تأثير تربية الفتاة وتعليمها على أداء أدوارها داخل الأسرة والمجتمع

تقديــــــــم:

الأسرة هي عماد المجتمع والأساس الذي يبنى عليه، والأسرة الصالحة بالأم الصالحة والأب الصالح والأبناء الصالحين القادرين على الفعل الايجابي في حاضر ومستقبل الأمة. ولا يختلف اثنان حول الدور الكبير الذي ينتظره المجتمع من المرأة، بداية من الأسرة التي هي البرج الاستراتيجي إلى الانخراط المثمر الواعي والمنضبط داخل الأمة، يقول حافظ إبراهيم:

” الأم مدرســـة إذا أعددتهــــا    ***   أعددت شعبا طيب الأعــــراق”

الأم مدرسة تخرج أجيالا هي فخر الشعوب لأنها مددها وزادها ومستقبلها الذي تعول عليه، لكن السؤال الذي نود أن نطرحه: هو أي رعاية وتربية وتعليم تحتاج المرأة التي ينتظر منها أن تكون مدرسة؟ ماهو الإعداد المطلوب حتى تكون المرأة مدرسة؟

– 1-أدوار المرأة في الأسرة والمجتمع:

– المرأة راعية في بيتهــــــا:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها“.[1] المرأة لها مسؤولية في بيت زوجها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم نبه أن للمرأة مهمة معينة داخل بيت زوجها قد تسأل عنها، وهي العناية بالأبناء وحفظ فطرتهم والاهتمام بصحتهم وسلامتهم، فرعاية الأجيال بغرس قيم الفضيلة والصلاح والمعروف والإحسان وتكريهم في الظلم والفساد والشرك، أجل مهمة، فكيف تتقن المرأة هذه المهمة؟ من يعلمها معنى أن تكون راعية في بيت زوجها؟ من يلقنها طرق تعليم الأبناء وتربيتهم وتأديبهم، سيرا على هدي الإسلام؟ كيف تتعرف على طرق الوقاية والعناية الصحية والنفسية والغذائية؟ هذا كله يحتاج إلى زاد معرفي حتى لا تفسد هذه المرأة الزرع من حيث تظن أنها تصلحه؟ المقبلون والمقبلات على الزواج من واجب الدولة أن تؤطرهم في طرق بناء العلاقة الزوجية ورعاية الأبناء، لتفادي ما يمكن أن تخرجه الأسر من أجيال متعددة الإعاقات، صحيا وروحيا ونفسيا وعقليا.

انخراط المرأة داخل المجتمع يكتسب فاعليته من وعيها:

مسؤولية رعاية البيت بالنسبة للمرأة قد لا تعفيها من تحمل المسؤولية خارجه، قال تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم[2]، لم يستثن القرآن المرأة المسؤولة عن رعاية البيت من مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتأسيس الأسرة وبناء المستقبل، لا يكون بمنأى عن المشاركة في تغيير مجتمع يئن من كل أنواع الفساد التي تنخر في جسمه وتجعله تابعا مقلدا واهنا ضعيفا لا حول له ولا قوة، لا تصلح الفتاة ولا تستقيم كما ترجو الأم الصالحة، إن كان المجتمع ينشر الفساد، والحي والشارع والإعلام والمدرسة، نحتاج إلى جهد كل فرد من أفراد المجتمع نساء ورجالا، لتغيير الحال إلى الأفضل، إلى خلق مجتمع الطهارة والنقاء الذي تصان فيه الفتاة التي تربت في البيت على العفة والتورع عن الرذيلة. المرأة بحاجة إلى وعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، هذه المسؤولية التي ينتظرها منها المجتمع، في زمن أصبح الكل يخاف على أبنائه من رفقاء السوء وجار السوء ومن الغرباء الذين أضحوا يحتلون مكان الوالدين في توجيه الشباب نحو الرذيلة والفحش والمنكرات.

-2-التربية والعناية والتعليم في مرحلة الطفولة

– الطفولة مرحلة عمرية مهمة في حياة الإنسان

الطفولة مرحلة أولية وهامة في حياة الفرد، فهي مرحلة مسؤولة عن المراحل اللاحقة، فبصمتها تطبع شخصية الفرد نفسيا وعقليا وصحيا في مرحلة الشباب والرجولة والكهولة والشيخوخة، فكلما أخذت مرحلة الطفولة ما تستحق من رعاية واهتمام، كلما كانت الشخصية بإذن الله متكاملة، خالية من الاعوجاج والزيغ. إن الطفلة كما الطفل تحتاج إلى رعاية، تحافظ على فطرتهما كما تحافظ على جسمهما، قال صلى الله عليه وسلم “كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه([3]). فالطفلة بحاجة إلى تربية على حسن العادات وعلم نافع، من الأسرة والمدرسة ومجالس العلم، وهذه التربية المتبصرة الواعية، نادرة في هذا الزمان، ودونها عقبات ومشاق، وتحصين من غزو إعلامي وفساد أخلاقي يحيط ويهجم من كل النوافذ والأبواب، بل قد يتسلل من حيث لا نعلم أو نتوقع، فهي إذن مهمة شاقة، تحتاج إلى همة ومتابعة ميدانية، وتعهد بلطف وعناية، حتى تشب هذه الطفلة معافاة في الجسم وسليمة من كدر النفس، صافية الروح، عالية الهمة، متشبعة بأخلاق النساء الخالدات، فأول شرط لإعداد الفتاة أن يكون منشؤها وسط أسرة صالحة، يعي فيها الوالدان جيدا ما يتطلب الواقع والشرع من أجل إعداد فتاة، على هدى ونور من منهاج نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، يقول الإمام الغزالي رحمه الله “اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها. والصبي أمانة عند والديه…. فإن عود الخير نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم ومؤدب”([4]).

-الحفاظ على الفطرة

“كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه([5])“جعل الله حبل الفطرة ممتدا عبر الأجيال عن طريق الأمومة، مفتولا مبرما”([6])الفطرة تعني الاستقامة على دين الإسلام، والفطرة علمها آدم عليه السلام بنيه، وتناقلتها الأجيال بعده، ويبعث الله عز وجل الرسل ليحيوا جذوه الإيمان، وفي هذه السلسلة يظل الوالدان حلقة الوصل وخاصة الأم، قال تعالى “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم([7]).

الإسلام دين الفطرة السليمة، التي لا تعقيد فيها، فلذلك تستقي الطفلة من أمها المؤمنة جذوة الإيمان، بسهولة وسلاسة ويسر، فأهم مهمة ملقاة على الأم هي الحفاظ على الفطرة، أي حفظ الدين، وهذا يحتاج من الأم أن تكون قد تشربت معاني الإيمان وأحسن إعدادها لتتعهد أبناءها، بما يصلح لمتابعة تدفق نور الإيمان من جيل إلى جيل.

العناية بالجسم تغذية ونظافة:

المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير([8])، الحفاظ على طهارة القلب من كدر الفتن والشرك والكبر وغيرها، لا يعفي الأم من العناية بجسم الطفلة وحسن تغذيتها وحمايتها، فالطفلة التي تأخذ ما تستحق من عناية ورعاية وحب وحنان واهتمام بالغذاء والصحة، خير من تلك التي أهملت فأصابتها العلل والأمراض، فالمرض والضعف قد يكونان عائقا أمام استشراف المستقبل، والطموح إلى المعالي، بل ستكون دائما بحاجة إلى من يحميها ويسندها، فقوة الإيمان تعضدها قوة الجسم ونضارته وقدرته على التحمل، والاعتماد على النفس، وكل هذا يتطلب من الأم أن تكون على وعي بالطرق الناجحة للحفاظ على جسم ابنتها معافاة سليمة، سواء من حيث نظام الغذاء أو الرياضة أو النظافة أو المراقبة الصحية.

– تعليم هـــــادف:

التربية أساسها البيت، ولكن لا بد من مدرسة تكمل ما بدأه الوالدان، إدراك المعارف والعلوم مهمة المدارس، ولكن في عصرنا يطرح السؤال أي تعليم تقدمه المدارس لأبنائنا وبناتنا؟ المفروض في بلاد المسلمين، أن تتعاون المدارس مع الأسر في تعليم الأبناء ما يربطهم بالله ورسوله ويعلقهم بالآخرة كما تطور معارفهم في العلوم التي تكشف أسرار الكون وخباياه، وما به تتيسر الحياة وتسخر لخدمة الإنسان الذي خلق ليعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، ولكن واقع الحال يجعلنا نقف مشدوهين أمام نسب الأمية التي لا يزال يعاني منها مجتمعنا، بل هي أميات، دينية وتاريخية واقتصادية وعلمية وتكنولوجية، بل نتحسر حين نجد الأمية الأبجدية في صفوف النساء أكثر.

العلم الذي يعد الفتاة لتكون مدرسة، هو العلم الذي لا تنقطع فيه الصلة بين الوحي والتحصيل من علوم الحياة ومهارات الدنيا، وصناعات التقنية والتكنولوجية، علم يشرق به قلب المؤمنة فتحسن في واقع التطبيق التدبير والتصرف، علم تتحرر فيه من كل القيود والأغلال التي تجعلها دمية أو سلعة، لتنطلق نحو طلب الكمال في الأخلاق والعلوم والجهاد، تتحرر من كل القيود التي تحول بينها وبين أن تكون لها رسالة في الحياة، سيرا على خطى من سبق من الكاملات، رسالة الإسلام رحمة للعالمين، وأداء هذه الرسالة زادها، حظ الفتاة من الإيمان ومن حب الله ورسوله ومن حفظ آياته واتباع سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم والتزود بعلوم العصر ومعارفه.

-3- نماذج لنساء مدارس

– أسماء بنت أبي بكر

هي أسماء بنت أبي بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت طيبة المنشئ، وكيف لا وهي بنت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشهد لها التاريخ بمواقفها البطولية، وأهمها حادث الهجرة النبوية، وكيف تكلفت بحمل الزاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالدها، في وقت يتربص فيه الأعداء حتى لقبت بذات النطاقين، كما يشهد لها التاريخ مشاركتها في المعارك والحروب، وأهم ما يسجل لها التاريخ تشجيعها لابنها عبد الله بن الزبير على الثبات في وجه الظالمين سيرا على خطى من سبقة من الصحابة الكرام، وهو الذي بويع خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان، بعد وفاة اليزيد بن معاوية، وظل تسع سنوات ينادى بأمير المؤمنين، لذلك لما جاءها يستشيرها في مواجهة الحجاج، لم تبرر له القعود بل دعته إلى المواجهة، فكان الذي أرادت واستشهد وأمر الحجاج بصلبه، فلما جاء عبد الله بن عمر يعزيها، قالت له” وماذا يمنعني من الصير، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل”[9]

 حقا كانت أسماء مدرسة، خرجت للأمة من يواجه الظالمين ويقف منتصرا للحق مفضلا الشهادة، وما ذلك إلا لأنها أنشئت أحسن تنشئة وتربت على قيم الصدق والبطولة والعدل.

– فاطمة الفهرية

فاطمة الفهرية أم البنين، هذه المرأة التي نزحت إلى المغرب قادمة من القيروان بتونس، واستقرت وأسرتها في فاس في عهد يحيى بن إدريس الثاني، بعد وفاة والدها ورثت ثروة هامة هي وأختها مريم، ففكرت في بناء مسجد عظيم بعدما ضاق المسجد المدينة بأهله، وكان ذلك سنة245هـ[10]، حفرت بئرا لبنائه وأخذت حجر البناء من الأرض التي بني فيها، وقد ظلت صائمة طيلة مدة البناء، ما الذي جعل فاطمة تفكر في بناء هذا المسجد الكبير- مسجد القرويين- الذي سيصبح أول جامعة في العالم، وستتخرج منه أفواج من العلماء في تخصصات شتى، بعدما وفرت الجامعة الخزانات المكتبية والمدارس الخاصة بإيواء الطلبة، فشع نور القرويين على ظلمات العالم بأسره؟ أختها مريم أيضا بنت مسجد الأندلس في عدوة الأندلس بفاس. لم تكن لهذه المرأة وأختها أن يخلفا هذا الأثر الخالد، وتكونا مدرسة للأجيال، لولا أنهما تلقتا تربية قرآنية من أب عالم، وتشربتا حب هذا الدين من أسرتهما الممتدة إلى فاتح المغرب عقبة بن نافع الفهري.

الخاتــــــــمــــة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن كن له حجابا من النار[11] .هذا الحديث يشير إلى فضل تربية الفتيات والعناية بهن، هو تحفيز من الرسول صلى الله عليه وسلم ولفت الانتباه لضرورة الإحسان في تربية الفتاة، تشجيعا للآباء ووعدا بالوقاية من عذاب النار لمن نفذ الوصية وكان بارا ومحسنا في التربية، وما ذلك إلا للخير الذي ستجنيه الأمة من التربية الحسنة للبنات، وما يمكن أن يلحقها من ضرر في الآجل نتيجة إهمال تربيتهن، وقد قدم الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة في حسن تربية بناته رضي الله عنهن، فكانت كل واحدة منهن مدرسة في حسن الشمائل ولطيف الخصال ورقي النفس وسموها، لأنهن خريجات بيت النبوة. وفي عصرنا الحاضر حيث هجوم أعداء الأمة يستهدف الأسرة المسلمة وخاصة المرأة، لأن فسادها أصل الداء، نحتاج إلى تركيز الجهود وتطوير الوسائل لتوعية الآباء والأولياء والمربين، من أجل العناية بتربية الفتيات، فتربية الفتاة أساس إعداد الأمة المتماسكة، وحجاب من نار الآخرة و من جحيم الفساد الذي قد ينهش جسد المجتمع.

سماء كمدرسة


  • /رواه الشيخان والترمذي وأبي داود[1]
  • /سورة التوبة الاية71[2]

[3]/ متفق عليه، من حديث أبي هريرة.

[4]/ إحياء علوم الدين / ج 3 / ص 64 /دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع/ بيروت – لبنان.

[5]/-رواه ابو هريرة: متفق عليه.

[6]/-العدل: 273.

[7]/- سورة الروم الآية 29.

[8]/- رواه الشيخان والترمذي وأبو داود.

/ المصنف لابن أبي شيبة، الجزء16/ كتاب الفضائل ص567[9]

/ الأعلام لخير الدين الزركلي/ الجزء الخامس/ ص132[10]

 / أخرجه الإمام أحمد في مسند الشاميين من حديث عقبة بن عامر الجهني، برقم 61762[11]

اظهر المزيد

حسناء ادويشي

أستاذة اللغة العربية/ أزرو/ المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: