الهويات المقارنة في عالم ما بعد الاستعمار

لقد أبحر كولومبس سنة 1492 عبر مياه المحيط الأزرق، وكانت رحلته استكشافية، اعتمد فيها على أحدث خارطتين في عصره، الأولى للعالم باولوتوسكانيلي، والثانية للألماني مارتين بيكهام. وهي أطول رحلة، كللت بالنجاح، حيث تمكن من جلب كميات من الذهب، وامتلاك الجزر التي سماها الجزر الهندية. وفي 1494 حطت سفنه في جامايكا، وتمكن من الوصول إلى العديد من الجزر شرق القارة الأمريكية، ومن ثمة اكتشاف العالم الجديد “أمريكا”. تقول سوزان باسنيت: “وقد سجل استخدام الكلمة الانجليزية “هندي” كإشارة لقاطني الأمريكيتين في عام 1618″[1]. كما ميز كولومبس بين جزر الهند الغربية وجزر الهند الشرقية.

إلا أن المصطلحات المستخدمة في اكتشافه أصبحت تثير إشكاليات عدة، ذلك “أن اكتشاف أراض تسكنها شعوب أخرى ذات حضارات خاصة بها يثير قضايا أساسية حول الهوية وحول العلاقة بالمكان وحول الحق في إطلاق الأسماء على الشعوب والأماكن والأشياء”[2]

وترى الكاتبة أن ما جعل الأوروبيون يحتفلون اليوم بهذا الاكتشاف هو أنه أدى إلى إقامة إمبراطوريات عظيمة، وإلى تصدير الإنجليزية والفرنسية والاسبانية والبرتغالية  للملايين من الناطقين بها الجدد، حيت أصبح تعبير ما قبل كولومبس يعني في الواقع تعبير ما قبل التاريخ.

وهو ما جعل بيترهيوم يناقش في دراسته “لقاءات استعمارية” الحكايات التي تتناول هذه الاكتشافات، مثيرا تساؤلات حول الأسس التي بنيت عليها الأحكام العلمية، ولافتا الأنظار إلى الافتراضات التي تقوم فوقها الأبحاث الأوروبية في الثقافات غير الأوروبية. وناقش دليل هنود أمريكا الجنوبية، ووجه الأنظار إلى استخدام اللغة غير المباشرة للغة العاطفة (الهمجية).

وأما المؤرخ المكسيكي إدموندو أوجورمان فتحدث عن اختراع أمريكا، وعن أفريقيا التي صيغت أسطوريا بطريقة مختلفة، على يد البرتغاليين الذين كان دافعهم هو الأهداف الاقتصادية.

وذهب أستاذ الأدب المقارن وول سوينكا في كتابه الأسطورة والأدب والعالم الأفريقي، إلى أن العديد من الجامعات الأفريقية وجدت صعوبة في إيجاد مكان للأدب الأفريقي لأنها أنشئت على نمط الجامعات الأوروبية، موجها نقدا مهما لعملية تهميش الأدب الإفريقي، ولافتا الأنظار إلى النزعة الأنثروبولوجية في الدراسات الأوروبية على أفريقيا، والاهتمام بالأنثروبولوجية الاجتماعية على حساب الأدب. كما يشير تشيدي آموتا إلى أن الأزمة المستمرة في الثقة والوعي في الدراسات الأدبية الأفريقية، ناتجة عن عدم وجود تحديد للأدب الأفريقي، ووجود آراء شديدة التحديد حول ماهية الإنسان الأفريقي. وهو الأمر الذي اهتم به كذلك نجومي واثيونجو.

وفي المقابل اقترح الأدباء الأفارقة دراسة للأدب تبدأ بأفريقيا وتعامل الآداب الأخرى طبقا لعلاقاتها بهذا المركز الإفريقي. في مقابل وجود منظور أوروبي يرفض الاعتراف بالآداب الإفريقي.

تشير الكاتبة إلى أن الأدباء المنتمون إلى الثقافات ما بعد الاستعمار تجمعهم موضوعات مشتركة مثل المنفى والانتماء واللا انتماء، وإشكاليات اللغة والهوية القومية، وإلى إنكار، ومسح، تأثير حضارات أخرى ازدهرت في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على العالم. الأمر الذي جعل علماء المقارنة في الصين والهند وإفريقيا وأمريكا اللاتينية متحدون في رفضهم للنموذج الأوروبي لتقسيم العصور.

وأما الكاتب الكاريبي ويلسون هاريس، فقد ارتكزت أعماله على القوة التحويلية لتراثه ذي الثقافات المتعددة. “إن الكاريبي ككيان جغرافي وتاريخي يفرض نفسه فوق الاختلافات اللغوية والعرقية والدينية للشعوب التي تعيش داخل حدوده”[3] . كما يوضح أوكتافيو باز في كتابه متاهة الوحدة  “أن الأمريكي المكسيكي لا يود العودة إلى أصوله المكسيكية، كما أنه لا يرغب في الامتزاج داخل المجتمع الأمريكي” [4].

إن “التزايد الهائل في النصوص أدى إلى تغيير في الأدب الأمرو_مكسيكي من داخله كما أدى إلى إعطائه أهمية كبيرة في العالم الخارجي”[5]

ويمكن القول أن الكتاب الأمرو_مكسيكيين استخدموا في كتاباتهم اللغة الإنجليزية واللغة الاسبانية، أما الأدباء الكاريبيين فقد حاولوا استلهام تراث قديم مفقود، وهو ما يتجلى مع الشاعر الفرانكفوني إيميه سيزير الذي استمد الهامة من الإيقاعات الغنائية الأفريقية. “توضح جورديمر أن النظرة الكاريبية المثالية لإفريقيا قدمت للإفريقيين بدورها صورة نموذجية تقف على طرف نقيض من صورة أفريقيا كقلب للظلام”[6]. وقد أثارت بعض الدراسات ” مناقشات بين العلماء الأفارقة والكاربييين حول المفاهيم الايديولوجية التي تنطوي عليها  فكرة الزنجية”[7]

إن المتاهة المقاربة التي بدأتها نظريات ما بعد الاستعمار حول الإبداع الأدبي، هي أكثر توافقا مع تعددية عالم ما بعد الحداثة في التسعينيات.  مما دفع بالعديد من الكتاب والدارسين من أمريكا اللاتينية وأفريقيا إلى إيجاد وسائل للتعبير عن إدراكاتهم لإبداعاتهم الثقافية في علاقاتها بإبداعات الثقافات الأخرى.

إن الرحالة الأوائل حاولوا وصف العالم الجديد مستخدمين ما يملكونه من أدوات إدراكية وتقاليد أدبية، مستمدة من عالمهم المعروف، ولهذا فقد اعتمدوا على مخزونهم من الصور عن وحوش أسطورية، وأحداث خيالية. الأمر الذي جعل، “المهام التي تواجه أدباء أمريكا اللاتينية تتمثل في إيجاد وسائل للحديث عن هذا الواقع بدون اللجوء إلى النماذج التي وضعتها أوروبا”[8]. لتجاوز الرؤية الضيقة للبلدان الأوربة الأخرى.”إن الأمريكي اللاتيني داخل التراث الأوروبي وخارجه يستطيع رؤية الغرب في شموليته، وليس بالنظرة الإقليمية الضيقة التي تتسم بها الرؤية الفرنسية أو الألماية أوالإنجليزية أو الإيطالية”[9] . وكثيرا ما يشير أدباء أمريكا اللاتينية إلى الصعوبات التي يواجهونها في رسم حدود واضحة بين الحقيقة والخيال،مما جعل إنتاجهم الأدبي يدفعنا إلى إعادة النظر في هذه المصطلحات. وعلى الرغم من أن امتزاج الثقافات ربما تم بطريقة وحشية إلا أنه أنتج مجتمعات عديدة ومختلفة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، فظهرهت في آداب تلك المناطق شبكة معقدة من الخيوط الثقافية.

يكتب كل من ريفيرا وآشيبي عن كيفية تأثير الماضي الاستعماري في الحاضر، محاولين بهذا فضح الظلم الاجتماعي في نفس الوقت الذي يحاولان فيه إعادة اعتزاز الإفريقيين أو الأمرو_مكسيكيين  بأنفسهم. و”يتبين لنا من بعض  نماذج الشعوب الأجنبية التي نستشفها من خلال الأدب الفرنسي أن البلد الأجنبي لا يظهر دوما في حقيقته العارية فهناك تيارات خفية وظاهرة تتجاذبه وهناك آثار أدبية ترسم ملامحه الرئيسية وأخرى تبرز ملامحه العابرة”[10] ، الأمر الذي جعل آداب هذه الشعوب يطرح أكثر من سؤال. فكانت الحاجة لدراسة الأدب المقارن في التسعينيات من منطلق “إدراك أن الاستعمار وما ينطوي عليه هو في الواقع عملية مزدوجة”[11]

[1] الأدب المقارن مقدمة نقدية، تأليف سوزان باسنيت، ترجمة أميرة حسن نويرة، المجلس الأعلى للثقافة 1999، ص:81

[2] نفسه، ص: 81_82

[3] نفسه، ص:84

[4] نفسه، ص:95

[5] نفسه، ص:95

[6] نفسه، ص: 97

[7] نفسه، ص: 98

[8] نفسه ص:101

[9] نفسه ص: 101

[10] _الأدب المقارن ريمون طحان، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، الطبعة الأولى 1976، ص:64

[11] _نفسه، ص: 104

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: