الخطابة في الإسلام

 أولا: تعريف الخطابة

الخطابة لغة من خطب يخطب خطابة، إذا ألقى خطبة، أو ألقى حديثا وكلاما وخطب بمعنى وعظ، قال الفيروز آبادي: وخطب الخاطب على المنبر خطابة بالفتح وخطبة بالضم، وهي الكلام المنثور المسجع ونحوه 1. أما الخطبة بالكسر فهي التقدم وطلب نكاح المرأة.
واصطلاحا: هي فن أدبي، يهدف إلى التأثير في الناس، وإقناعهم بقضية معينة، يقول ابن وهب الكاتب: فأما المنثور فليس يخلو أن يكون خطابة أو ترسلا أو احتجاجا أو حديثا، ولكل واحد من هذه الوجوه موضع يستعمل فيه، فالخطب تستعمل في إصلاح ذات البين، وإطفاء نار الحرب، وحماية الدماء والتشييد للملك، والتأكيد للعهد، وفي عقد الأملاك، وفي الدعاء إلى الله عز وجل، وفي الإشادة بالمناقب ولكل ما أريد ذكره ونشره وشهرته بين الناس2.
إذن فالخطابة فن شفوي أدبي بليغ، يقوم على عنصري الإقناع والتأثير في الجمهور الذي يخاطبه الخطيب، وهي تختلف عن الشعر في بنائه ونظمه ووظيفته، كما تختلف عن القول المكتوب بصورة عامة إبداعا وتلقيا، فالخطيب يواجه السامعين بشكل مباشر وبطريقة عامة إبداعا وتلقيا، فالخطيب يواجه السامعين بشكل مباشر وبطريقة ارتجالية، وهو مطالب بإخراج الكلام إخراجا سليما تاما 3
 ملحوظة
وتختلف الخطابة عن المناظرة في كونها أشمل، فالمناظرة تشترط وجود طرفين مختلفين وتنطلق من مقدمات مسلمة أو مشهورة، في حين أن الخطابة لا تتطلب الاختلاف بين الخطيب والمتلقي، ولا تشترط الانطلاق من مقدمات مشهورة. وكذلك تختلف عن المحاورة التي تتطلب وجود محاور يرد ويناقش، أما في المخاطبة فيلزم وجود مستمع فقط ليس بالضرورة أن يحاور.
وأما في القرآن، يقول الراغب الأصفهاني: الخطب والمخاطبة والتخاطب هي المراجعة في الكلام ومنه الخطبة بالضم والخطبة بالكسر، فالخطبة ( بالضم) تختص بالموعظة، والخطبة ( الكسر) بطلب المرأة 4
وقد ورد لفظ (خطب) بصيغ متعددة في القران:
يقول تعالى “وشددنا له ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب” 5
في تفسير الميسر للآية: وقوينا له ملكه بالهيبة والقوة والنصر وآتيناه النبوة والفصل في الكلام والحكم.
ويقول تعالى أيضا: “إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب “6
في تفسير الميسر للآية: إن هذا أخي له تسع وتسعون من النعاج وليس عندي إلا نعجة واحدة فطمع فيها وقال أعطينها وغلبني بحجته.

 ثانيا: أركان الخطابة

للخطابة ثلاثة أركان أساسية، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما وهي:
الخطيب: وهو الذي يلقي الخطبة.
الخطبة: وهي الكلام الصادر عن الخطيب
المخاطب: وهو المعني بالخطبة وهو المتلقي.

 ثالثا: موجبات الخطابة

 الموجب الكوني:

لعل الوعاء الكوني الذي يتفاعل فيه الإنسان مع بني جنسه مؤسس على نظام حواري خطابي، فرغم اختلاف آيات الكون الطبيعية، فإنه يتعين على الإنسان في اجتماعه البشري أن يتناغم مع النظام الكوني ولا يشذ عنه باعتماد الحوار والخطابة في تدبير قضايا الاجتماع الإنساني.

 الموجب الفطري:

لقد جبل الإنسان على الحوار والتخاطب، دون غيره من المخلوقات بفضل ما حباه الله تعالى من القدرة على الفكر، والتمكن من البيان، مصداقا لقوله تعالى: ” خلق الإنسان علمه البيان “ 8 كما جبل على الرغبة في التعبير عن أفكاره، وهذا ما يجعل الإنسان مدفوعا من داخله الفطري إلى مخاطبة الآخر، وإقناعه بأفكاره عن طريق الخطب المقنعة.

 الموجب الشرعي:

لا شك أن بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام للمجتمعات البشرية في فترات زمنية متراخية على التوالي، بعثة خطابية بين الله تعالى وخلقه من خلال رسالة بينة واضحة تكلف هؤلاء الرسل عليهم السلام بتبليغها بمنهج خطابي.

ولما كان القرآن الكريم آخر خطاب تواصلي بين الله وخلقه، فقد دعا الله إلى اعتماد أتقن الطرق وألطف الأساليب في مخاطبة المتلقي: “وقولوا للناس حسنا “9 وقوله سبحانه: ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن“10، ويتضح ذلك أيضا من خلال بنية الخطاب القرآني القائمة على مبدأ المحاورة والمخاطبة، وذلك أن مادة **خطب ** ومشتقاتها مبثوثة بكيفية واسعة في ثنايا الخطاب القرآني، أضف إلى ذلك أن الخطبة من شعائر الدين الإسلامي، فلا صلاة الجمعة أو الأعياد دون وجود الخطبة.

وقد اعتمد الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته للعالمين على منهج المخاطبة بكيفية مطردة، أسوة بإخوانه الرسل عليهم السلام الذين توالوا على البشرية منذ آدم عليه السلام إلى خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، فلم يترك مناسبة إلا وخطب في الناس.

 الموجب الحضاري:

إن مقتضى الاجتماع البشري على تعدد الانتماءات العرقية واللغوية واختلاف المذاهب والديانات، واختلاف الطبائع اقتضى أن تكون الخطبة المنهج المعتمد الأمثل في تدبير الاختلاف، وذلك من أجل تحقيق مصالح العباد.

 رابعا: تاريخ الخطابة

1. الخطابة في القديم:

عرفت البشرية فن الخطابة منذ القديم، وكانت من أبرز أساليب الأنبياء والدعاة في دعوة أقوامهم، فقد سجل القرآن الكريم خطب عدد من الأنبياء، ولعل أقدم خطبة هي خطبة نوح عليه السلام، قال الله تعالى ( قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم، ويؤخركم إلى أجل مسمى، إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون)11
فالخطابة كانت تستعمل للتأثير على الناس، وتوجيههم بشكل ملحوظ من قبل الأنبياء وغيرهم، فلم تقتصر على الدعوة إلى الإصلاح، بل استخدمت كذلك من طرف المفسدين، كما هو الشأن بالنسبة لفرعون، قال تعالى ( ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين )12

2. الخطابة عند العرب في الجاهلية

كان العرب سادة البيان وصناع الكلمة، برعوا في مختلف فنون التأثير من شعر ونثر وخطابة، وجعلوا لذلك نواديا وأسواقا، وكان خطيبهم يخطب واقفا ليستوعب المجلس، ومن أبرز خطباء الجاهلية القس بن ساعدة الإيادي، قال عنه ابن حجر في الإصابة: وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكمته، وهو أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأول من توكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال* أما بعد *وأول من كتب *من فلان إلى فلان*.
إذن يمكن القول إن أول من قعد فن الخطابة هو القس بن ساعدة، وكانت له عدة خطب من بينها، أنه قال (أيها الناس من عاش مات، ومن مات فات، ومل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا، معاد موضوع وسقف مرفوع، ونجوم تمور وبحار لا تغور. . . أين الآباء والأجداد، أين المريض والعواد، أين الفراعنة الشداد، أين من بنى وشيد، وزخرف ونجد وغره المال والولد ؟؟ كلا بل هو الواحد المعبود ليس بوالد ولا مولود. . . 13

3. الخطابة في الإسلام

عرفت الخطابة نشاطا متميزا مع ظهور الإسلام، وذلك لأن رسالة الإسلام هي خطاب من الله تعالى إلى خلقه، تكلف النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه بتبليغه وكانت وسيلتهم لأداء هذه المهمة، كل ما أمكن من وسائل البيان والاتصال، وعلى رأس ذلك أسلوب الخطابة، وكان أول من وقف خطيبا هو رسول الله حين أمره الله تعالى “وأنذر عشيرتك الأقربين” 14، فصعد جبل الصفا فقال ( أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟)، قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)15
واستمر عليه الصلاة والسلام في استثمار كل فرصة سانحة ليخاطب جموعهم، مذكرا وناصحا وداعيا إلى الله، وبمثل ذلك قام أصحابه في مختلف الأحوال، إلى أن استقر الإسلام في المدينة، فشرع الحق سبحانه لعباده عبادة أسبوعية كل جمعة، جعل من شعائرها الخطبة، فأصبحت الخطابة لازمة لدخول الناس في الإسلام.

 خامسا: مجالات الخطابة

إذا تدبرنا قول ابن وهب الكاتب الذي ذكرته في التعريف الاصطلاحي، سيتبين لنا أن الخطابة يمكن أن توظف في موضوعات ومقامات متعددة تبعا للحاجة، فقد تستعمل كما قال في إصلاح ذات البين، أو في عقد الأملاك، فتندرج ضمن المجال الاجتماعي، وقد تستعمل في التشييد للملك والتأكيد للعهد، فتندرج ضمن الإطار السياسي، وقد تستعمل في الدعوة إلى الله عز وجل فتندرج ضمن خطب الدعوة أو التشريع أو ما يصطلح عليه اليوم بالخطبة الدينية، علما بأن الإسلام لا يفرق بين ما هو ديني وما هو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي. . . فالكل ينظمه الدين، ولهذا نجد خطب الرسول صلى الله عليه وسلم جامعة لمختلف المجالات كما هو الشأن مثلا في خطبة حجة الوداع، التي جمعت الحديث عن النساء والربا وقتل النفس والشرك بالله. . . . . لكن عموما وظفت الخطابة في عدة مجالات منها: المجال الديني والمجالس السياسي والمجال الاجتماعي.

1. المجال الديني

يقول أبو هلال العسكري: الخطابة لها الحظ الأوفر من أمر الدين، لأن الخطبة شطر الصلاة التي هي عماد الدين في الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التي يجب أن يتعهد بها الإمام رعيته لئلا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عز وجل من ذلك في كتابه. 16
لذلك نجد الخطباء المسلمين قد وظفوا الخطابة في مجالات دينية متعددة منها:

أ‌) مجال الدعوة إلى الله:

إن الناظر إلى الخطب الأولى التي خاطب بها الرسول صلى الله عليه وسلم قومه لدعوتهم إلى توحيد الله فإننا نجد نمطا خاصا من الأسلوب والحجج نظرا لحالة المخاطب الذي يطلب منه تغيير معتقده، ومن المعلوم أنه ليس من السهل تغيير عقيدة الناس، إذ لابد من حجج تثبت للمتلقي مزايا المعتقد الجديد ونقائص المعتقد القديم، فكانت الخطبة هنا تتضمن الحوار والمناظرة 17
ومثال ذلك خطبته صلى الله عليه وسلم بعدما أمره الله بالجهر بالدعوة، حيث حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، والله لو غررت الناس جميعا ما غررتكم، والله الذي لا اله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا. . .
فالمتأمل لهذه الخطبة يجدها رغم بساطتها تتضمن حججا بليغة، وأسلوبها حكيما، ورحمة واضحة. . . وكذلك سار على دربه المسلمون من بعده صلوات ربي عليه، على امتداد التاريخ الإسلامي في مخاطبة العرب والعجم، فلقد روي عن ربعي بن العامر أنه لما سأله رستم قائد جيش الفرس، ما الذي جاء بكم؟ قال له: جئنا لنخرج من شاء من عبادة الأوثان إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام.
وهذا النوع من الخطب هو خاص بغير المسلمين، أما الخطب الموجهة للمسلمين قائمة بالخطبة الوعظية.

ب) مجال الوعظ:

يقول الله عز وجل ” وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين” 18، فهذا دليل على أن الإنسان بحاجة إلى الذكر والتذكير، فقد جاء في الأثر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعهد أصحابه بالموعظة، لذا كانت الخطب الوعظية هي الأكثر انتشارا، وكانت تهدف إلى تبصير الناس بشؤون دينهم، وحثهم على تقوى الله وطاعته، والتفكير في الآخرة، عن علي رضي الله عنه قال ( أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإنكم في أيام أمل من وراءه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله، ولم يضرره أمله، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها)19
وعلى هذا الأساس شكلت الخطب الوعظية العمود الفقري للخطابة الإسلامية، فالوعظ كان حاضرا في جميع أنواع الخطب، حتى في خطب السياسيين والقادة، كما كان هناك خطباء اقترنت أسماؤهم بالوعظ في كل مجال، بما في ذلك وعظ الحكام والسلاطين كالحسن البصري الذي كان خطيبا جريئا ومؤثرا، حتى أن أهل البصرة كلما حزبهم أمر توجهوا إليه، واستعانوا به على معالجته في خطبة من خطبه، ومثال ذلك قصة العبيد المعروفة.
ومن الطريف أن المتتبع لنصوص الخطابة الإسلامية يجد أن وعظ الناس لم يكن قاصرا على الصالحين والزهاد، بل إن الخطباء الذين لبسوا رداء الوعظ كثر منذ القديم إلى اليوم، ولعل من أبرزهم الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي أثرت عنه خطب وعظية يصعب نسبتها إليه لولا تواتر الروايات في ذلك، ومن خطبه ( رحم الله امرؤا نقد عمله، امرؤا حاسب نفسه، امرؤا فكر فيما يقرأ في صحيفته، ويراه في ميزانه، أمرا كان عند قلبه زاجرا وعند همه ذاكرا، امرؤا أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفه. . . فلم يزل يقول امرؤ كذا، امرؤ فعل حتى أبكى الناس. . . ومن المعروف أن الحجاج كان بارعا في خطبه مالكا لأساليب الإقناع، وبما أنه كان أميرا على العراق وكان خطيبا لجمعها، فليس من الغريب أن يعظ الناس على المنبر يأمرهم بالخير حتى لو كان شريرا في نفسه، ومع ذلك فإن فعل الحجاج ومن ناقله لا يمكن أن ينتقص من الخطب الوعظية وما تؤديه من دور في إرشاد الناس إلى طريق الحق، ولعل ما يدل على أهمية هذا النوع من الخطب ما شرعه الإسلام في هذا الباب في أيام الجمع والأعياد والمناسبات الكونية كالكسوف والاستسقاء. . . .

2. المجال السياسي:

إن الخطابة لها دور سياسي خطير، إذ باستطاعة الخطباء أن يوطدوا دعائم سياسية معينة، كما باستطاعتهم أن يعلنوها ثورة جامحة، وبما أن السياسة لا تنفصل عن الدين في نظر الإسلام، فإن ولادة الخطب السياسية بدأت مع فجر الدعوة الإسلامية، لذلك وجدنا العديد من النصوص الخطابية على امتداد التاريخ الإسلامي ترتبط بمجال السياسة خاصة في مناسبات لها ارتباط بتسيير شؤون الرعية، كالتشاور في السلم والحرب، وتولي الخلافة والولاية، ويعتبر العصر الأموي العصر الذهبي للخطابة السياسية.
ويمكن تقسيم اتجاهات هذا النوع الخطابي إلى عدة مجالات:

أ‌) مجال الإمامة ومقتضياتها:

حاول الخطباء تثبيت مفاهيم الحقوق والواجبات، لكل من الخليفة والرعية ونشرها بين الناس، وإقناعهم بها كل حسب اجتهاده وفهمه لأمور الخلافة، ونجد الخطباء في العصر الأموي كانوا أكثر نشاطا، حيث كان يهدف الخطيب لاستمالة السامعين نحو سياسته إن كان من الزعماء المناصرين للأمويين أو كان من الفرق المناوئة لهم.
وتميزت خطب الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة رضوان الله عليهم بطابع إسلامي صرف حيث إن روح المسؤولية التي كان يشعر هؤلاء تجاه خالقهم ثم اتجاه رعيتهم، كانت تجعلهم لا يقولون إلا ما يفعلون.
ومثال ذلك ما قاله عمر بن الخطاب ( إن أحق ما يتعهد الراعي من رعيته، تعهدهم بالذي لله عليهم في وظائف دينهم الذي أهداهم الله له، وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وأن ننهاكم عما نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نقسم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم، ولا نبالي على من كان الحق)، ومثال ذلك خطبة يزيد بن الوليد ( أيها الناس إن لكم علي أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لينة على لبنة. . . ولا أنقل مالا من بلد إلى بلد حتى أسد فقر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يعنيهم، فإن فضل نقلته إلى البلد الذي يليه ممتعة أحوج إليه منه).

ب‌) مجال السياسة الحربية:

تعتبر الخطب الحربية من أبرز الخطب التي عرفها المسلمون، فلقد كانت ساحات المعارك تعج بالخطباء المفوهين من القادة والجند والوعاظ، حتى إن المعارك التي لا يحضرها الخطباء تؤدي إلى الهزيمة في الغالب.
وهناك فرق نوعي وفني بين الخطابة الحربية في الجاهلية ونظيرتها في الإسلام، ولمعرفة الفرق نتطرق المثال التالي:
خطبة في الجاهلية لهانئ بن قبيصة في قومه يوم ذي قار20( يا معشر بكر هالك معذور خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينحني من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من يد ).
خطبة لرائد بن عمير الطائي -التي أوردها الواقدي- في معركة اليرموك التي قال فيها (يا أهل القرآن إلى أين تريدون ؟أما علمتم أن من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله، وإن الجنة لها أبواب لا تفتح إلا للمجاهدين، الصبر الصبر، الجنة الجنة، كروا على الكفار عباد الصلبان، وها أنا معكم في أوائلكم، فإن كان صاحبكم أسر أو قتل ( ويشير إلى ضرار بن الأزور الذي أصيب وأسره النصارى) فإن الله حي لا يموت وهو يراكم بعينه التي لا تنام ).
فالفرق يبدو واضح بين الخطبتين شكلا ومضمونا، فمن حيث المضمون نجد روح الإيمان بالغيب حاضرة بقوة في الخطبة الإسلامية، فالحرب لم تكن من أجل الحرب فقط، وإنما من أجل إعلاء كلمة الحق، ومن حيث الشكل هناك فرق أيضا على مستوى البناء وعلى مستوى التعبير والحجج، حيث كثيرا ما تحضر الشواهد القرآنية والحديثة في الخطب الإسلامية لتحفيز المجاهدين.

3.المجال الاجتماعي

يقصد بالمجال الاجتماعي تلك المقدمات، والمحافل العامة والتجمعات الشعبية التي كانت الخطب تلقى فيها لغرض من الأغراض المتصلة بالحياة الاجتماعية، كالزواج، وإصلاح ذات البين والتهنئة والتعزية، مع التأكيد أن الجانب الديني المتجلي في استحضار عقيدة الإسلام دائما حاضر في كل الخطب.
ومن بين المناسبات الاجتماعية:

أ – مناسبة الإملاك:

وهي مناسبة عقد الزواج التي تتطلب إلقاء أكثر من خطبة في الموضوع، ولقد عرف هذا النوع من الخطب سننا خاصة سواء في شكل الخطبة أو في هيئة الخطيب، ففيما يخص شكل الخطبة، فإن خطبة النكاح لها مقدمة خاصة تختلف عن أنماط الخطابة الأخرى، وتكون أحيانا طويلة من الخاطب وقصيرة من المجيب، وقد تكون مختصرة وكان الغرض منها هو التعارف بين الطرفين وأشهر خطبة في هذا الباب خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تزويج علي لفاطمة رضي الله عنهما حيث قال: (الحمد لله المحمود بنعمه، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه المرهوب من عقابه، المرغوب فيما عنده، النافذ أمره في سماه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته وميزه بحكمته، وأعزهم بدينه وأكرمهم بمحمد نبيه، أما بعد فإن الله جعل المصاهرة نسباً ﻻحقا وحقا واجبا وفرضا ﻻزما، وحكما عاجلاً وخيرا جامعا، شج به الأرحام وألزمه الأنام وفرق به الحلال والحرام.
فقال جل ذكره “وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا “21 فأمر الله يجري إلى قضائه، وعلمه سائر على قدره ولكل حكم أجل يقول تعالى “ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب “22 ولأمر الله عز وجل العلو والنفاذ، وقد أنكحت فاطمة بنت محمد لعلي بن أبي طالب المشارك لها في نسبها، الرضي عند الله عز وجل وعند رسوله على المدة العادلة والسنة القائمة فجمع الله شملهما وبارك لهما، وجعلهما مفاتيح الرحمة وأمناء الأمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
).

ولقد اكتسبت هذه الخطبة من بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة خاصة، فجعلتها متميزة شكلاً ومضمونا، مع العلم أن خطب النكاح من أصعب الخطب حتى أن عمر بن الخطاب قال: ( ما يتصعدني شيء كما تتصعدني خطبة النكاح ) وذلك ربما لضرورة مدح الخاطب.

ب – مناسبات إصلاح ذات البين:

وهي المناسبات التي كان فيها الخطباء يدعون إلى الإصلاح فيها بين الناس سواءً أكانوا أزواجا أم أفراد في مجتمع أم جماعات متخاصمة، حيث كان الخطباء يدعون إلى نبذ الحرب وبيان ما فيها من دمار وإلى التصافي والتواصل ونبذ الأحقاد والتقاطع، ولقد بين الجاحظ أن هذا النوع من الخطب يستحب فيه التطويل لكن دون إملال السامعين.
ومن خطب الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع، الخطبة التي أصلح فيها بين الأوس والخزرج بعد أن حاول اليهود الوقيعة بينهم. ( يا معشر المسلمين: الله الله! أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ بعد أن هداكم الله للإسلام، أكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم. . .)

ج – مناسبات التأبين التعزية والتهنئة:

فمناسبات التأبين والتعزية هي التي ترتبط بموت أحد الأشخاص حيث تلقى خطب يدور موضوعها في الغالب حول ذكر مناقب الميت وما خلفه فقده من الحزن والأسى مع الدعاء له بالمغفرة والرحمة ولأهله بالصبر، وقد يلجأ الخطيب في مثل هذه المناسبة إلى وعظ الناس، باعتبار أن الموت أكبر واعظ للإنسان كما ورد في الحديث النبوي، ومن خطب التأبين خطبة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما توفي أبوها أبو بكر رضي الله عنه قامت على قبره وقالت: ( نضر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فقد كنت للدنيا مذلا بإدبارك عنها، والآخرة معزا بإقبالك عليها، وإن كان الأجل الأرزاء بعد رسول الله رزؤك، وأكبر المصائب فقدك، وإن كتاب الله ليعد بجميل العزاء منك حسن العوض عنك، فأنتجز من الله موعده فيك بالصبر عنك بالاستغفار لك ).
أما إذا كان الفقيد هو خليفة للمسلمين فنجد الخطباء يحاولون الجمع بين التعزية والتهنئة أو الدعوة للبيعة، كما في خطبة غيلان الثقفي التي تعتبر من أحسن الخطب التي جمعت بين التعزية والتهنئة ذلك أنه لما توفي عبد الملك بن مروان وجلس ابنه الوليد قام غيلان خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: “يا أمير المؤمنين أصبحت قد رزيت خير الآباء وسميت بخير الأسماء وأعطيت أفضل الأشياء فعظم لك الله على الرزية الصبر وأعطاك في ذلك نوافل الأجر وأعانك على حسن الولاية والشكر ثم قضى لعبد الملك بخير القضية وأنزله بأفضل المنازل المرضية وأعانك بعده على الرعية).

د. مناسبات المخاصمات القضائية

وهي المناسبات التي يدافع فيها المتخاصمون عن وجهة نظرهم أمام القاضي أو الحاكم أو الخصم، ولقد شجع على هذا النوع من الخطب استقلال القضاء في الإسلام وحرية المظلوم أو المتهم في الدفاع عن نفسه أو توكيل من يراه أهلا لذلك، وإدراج المخاصمات القضائية ضمن الخطابة يعود إلى أن المتحدث في هذه المخاصمات يحاول أن إقناع السامع ببراءته أو بوقع الظلم عليه كما هو الحال في الحوار المشهور الذي دار بين خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن رفعت أمرها إليه فقالت خولة: “يا رسول الله أكل مالي وأفنى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا”، وجعلت ترفع يدها إلى السماء وتقول اللهم أشكو إليك، وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات فأنزل الله في شأنها قرآنا كما هو معروف في سورة المجادلة.
ويبدو أن النساء كان لهن دور لا يستهان به في هذا النوع من الخطب كما حصل لامرأة أبي الأسود الدؤلي حين طلقها، وأراد أخذ ولدها فرفعت أمرها إلى زياد الذي كان واليا على البصرة فقالت: “أصلح الله الأمير هذا ابني كان بطني وعاءه وحجري فناءه وثديي سقاءه أكلؤه (أحرسه)إذا نام وأحفظه إذا قام فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى استوفى فصاله وكملت خصاله واستوكعت( اشتدت) أوصاله وأملت نفعه ورجوت دفعه أراد أن يأخذه مني كرها فآذني أيها الأمير فقد رام قهري وأراد قسري. فقال أبو الأسود: “أصلحك الله أيها الأمير هذا ابني حملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه وأنا أقوم عليه في أدبه وأنظر في أوده وأمنحه علمي وألهمه حلمي حتى يكمل عقله ويستحكم فتله. فقالت: “صدق أصلحك الله حمله خفا وحملته ثقلا ووضعه شهوة ووضعته كرها . فقال الأمير: “اردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك ودعني من سجعك .

الهوامش

1القاموس المحيط
2البرهان في وجوه البيان ص. 150
3الخطابة العربية الإسلامية ص13
4المفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
5سورة (ص )الآية 20
6نفس السورة الآية 23
7مقال للدكتور محمد رفيع بعنوان الحوار الحضاري وموجباته
8الرحمن الآية 3/4
9البقرة الآية 83
10النحل الآية 125
11نوح الآية 2
12الزخرف الآية 51
13الاساس في الدعوة والخطابة للدكتور عبد الرحمن بوكيلي ص13/14
14الشعراء الآية 214
15حديث عبد الله بن عباس في صحيح الترمذي صفحة 3363
16كتابه الصناعتين
17هناك عدة خطب للرسول صلى الله عليه اشتملت على المناظرة والمحاورة لذا عمدت إلى بيان الفرق بين المفاهيم الثلاث في التعريف الاصطلاحي.
18الذاريات الآية 55
19البيان والتقييم للجاحظ
20معركة دارت بين كسرى والعرب
21الفرقان الآية 54
22الرعد الآية 39

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: