبيح للمرأة إن خافت على جنينها أن تفطر في رمضان، روى الترمذي عن أنس بن مالك أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل أو المرضع الصوم أو الصيام[5].

ومن الصور النبوية في تعامله صلى الله عليه وسلم مع الحامل والمرضع رعاية للحالة الصحية والنفسية للطفل، ما روى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين قال: أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من جهينة فقالت يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: “أحسن إليها حتى تضع ما في بطنها فإذا وضعت فأتني بها” فوضعت فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترضع ولدها فإذا فطمته أتته ففعلت فأتاه بها فأمر بها فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال عمر بن الخطاب تصلي عليها وقد زنت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت أفضل من أن جاءت بنفسها[6].

هذه الصورة تغني عن كل تعليق، إذ تتغير الشرائع ويتوقف إمضاؤها إلى حين يكتمل تشكيل هذا الجنين ويأخذ حظه من الرضاع؛ تشوفا لصناعة الأسرة المتينة المترابطة فيما بينها، والجسم المعافى من كل سقم، قال تعالى مشددا على إرضاع الطفل: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير[7]، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: “هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة[8]، وما للرضاع من أهمية بالغة في الحياة ذَكَرَه الله تعالى بهذا التفصيل الذي لم يترك جانبا من جوانب الإرضاع إلا وطرقه بذلك الأسلوب المعهود، يقول ابن عاشور: “فإن أمر الإِرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة”[9].

ولذلك أوجب القرآن الإرضاع على الأم في أحلك الظروف[10]، حتى في حالة الشقاق بين الزوجين لم يترك القرآن الكريم هذا الجانب الدقيق من حياة الطفل وسلامته في أن يأخذ حقه من الرضاعة، يقول سيد قطب: “إن على الوالدة المطلقة واجباً تجاه طفلها الرضيع، واجباً يفرضه الله عليها ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها الخلافات الزوجية، فيقع الغرم على هذا الصغير. إذن يكفله الله ويفرض له في عنق أمه. فالله أولى بالناس من أنفسهم، وأبر منهم وأرحم من والديهم. والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل”[11].

فقبل أن يكون ابن فلان وفلانة فهو خلق الله وصنعه، وما الرضاعة إلا فطرة إنسانية تزيد من توثيق الرابطة بين الأم ورضيعها إن هي أحسنت الرابطة، إذ يمر مع الحليب ما يمر معه من حنان وزيادة تماسك للأسرة.

فلا ينبغي أن يسقط الرضيع ضحية في متاهات الصراع بين الزوجين المتنافرين والمتخاصمين ويضيع حقه الذي قرره القرآن الكريم له في الرضاعة، هذا الحق للرضيع لا يسقط له، ولو أن يطلب له مرضعة أخرى غير التي ولدته، لقوله تعالى: ﴿أسكونهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن واتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى[12]، قال أبو حيان في تفسيرها: “يسير معاتبة للأم إذا تعاسرت، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى: سيقضيها غيرك، تريد: لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم”[13]، وقال كذلك: “فسترضع خبر في معنى الأمر، أي فلترضع له أخرى، والضمير في له عائد على الأب، كما تعدى في قوله: “فإن أرضعن لكم“: أي للأزواج”[14]. فلها أجرة الرضاعة لأنها لم تعد في عصمة زوجها، يقول ابن عاشور رحمه الله: “فإن أرادت أن ترضعه فهي أحق بذلك، ولها أجر الإرضاع وإن أبت فعليه أن يطلب ظئرا لابنه فإن كان الطفل غير قابل ثدي غير أمه وجب عليها إرضاعه ووجب على أبيه دفع أجرة رضاعه”[15]، ولا يزال القرآن الكريم يفصل التفصيل الجميل لتنزيل الأمر الجليل بإرضاع هذا الجنين، يقول الله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى[16]، قال ابن كثير: “وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلا ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها. فلو رضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها”[17].

ويزيد أبو حيان في تفصيل النازلة بقوله: “وليس له إكراهها”[18]، بل المشاورة هي الفيصل ولو حصل بينهما طلاق، يقول تعالى: ﴿واتمروا بينكم بمعروف[19]، “الخطاب للآباء والأمهات، أي وليأمر بعضكم بعضاً بمعروف، أي في الأجرة والإرضاع، والمعروف: الجميل بأن تسامح الأم، ولا يماكس الأب لأنه ولدهما معاً، وهما شريكان فيه، وفي وجوب الإشفاق عليه”[20]، ثم يضيف وضعية أخرى بقوله مفترضا: “فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، أجبرت على الإرضاع بأجرة مثلها”[21].

ويأتي السيد قطب بكلام يجمع فيه آراءا تفرقت في غير تفسيره بقوله: “ثم فصل- الله تعالى- مسألة الرضاعة فلم يجعلها واجباً على الأم بلا مقابل، فما دامت ترضع الطفل المشترك بينهما، فمن حقها أن تنال أجراً على رضاعته تستعين به على حياتها وعلى إدرار اللبن للصغير، وهذا منتهى المراعاة للأم في هذه الشريعة، وفي الوقت ذاته أمر الأب والأم أن يأتمرا بينهما بالمعروف في شأن هذا الوليد، ويتشاورا في أمره ورائدهما مصلحته، وهو أمانة بينهما، فلا يكون فشلهما هما في حياتهما نكبة على الصغير البريء فيهما!

وهذه هي المياسرة التي يدعوهما الله إليها، فأما إذا تعاسرا ولم يتفقا بشأن الرضاعة وأجرها، فالطفل مكفول الحقوق: “فسترضع له أخرى” دون اعتراض من الأم ودون تعطيل لحق الطفل في الرضاعة، بسبب تعاسرهما بعد فشلهما!”[22].

المراجع:

البحر المحيط، لأبي حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي، تحقيق صدقي محمد جميل، دار الفكر – بيروت الطبعة 1420 هـ.

التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد» المؤلف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الدار التونسية للنشر تونس، ط1/ 1984 هـ.

تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2/ 1999.

حقوق الطفل في الإسلام مقال لمحمد محفوظ، جريدة الرياض الالكترونية، عدد 14785 بتاريخ 18 ذي الحجة 1429هـ – 16 ديسمبر 2008م.

سنن الترمذي لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي أبو عيسى، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (جـ 1 و 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (ج 4 و5)، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط 2 /1395 هـ – 1975م.

في ظلال القرآن للسيد قطب إبراهيم حسين الشاربي، دار الشروق – بيروت- القاهرة ط 17/ 1412 هـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– سورة التكوير الآية 8 و9.

[2]– سورة الأنعام الآية 152.

[3]– ونحن نعيش أطوار تقنين عملية الإجهاض التي تفشت في مجتمعنا.

[4]– حقوق الطفل في الإسلام مقال لمحمد محفوظ، جريدة الرياض الالكترونية، عدد 14785 بتاريخ 18 ذي الحجة 1429هـ – 16 ديسمبر 2008م.

[5] كتاب الصِّيَام – باب إن الله عز وجل وضع عن المسافر شطر الصلاة والصيام وعن الحامل والمرضع.

[6]– سنن الترمذي، كتاب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب تربص الرّجم بالحبلى حتى تضع.

[7]– سورة البقرة الآية 231.

[8]– تفسير ابن كثير ج 1 ص 633.

[9]– التحرير والتنوير ج 2 ص 429.

[10]– كما مر معنا في الحديث الذي تأخر حكم تنفيذ الشرع بسبب إرضاع هذا الطفل، الذي أوردته في الصفحة السابقة.

[11]– في ظلال القرآن ج 1 ص 235.

[12]– سورة الطلاق الآية 6.

[13]– البحر المحيط ج 10 ص301.

[14]– المرجع نفسه ج 10 ص 301.

[15]– التحرير والتنوير ج 28 ص 329.

[16]– سورة الطلاق الآية 6.

[17]– تفسير ابن كثير ج 8 ص 153.

[18]– البحر المحيط ج 10 ص 202.

[19]– سورة الطلاق من الآية 6.

[20]– البحر المحيط ج 10 ص 202.

[21]– المرجع نفسه ج 10 ص 202.

[22]– في ظلال القرآن ج 6 ص 3603.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: