كيف يستطيع الأهل مساعدة أولادهم في مواجهة مخاوفهم والتغلب عليها ؟
محمد ياسر منصور
كاتب وباحث وإعلامي سوري
إنَّ معظم مَخاوف الأطفال ليست حقيقية فحسب بل هي جزء طبيعي من نموّهم. وإننا نلاحظ أنَّ مَخاوف غير البالغين لا تختلف عن مشاكل البالغين أنفسهم. فكلّنا نشعر بالتوتر عندما نُقابِل أناساً للمرة الأولى، كما يُخيفنا أحياناً أي صوت مُفاجِئ، ولكن البالغين يعرفون كيف يعالجون مثل هذه الحالات، في حين يرتبك الأطفال حِيالها . إنهم في حاجة إلى معرفة كَون الخوف والقلق حالتين طبيعيتين، وإنَّ تخطِّي الشُّعور بالخوف أمر مُمكن .
ومن المُلاحَظ أنَّ مراحل النمو العاطفي لدى الطفل تبدو طبيعية عندما تنسجم مَخاوفه مع سِنِّه. وهنالك حالتان فقط للخوف الغريزي : الخوف من السُّقوط، والخوف من الصَّوت المرتفع المفاجئ .
من الطبيعي أن يخاف طفل يُراوح عمره بين الستَّة والعشرة أشهر، من الغُرباء. فالطفل يتعلَّم بسرعة أن يُميِّز وجوه أهله عن غيرها ويُصبح كل وجه غير مألوف لديه يُمثِّل تهديداً مُحتملاً لحياته وشعوره بالأمان. كذلك يبدأ الطفل بالخوف من أن يُهجَر بين سِنّ الثمانية أشهر والسَّنة، ويُصبح الخوف على أشدّه لديه بين السَّنة والسنتين. في هذه المرحلة لا يكون الطفل تعلَّم بَعد أنَّ الشخص الذي يَبعُد عن النَّظر بَقيَ موجوداً وسيراه مجدَّداً. فَغِياب أُمّه عن ناظريه يعني له أنها اختفت إلى الأبد، حتى أنَّ الغياب المؤقَّت للشخص الذي يهتمّ كليَّاً بحاجات الطفل يُسبِّب قلقاً بالغاً للطفل .
إنَّ الأهل الذين يتجنَّبون الغياب المفاجئ أو الطويل عن طفلهم إنما يُساعدونه على تدعيم شعوره بالأمان العاطفي .
بين السِّن الثانية والثالثة يخاف الطفل عادةً الظُّلمة والوجوه المقنَّعة. فالطفل يكون قد تعلَّم في هذه المرحلة قراءة التعابير في وجوه أهله لِتبيُّن انفعالاتهم المختلفة، لذلك نراه يشعر بالقلق عندما تُحجَب عنه هذه الملامح.
عندما يبلغ الطفل مرحلة الدراسة تسيطر عليه مَخاوِف أخرى كالخوف من وفاة أحد الوالدين، ثم الخوف من العمى أو الخوف من العقوبة في المدرسة.
وبغية تمكين الأهل من مساعدة أولادهم على معالجة مَخاوِفهم على نحوٍ بنَّاء، نُقدِّم ـــ هنا ـــ بعض توجيهات واقتراحات أصحاب الاختصاص:
لا تُعاقبوا طفلاً أو تسخروا منه بسبب خوفه:
إنَّ نَعت الطفل بالجَبان أو إسماعه أنَّ الأولاد الكبار لا يبكون يُعطي مردوداً عكسياً. فإذا قُلتَ لولدٍ خائف من ظلال أغصان الأشجار المنعكسة على جدار غرفة نومه، أن يعود إلى فِراشه لِأَن لا داعي إلى خوفه، تكون أَهَنته، لأنك بذلك تطلب منه ألاَّ يُصدِّق ما يراه. فالظِّلال موجودة وعلى الأهل أن يُدركوا أنَّها سَبب الخوف. وعندما يتأكَّد الأولاد من أنك تُدرِك خوفهم، يُصبح في إمكانهم تقبُّل تطميناتك على نحوٍ أفضل .
لا تُجبروا طفلاً على إنكار خوفه أو إخفائه:
بين السِّن الخامسة والثامنة يميل الأطفال إلى إخفاء خوفهم الأمر الذي يُقلقهم. فإنكار الأطفال لشعورهم بالخوف هو إحدى الطرق التي يُعالجون بها خوفهم. ويستطيع الأهل مساعدة أطفالهم بتذكيرهم أنَّ كثيرين من الأولاد الذين هم في مِثل سِنِّهم ، يخافون وأنَّ الإحساس بالخوف شأن طبيعي. إنَّ مناقشة الأمر يفسح في المجال أمام الطفل للتغلُّب على خوفه من دون شعوره بالخجل، وللاطمئنان إلى أنَّ خوفه سيتضاءَل ثم لا يلبث أن يختفي نهائياً.
هنالك عِدّة سُبُل يستطيع الأهل من خلالها مساعدة طفلهم في التغلُّب على مَخاوِفه. إنَّ إعطاء الطفل بعض المعلومات مفيد عادةً. يقول أحد الآباء: ” عندما كانت ابنتي في السِّن السادسة اعتادت الخوف من النحل، فشرحتُ لها كيف أنَّ النحل يجتهد ليساعد الفاكهة والزَّهر على النموّ ، وكيف أنَّ النحل يبقى منشغلاً عنها ولا يُزعجها إن هي لم تقترب منه.
رَجُل آخر ساعَد ابنه في التغلُّب على خوفه من الرَّعد. يقول: ” كان ابني أصغر من أن يُدرك حقيقة تصادم الكتل الهوائية، فعلَّمته كيف يعدّ الثواني بين وَمض البَرق ودَويّ الرَّعد لِيُدرك مدى بُعد الصوت عنَّا.
من الواضح أنَّ الحقائق لا تُبدِّد المَخاوِف حتى يُصبح الطفل في سِنّ تُمكِّنه من استيعاب المَنطق العقلي. ولكن الأطفال، من مختلف الأعمار، يشعرون باطمئنان أكثر من جرَّاء التفسير العقلاني حتى وإن لم يتمكَّنوا من استيعابه تماماً.
ولأنَّ الأطفال يقتدون بأهلهم، فإنَّ إعطاء الأهل أطفالهم القدوة في الشجاعة يُعتبر أسلوباً مهماً لِتجاوُز الخوف .
إنَّ الأهل الذين يُوحون الثقة وَهُم ينظرون إلى تجارب تُثير رَيبة الطفل إنما يُقدِّمون مثالاً إيجابياً. نَنصح الأهل باعتماد هذه العبارة المفيدة دائماً: ” أنا أيضاً كنتُ أخاف من ذلك “.
إنَّ هذه العبارة تُعلِّم الطفل درسين مهمِّين هما: أولاً، إنه ليس الوحيد الذي يشعر بالخوف أحياناً. وثانياً، إنَّ في وِسعه التغلُّب على خوفه كما فعلتَ أنت .
ويستطيع الأهل أيضاً أن يُعاونوا ولدهم على تحضير نفسه لِلخَوض في تجربة مزعجة. هل تشعر أنَّ ولدك يعيش قلقاً دائماً بسبب قُرب موعد دخوله المدرسة ؟ خُذه إلى هناك قبل بِدء الفَصل الدراسي ليعتاد بيئته الجديدة . إذا كان ولدك خائفاً من أن يُضيع الطريق ، اِذهب برفقته مرَّات عِدَّة حتى يُصبح واثقاً من نفسه ومن طريقه . وإذا احتاجَ طفلكم إلى جراحة لاستئصال اللوزتين ، اذهبوا به في جولة استكشافية الى المستشفى وعَرِّفوه الى الأطباء والممرضات واجعلوه يتلمَّس المعدَّات الطبية.
اِنتبهوا إلى الخوف الكامِن داخل أطفالكم:
إنَّ العِناد الذي يُظهره الطفل أحياناً، قد يكون أحد وُجوه الخوف. فالأهل غالباً ما يغضبون عندما يرفض الطفل الاستحمام إذ أنهم لا يُدركون أنَّ هذا الرَّفض قد يكون ناجِماً عن خوف الطفل من النُّزول في مغطس الماء. ولكن بعض الأطفال يتظاهرون بالقلق ليحصلوا على موافقة أهلهم على البقاء في المنزل أو النوم في سرير واحد أو لِيحظوا بانتباه أكثر من أهلهم.
إنَّ هناك فَرقاً واضحاً بين كثرة التشدُّد وعدم الاهتمام من جانب الأهل بِمَخاوِف أولادهم. فَتجاهُل الأهل لِخَوف أولادهم أو تحقيق غَرَضهم منه يُمكن أن يُؤدِّيا إلى تعزيز هذا الخَطر . وأَحَد الحلول في هذه الحالة هو اهتمام الأهل إيجابياً بالطفل عندما لا يكون خائفاً.
حَضِّروا الطفل لأي تغيير أساسي يمكن أن يؤثِّر على حياته:
يُصبح الخوف على أشدّه في حالات الضغط النفسي والإقبال على التغيير. ويستطيع الأهل مساعدة الطفل كثيراً بإشراكه في معالجة الوضع الجديد. عالِجوا القلق الناتج من التغيير باحترام حتى يشعر الطفل بأنَّ له الحقّ هو أيضاً في الشعور بالانقباض .
راقِبوا العوارِض التي تنمّ عن إجهاد عاطفي لدى الطفل:
اِسألوا أنفسكم : هل مَخاوِفه لا تتلاءم مع سِنِّه؟ هل استمرَّت أَطول ممَّا يجب؟ هل أنَّ الطفل يعود إلى مَخاوِف قديمة كان تخطَّاها ؟ هل الخوف يشلّ حركته فيمنعه من الذهاب إلى الفراش أو المدرسة، أو يجعله عاجزاً عن تحمُّل غياب أهله عن ناظريه؟. إذا كان الأمر كذلك، فيُستحسَن عَرض طفلك على أخصائي . ولاختيار أخصَّائي قدير يمكنك استشارة طبيب أطفالك أو أية مؤسسة للخدمات العائلية أو المُرشِد الاجتماعي في المدرسة.
خاتمة:
يتعرَّض الأطفال في أيامنا هذه لتجارب عِدَّة تُسبِّب لهم قلقاً قبل بلوغهم السِّن التي تخوِّلهم معالجتها. ومن هذه التجارب العنف في التلفزيون أو ابتعاد أُمَّهاتهم المبكِّر عنهم بسبب العمل، أو الطلاق بين الأهل ، أو الخوف من نُشوب الحروب.
على الأهل قبول مسؤولية مَنح أطفالهم القُدرات والمهارات التي يحتاجون إليها لمعالجة مَخاوِفهم بنجاح. وفي هذا الحقل يقول الأخصائي التربوي الأمريكي ( روبرت دوش ): ” مهمّ جداً أن تمنحي طفلك الإحساس الثابت بقيمة نفسه “.
إنَّ هذا الأمر يتضمَّن مساعدة الأطفال على تكوين ثقتهم بأنفسهم والشُّعور بأنَّ لديهم بعض القُدرة على التحكُّم بما يحدث لهم.
علينا أن نُعلِّم الأولاد ظروف مواجهة الصِّعاب بإعطائهم القدوة التي تُوحي أنهم ــ هُم كذلك ـــ يستطيعون التغلُّب على الصِّعاب.
المراجع المعتمدة:
1 ـــ علم النفس في حياتنا اليومية ــ سمير شيخاني ــ دار الآفاق الجديدة ــ بيروت (1980) .
2 ــــ مخاوف الأطفال ـــ ب . ب . ولمان ـــ تقديم عبد العزيز القوصي ومحمد عبد الظاهر الطيب ـــ مكتبة الأنجلو المصرية ـــ القاهرة (1991) .
3 ـــــ الأسرة ومشكلات أطفالها ـــ عصام نمر يوسف ــــ جمعية عمال المطابع التعاونية ـــ عمان (1985) .
4 ــــ مخاوف الطفل وعدم ثقته بنفسه ــــ ملاك جرجس ـــ مكتبة المحبة ــــ مصر(1993) .