المونولوج في رواية “قلادة قرنفل” للكاتبة “زهور كرام”

تستدعي الرواية حالات الضياع، والقهر، والعذاب التي تعيشها المرأة المغربية في المجتمع، ويبرز ذلك عبر صوت الساردة النموذجي، المهيمن في المتن، والذي يناشد كذلك  الحرية، والتحرر من ربقات العقليات  التقليدية الجامدة، ويكشف الصرخة المكتومة للمرأة، أمام تناقضات الكون النفسي الذي يحيطها كحريم، وكسجينة للخلفيات الثقافية السائدة.

تنقل الساردة، المرأة المثقفة الطموحة، المناضلة، الصراع الفكري، والنفسي الذي تعيشه،  جاعلة من القرنفل رفيقا لها في ثورتها ضد السائد والمعتاد، وضد عمتها الحاجة فضيلة المرأة التقليدية الجاهلة، المستبدة، التي أرغمت كل الشخصيات على العيش في جبتها تحت أنواع من العذابات النفسية والجسدية، (زوجها، إبنيها ، وزوجاتهما..)،

تملك الحاجة فضيلة أياد طويلة تبطش بها في القرية، والمدينة، وتغرق الفلاحين بالديون ثم تقضم أراضيهم، والمقدم يتبعها خادما أمينا، كما قضمت حق أخيها في الإرث، وهو أب الساردة الذي مات مغبونا يقاوم عن الوطن، وصار أغنية تحفظها الساردة وترددها.

  • عنوان الرواية:

للقرنفل علاقة وطيدة بالمرأة من حيث وظيفته، فهي تستعمله في التجميل، وهو كذلك رمز ثورتها ضد الاستعمار، (ثورة القرنفل في البرتغال 1974م).

تأخذ قلادة القرنفل موضع الجيد من جسد المرأة، فتكون قريبة من نبضاتها، وأنفاسها . وما تجميع القرنفلات في القلادة سوى رمز لتأسيس هويتها. تقول الساردة: “تذكرت أني أحمل في عنقي قلادة قرنفل، كان قد أهداني إياها شاعر منسي..” [1]

ورد القرنفل في الرواية كدلالة على روح التحدي، والمقاومة.  رافق عطره الساردة في كل تفاصيل الحياة. بمبادئه تقاوم الساردة الجبن والتسلط، والقهر، وتنجو من عملية قتل الذاكرة، وتدفع باقي الشخصيات للصحو، تقول الساردة عن ابن عمتها، “سأنفرد به في غرفتي سألقنه مبادىء القرنفل” .

  • المونولوج:monologue

إن المونولوج كلمة يونانية، مكونة من  مقطعين: مونو (mono): بمعنى فرد أو فردي، ولوج (logue) : بمعنى أداء، أو إلقاء، أي الإعداد الفردي.

والمونولوج، عكس الحوار الخارجي،  يكون فيه الحوار من جهة واحدة، أي أنه “حديث النفس للنفس بعيدا عن أسماع الآخرين” [2]

“مع المونولوج اتجهت الرواية اتجاهات نفسية، تهتم برداسة باطن الشخصية في العمل الأدبي، وأخذت تقف على أبعاد الحياة اللامرئية، وتسجل بكل دقة ميول واستعدادات ونزعات الفرد الموروثة والفطرية.. لذا أصبحنا ننظر داخل الشخصية، ونعرف كيفية ارتباط الحدث الخارجي بالواقع النفسي”[3] .

يقول ميلان كونديرا: “وبفضل هذا التجسس الغريب  وهوالمونولوج الداخلي، تعلمنا الشيء الكثير عن هويتنا”[4]

يمكن تقسيم المونولوج الداخلي في رواية “قلادة قرنفل” إلى ما يلي:

  • مونولوج الاحساس: يعبر عن الحالة الروحية للساردة كالفرح، والحزن، والحب، والكراهية: “أدور في غرفتي المغتصبة في غيابي، جسدا ثائرا يرتطم بالجدار، نفسا تائهة، احتارت في سر الاغتصاب. من بعثرني على الأرض”[5] وترسم عبره شطحاتها النفسية، وآلامها الباطنية، “داخلي يهتز.. اسمعه يتكسر زجاج يرتطم ببضعه، يحدث جروحا، أرى النزيف يخترقني..” [6]
  • مونولوج الأحلام: تترك عبره الساردة العنان لأفكارها أثناء تأملها دون أن تؤثر في تقدم الأحداث، تقول: “أدور في الغرفة وأنا أخضن الكتاب وأضمه إلى صدري. يمهلني الصمت الذي  يشهده البيت في غياب العمة على التفكير والتركيز وأنا أشده بين ضلوعي. انسابت فكرة كأنها قطرة ماء في لحظة العطش الشديد.. رفعت يدي إلى عنقي وابتسمت ثم اقتربت من المرآة:

هذه المرة حركت شفتي، وقلت لنفسي:

سأصنع منها قلادة

سأزين بها عنقي.. سأتعطر بها.. سيفوح مني عطر دائم.. سألتحم به.. سيصبح الطريق إليه سهلا، سأربك العمة.. هي تكره العشق وأثرة.. سأقحمها في لغته.. وعطره.. هل ترميه في المزبلة؟ إن فعلت تكون الخاسرة..”[7]

 (3المونولوج السردي: تدخل الساردة مباشرة في الحدث لكي تعلمنا بأشياء لا يمكننا معرفتها بطريقة أخرى، تقول عن زمن السيبا: “تجد أشخاصا يقتحمونك في عقر دارك .. يتقيؤونك خارج دارك.. وينتشرون داخل دارك.. تسمع عن آخرين وصلتهم السيبا إلى حد ابتلعتهم كانئنات، قيل إنها غريبة عن المدينة.. نزلت صباحا وأكلتهم كما تأكل الذئاب بني آدم..”

عبر المونولوج تصور الساردة بواطن الشخصيات ، التي اتسمت بالصمت الخلاق. تقول: “صالح حين تراه في المنصة يخطب في الجمع، تحسب أنه يملك العالم، وحين تراه أمام الحاجة تشهد كيف يقزمه الخوف، ويحوله دمية صغيرة تتسلى بها العمة..”[8] .

وتقول عن زوجتي صالح، ورغبتهما في الإنجاب للبقاء في البيت “من أجل اليوم المنتظر تحيا فاطمة، وإلا يتقيؤها البيت خارجا، وتعود من حيث أتت جسدا فارغا إلا من الخدش.. أما زهرة فإن الحياة والموت عندها سيان، كان بإمكان العمة أن تطردها بعدما تعذر اليوم المنتظر، غير أنها اعتبرتها من ممتلكاتها فأبقت عليها”[9]

 خاتمة:

إن السرد في الرواية نبضات حالمة، ينبري المخيال الانزياحي عبرها، في استدعاء وضع المرأة المغربية، وكشف رغباتها، واستجلاء أغوار نفسيتها. وهو تجلى مع مونولوجات الساردة  المتعددة لكشف هذه العوالم، وامكاناتها.

وقد اعتبر سعيد يقطين هذه الرواية مستقبل السرد النسائي بالعالم العربي.

المراجع:

1_ زهور كرام، قلادة قرنفل،الطبعة لأولى 2004،  دار الثقافة، ، مطبعة النجاح الجديدة  الدار البيضاء

2_ فريدة الكتاني، صورة المرأة في روايات نجيب محفوظ، الطبعة الأولى 2005، مطبعة أنفو برانت ، 12 شارع القادسية، الليدو، فاس.

3_ ميلان كونديرا، فن الرواية،ترجمة خالد بلقاسم، الطبعة الأولى، 2017، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب.

  1. _ نبيل راغب، موسوعة الإبداع الأدبي، مكتبة ناشرون، ط1، لبنان 1996.

[1] _ زهور كرام، قلادة قرنفل،الطبعة لأولى 2004،  دار الثقافة، ، مطبعة النجاح الجديدة  الدار البيضاء، ص:17 

[2] _ نبيل راغب، موسوعة الابداع الأدبي، مكتبة ناشرون، ط1، لبنان 1996، ص:141

[3] _ فريدة الكتاني، صورة المرأة في روايات نجيب محفوظ، الطبعة الأولى 2005، مطبعة أنفو برانت ، 12 شارع القادسية، الليدو، فاس. ص:287_288

[4] _ ميلان كونديرا، فن الرواية،ترجمة خالد بلقاسم، الطبعة الأولى، 2017، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ص:37

[5] _ الرواية، ص:128

[6] _ الرواية، ص: 135

[7] _ الرواية، ص: 172_173

[8] _ الرواية، ص:91

[9] _ الرواية، ص: 127

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: