“التناسب” عند ابن البناء المراكشي وأثره في “الترابط النصي”

يحتل التناسب موقعا مهما في “الترابط النصي” خصوصا في التراث العربي، لارتباطه القوي بالقرآن الكريم وتفسيره، فرغم أننا لا نجد في المدونة النقدية القديمة مؤلفا خاصا معنيا بفكرة الترابط، إلا أن ذلك لا يعني عدم إدراك أهمية “الترابط” في النص، إذ إن الإشارة إليه في أغلب المؤلفات البلاغية والنقدية يدل بوضوح على العناية الفائقة بعنصر فني ذي أهمية في تكوين النص، وهو عنصر “الترابط”، كي يؤدي رسالته التعبيرية وقيمته الجمالية. وفي هذا السياق نستدعي بعض الإشارات والتنبيهات من خلال كتاب “الروض المريع في صناعة البديع” لصاحبه ابن البناء المراكشي، للوقوف على تصوره لمفهوم “الترابط النصي” من خلال عنصر “التناسب”.

  • المحور الأول: مفهوم التناسب ووظائفه عند ابن البناء:

التناسب كما يعرفه الإمام البقاعي* هو: “علم تعرف منه علل ترتيب أجزائه، وهو سر البلاغة، لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال”[1].

         وقبل ذلك يتحدث عن فضل التناسب في الترابط النصي قائلا: “وثمرته الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ما له بما وراءه وما أمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب”[2].

     وهذا ما يعضده الزركشي قائلا: “وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوي بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم والمتلائم الأجزاء”[3].

     وقد أدرك نقاد الشعر ما للتناسب المعنوي واللفظي والنظمي والإيقاعي والصوتي من قيمة كبيرة في ترابط القصيدة وتماسكها وسلامتها من الخلل، وفي زيادة حظها من الجمال، لذلك عابوا على بعض الشعراء ما ظهر في بعض أشعارهم من الإخلال بهذا المبدإ، والجمع   بين أشياء غير متناسبة، من ذلك ما أنكره “نصيب” على “الكميت”، إذ جمع بين الدل والشنب في قوله:

أم هل ظعائن بالعلياء رافعة       وإن تكامل فيها الدَلُ والشَنَبُ

فقال له: “أين الدل من الشنب؟، إنما يكون الدل مع الغنج ونحوه، والشنب مع اللعس، أو ما جرى مجراه من أوصاف الثغر والفم”[4].

كما أن التناسب في نظر رشيد برقان “لا يضطلع بوظيفة واحدة، أو يتصدى لجانب واحد من الترابط في النص، ولكنه يتكفل بجعل النص مترابطا في شموليته، وكذلك في جزئياته”[5]

     من جهته، حاول “ابن البناء” تحديد مفهوم “التناسب” ووضع شروط المناسبة وما يتفرع عنها، وما يدخل تحتها، مستثمرا هذا المفهوم في موضعين من كتابه “الروض المريع”، الأول في باب “تشبيه شيء بشيء”، والثاني في باب “تبديل شيء بشيء”، إلا أنه لم يعرف التناسب تعريفا وافيا، واكتفى بتوظيفه مشيرا فقط إلى أن المناسبة هي “اشتباه النسب، والنسبة تكون بين شيئين، فإذا كانت النسبة التي بين شيئين كالنسبة التي بين شيئين آخرين قيل لأربعة الأشياء: متناسبة”[6].

        وضرب مثلا بقوله تعالى: “مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين”[7].، وقوله تعالى: “مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون”[8].

         يوضح ابن البناء التناسب الحاصل في هاتين الآيتين قائلا: “فنسبة الذين حملوا التوراة إلى حملهم أسفارها ثم لم يحملوا ما حملوا من القيام بها كنسبة الحمار إلى حمله أسفارا، فنسبتهم في عدم القيام بما فيها كنسبة الحمار في عدم قيامه بما في الأسفار لاستوائهم معه في عدم العقل، ونسبة الكفار إلى اتخاذهم الآلهة كنسبة العنكبوت إلى اتخاذها بيتا”[9].

ونص بعد ذلك على أن الأشياء المتناسبة إذا بدلت تبقى متناسبة، فتكون نسبة الأول للثالث كنسبة الثاني للرابع، وكذلك إذا ركبت أو فصلت أو عكست تبقى متناسبة، لذلك يدخلها “الإبدال” و “الحذف”.

       إن هذا الطرح يكاد يكون هو نفسه الذي قدمه معاصره السجلماسي في منزعه، حينما تحدث عن الحذف المقابلي، كجنس متوسط تابع لجنس الإيجاز، فيعرفه كالتالي: “هو القول المركب من أجزاء فيه متناسبة: نسبة الأول منها إلى الثالث كنسبة الثاني إلى الرابع، أو ما كانت النسبة فيه كنحو ذلك، فاجتزئ من كل متناسبين بأحدهما لقطع الدلالة مما ذكر على ما ترك”[10].

        هكذا يكون ابن البناء، ومعه السجلماسي قد “استثمرا نظرية التناسب، فبينا وظائفها المتعددة من حيث ربط العلائق بين الأشياء المتناسبة والمتضادة، ومن حيث الاستدلال للانتقال من المعلوم إلى المجهول”[11].

         ويجدر بنا في هذا المقام أن ندرج تعليق السجلماسي على هذا النوع من التناسب في تحقيق الترابط والتماسك بين أجزاء النص، حيث يقول: “وهذا النوع بالجملة هو من القول الجميل ذي الطلاوة والبهجة والماء والعذوبة الجزل المقطع، الغريب المنزع، اللذيذ المسموع، لما بين أجزائه من الارتباط، لما للنفس الناطقة من الالتذاذ بإدراك النسب والوصل بين الأشياء، ثم بإبراز ما في القوة من ذلك إلى الفعل، وبالشعور به، فلذلك توفر عليه من المزية ما تراه يباين سائر النظوم”[12].

  • المحور الثاني: صور التناسب عند ابن البناء المراكشي:

         تبنى ابن البناء المراكشي توجها فلسفيا ومنطقيا، إذ يعد كتابه “الروض المريع في صناعة البديع” كتابا جامعا بين المعرفة الفلسفية، والمعرفة الأدبية النقدية، حيث طبق النظريات المنطقية على المصطلحات البلاغية والنقدية، وهذا ما نلمسه بوضوح في تقديمه لصور “التناسب”. إذ أشار إلى أن النسبة بين الطرفين اللذين تتولد منهما أربع صور، وبطبيعة الحال إذا كانت هناك نسبة أخرى بين طرفين، فإنها تولد منها أربع صور أخرى، يقول: “ومتى كانت عدة أشياء وأشياء أخرى على عدتها، وكل واحد من هذه على موازاة واحد من هذه، وكلها في غرض واحد، إما تشبيه أو تفسير أو غير ذلك، فهي من المتناسبة. والأشياء الاُول مقدمات، والأشياء الأخر توال، ونسبة كل واحد من المقدمات إلى قرينه من التوالي هي كنسبة جميع المقدمات إلى جميع التوالي. فيتأتى في العبارة بها أربع صور”[13]:

1 – أن يأتي كل واحد من المقدمات مع قرينه من التوالي، ومثاله قوله تعالى: “وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا”[14]. فنسبة الليل إلى اللباس كنسبة النهار إلى المعاش.

ويوضح محمد مفتاح هذه الصورة بالمثال التالي[15]:

  إن النسبة بين الشاطبي وأصول الفقه هي نفس النسبة بين ابن البناء والبلاغة، ويرمز إلى الأطراف الأربعة بالرموز التالية: الشاطبي (أ)، أصول الفقه (ب)، ابن البناء (ج)، البلاغة (د)، وبالتالي فإن علائق البنية هي (أ: ب = ج: د)

2 – أن يأتي كل واحد من المقدمات مع قرينه من التوالي، ومثاله قوله تعالى: “ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله”[16].

فالمقدمات هي الليل والنهار، والتوالي هي السكن والابتغاء من فضل الله، وهذا يتوافق مع النموذج الذي يقدمه مفتاح:

نسبة الشاطبي إلى ابن البناء نسبة أصول الفقه إلى البلاغة (أ: ج= ب: د)[17].

3 – أن يأتي بجميع المقدمات، ثم بجميع التوالي مرتبة من آخرها، وتسمى رد الأعجاز على الصدور، ومنه قوله تعالى: “يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم”[18].

يفسر مفتاح هذه الصورة بالنموذج التالي:

نسبة البلاغة إلى ابن البناء نسبة أصول الفقه إلى الشاطبي (د: ج= ب: أ)[19].

4 – أن تأتي بجميع المقدمات ثم بجميع التوالي مختلطة غير مرتبة، ويسمى ذلك اللف، ومنه قوله تعالى : “وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب”[20].

فنسبة قوله تعالى (متى نصر الله) إلى قوله (والذين آمنوا) كنسبة قوله (ألا إن نصر الله قريب) إلى قوله (حتى يقول الرسول)، فالذين آمنوا معه يقولون (متى نصر الله)، والرسول يقول (ألا إن نصر الله قريب)، لأن القولين المتباينين يصدران عن مقامين متباينين[21].

وهذا النموذج يشمل الحالات التالية[22]:

  • نسبة ابن البناء إلى الشاطبي نسبة البلاغة إلى أصول الفقه (ج: أ = د: ب).
  • نسبة ابن البناء إلى البلاغة نسبة الشاطبي إلى أصول الفقه (ج: د = أ: ب).
  • نسبة أصول الفقه إلى البلاغة نسبة الشاطبي إلى ابن البناء( ب: د = أ: ج).
  • نسبة البلاغة إلى أصول الفقه نسبة ابن البناء إلى الشاطبي (د: ب = ج: أ).

وقد تقع المناسبة بين الأضداد، ويقصد بذلك المقاومة والمبالغة، ويسمى المكافأة، كقول الشاعر بشار بن برد[23]:

إذا أيقظتك حروب العدا      فنبه لها عمرا ثم نـــــم

“فالنوم يضاد اليقظة، وانتباه عمر للحروب يضادها، ونسبة حروب العدا إلى زوالها بعمر، كنسبة يقظته إلى زوالها بنومه، كأن الناظم قال: “إذا أيقظتك حروب العدا، فأزل الحرب بعمر، وأزل إيقاظها بالنوم، فكما تعود الحرب إلى الهدنة والسلم، كذلك يعود من يقظته إلى النوم، وظاهر من قوله: “حروب العدا” و “نبه لها عمر”[24].

         يذكر ابن البناء، أن هناك أربعة أشياء متناسبة، وهي العدا، وحروبها، وعمر، وفعله. “فعمر في مقابلة العدا، وفعله في مقابلة الحروب، فنسبة حروب العدا إلى العدا، كنسبة فعل عمر إلى عمر، حذف الوسطان اختصارا، وذكر الطرفان، وهما حروب العدا وعمر”[25].

        وقد وضع ابن البناء شرطين أساسيين في ترتيب المناسبة، أولهما مشاكلة النظم، ومثاله قول امرئ القيس[26]:

كَأني لم أركب جوادا للــــــــذة      ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال

ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل      لخيلي كري كرة بعد إجفال

جعل الشجاعة مع الكرم لأنهما مصاحبان في الوجود، وقرن بين مركوبين للذة: الجواد في الصيد، والكاعب ذات الخلخال في المتعة، ولو بدل عجز كل بيت منهما بعجز الآخر لاختلت المشاكلة، وفسد نظام المتناسبة”[27].

ثانيهما: لا يجمع في المتناسبة بين المتنافرين، “لأنهما بمنزلة الأول، والرابع، والثاني، والثالث اللذين لا تناسب بينهما، ومتى جاء الجمع بين ضدين، فلمعنى آخر، وهو قصد البيان، فإن بضدها تتبين الأشياء، وهو المسمى “طباقا”، ولما نجد النفس في ذكرهما مجموعين من اللذة، لأن اللذة في التقاء الضدين”[28]

  • المحور الثالث: ضروب الحذف في التناسب عند ابن البناء، وأثره في الترابط النصي

        قبل الحديث عن هذه الضروب نشير إلى القاعدة التي قدمها ابن البناء، والتي تؤطر التناسب بالحذف، مما يخلق الانسجام والاتساق بين أجزاء الخطاب، ويضفي عليه جمالية ورونقا، لأن الحذف يبقى من أكثر عناصر التماسك النصي شيوعا.

        يقول ابن البناء: “ويكتفى في الأشياء المتناسبة بذكر الطرفين ويحذف الوسطان. فيكتفى بالمقدم من إحدى النسبتين وبالتالي من الأخرى لأن الطرفين حاصرين للوسطين ويدلان عليهما لأجل ارتباط التناسب، والتي يكتفى بمقدمها ويحذف تاليها هي الأولى أبدا في مشاكلة التناسب وإن كانت متأخرة في الخطاب”[29].

  • الضرب الأول: حذف مقدم النسبة الأولى وحذف تالي النسبة الثانية.

ومن صوره قوله تعالى: “فليأتنا بآية كما أرسل الأولون”[30]، وقد أولها منطقيا وفق التناسب الرياضي بذكر الطرفين وحذف الوسطين لتجنب التكرار والاكتفاء بالمقدم، فجعل نسبة إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إلى إتيانه بآية كنسبة إرسال الأولين إلى إتيانهم بالآيات، فاكتفى من المقدمة الأولى المتقدمة في الذكر بتاليها، ومن الثانية بمقدمها. فيكون بذلك المشبه به سابق على المشبه. يعبر ابن البناء عن هذا النمط وأهميته في تماسك القول وتبليغه في أحسن صورة “فكان من البلاغة تقديم النسبة الثانية على الأولى لفظا، والحذف فيهما قرينة تدل على كل واحدة منهما معنى، وقد أدت فيهما العبارة المختصرة عن المعنى بكامله، فهو من الطبقة العليا في الكلام”[31].

         نفس الشاهد أورده السجلماسي في المنزع، وقدر المحذوفات كالتالي” إن أرسل فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فأتوا بآية، فنسبة قوله (إن أرسل)، وهو المحذوف الأول، إلى قوله (كما أرسل الأولون)، وهو المثبت الثالث، كنسبة قوله (فليأتنا بآية)، وهو الثاني المثبت، إلى قوله (فأتوا بآية)، وهو الرابع المحذوف، فاجتزئ من كل متناسبين بأحدهما لقطع الدلالة عليه، وذلك أنه اجتزئ من الأول المحذوف وهو قوله (إن أرسل) بالثالث المثبت، وهو قوله (كما أرسل الأولون)، كما اجتزئ من الرابع المحذوف وهو قوله (فأتوا بآية) بالثاني المثبت وهو قوله (فليأتنا بآية)، فحذف من الأول ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول”[32]. وهو بذلك يكون منسجما ما ذهب إليه ابن البناء الذي عبر عن هذا النوع بحذف مقدم النسبة الأولى وحذف تالي النسبة الثانية.

  • الضرب الثاني: حذف مقدم الأولى وتالي الثانية.

         هي من باب مشاكلة التناسب، ومرده إلى حذف مقدم الأولى وتالي الثانية، وإعادة صياغة الجملة حتى يتبين المراد من المعنى، ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: “ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء”[33]. وتأويل هذه الآية في نظر ابن البناء قوله : “فحذف مقدم الأولى وتالي الثانية، وليس ذلك من حذف الوسطين وأخذ الطرفين إن اعتبرنا النسبتين على ما لفظ بهما هنا. فوجب ردهما إلى مشاكلة التناسب، فتكون نسبة الذين كفروا إلى داعيهم كنسبة ما لا يسمع إلى الذي ينعق به فاكتفى بالطرفين: أحدهما وهو الأول، هو الذين كفروا، والثاني منهما، وهو الآخر، الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء”[34].

        وكان السجلماسي أكثر تفصيلا في تأويل هذا الشاهد، حيث قال: “فلم يشبهوا بالناعق وإنما شبهوا بالمنعوق به، وإنما المعنى: ومثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى، فهذا قوله،…فإنه اكتفى من الأول بالثالث فقط للنسبة بينهما، وذلك أنه اكتفى ب “الذي ينعق” وهو الثالث المشبه به من المشبه وهو الكناية المضاف إليها في قوله: “ومثلكم” وهو الأول”[35].

  • الضرب الثالث: حذف الوسطين والاكتفاء بالطرفين.

ويكون فيه نسبة الأمر الأول إلى جوابه كنسبة الأمر الثاني إلى جوابه، ومنه قوله تعالى: “اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء”[36]، وتأويلها ما جاء على لسان ابن البناء “اسلك يدك في جيبك تسلك، وأخرجها تخرج بيضاء من غير سوء”[37]، فحذف الجوابين الوسطين واكتفى بالطرفين.

وقد أورد السجلماسي هذا الشاهد من سورة النمل في قوله تعالى “وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء”[38]، وبنفس التأويل تقريبا حيث قدر المحذوفات قائلا : “وأدخل يدك في جيبك تدخل وأخرجها تخرج”[39]، معتبرا هذا النوع من التناسب تناسبا بالطباق، حيث نسبة الأول إلى الثالث ونسبة الثاني إلى الرابع.

ومنه قول الشاعر[40]:

وإني لتعروني لذكراك فترة          كما انتفض العصفور بلله القطر

“نسبة فترته إلى انتفاضته لأجل ذكر المخاطب، كنسبة فترة العصفور إلى انتفاضته لأجل بلل القطر”[41]، فحذف الوسطين، وذكر الطرفين.

أورد السجلماسي في المنزع هذا الشاهد في “الحذف المقابلي” التابع لجنس “الإيجاز”، وقدر محذوفاته كما يلي: “(وإني لتعروني لذكراك فترة بعد انتفاضة، كما انتفض العصفور بلله القطر ثم فتر)، فنسبة الأول منها إلى الثالث، كنسبة الثاني إلى الرابع، وهي نسبة طباق”[42].

  • الضرب الرابع: الاكتفاء بالطرفين

ومثاله قوله تعالى : “فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم”[43]، يقدر ابن البناء المحذوف في هذه الآية كالتالي (اضرب بعصاك البحر ينفلق فضربه فانفلق، فنسبة الأمر وجوابه كنسبة الفعلين الواقعين من موسى والبحر. أخذ الطرفين واكتفى بهما”[44].

خلاصات:

في ختام هذا المقال نسجل الخلاصات التالية:

  • لم يكن مفهوم “الترابط النصي” غائبا في مشروع ابن البناء المراكشي الذي كان يسعى لخدمة القرآن الكريم في إطار فهمه وبيان أوجه إعجازه، وهذا ما يحققه الترابط لأنه يعني التحام عناصر النص في كليته، وتماسك العناصر فيه بشكل يجعل الفهم أو التلقي الجيد له لا ينفصل عن إدراك التواشج الحاصل بين مكوناته، وهذا أيضا ما عمل المفسرون عليه وتحقق لهم من خلال تركيب مجموعة من المصطلحات المركزية التي تحيل على اتجاه التماسك والتلاحم.
  • تأكيد ابن البناء على أن المتناسبات يجب أن تكون كلها في غرض واحد: إما تشبيه أو تفسير أو غير ذلك، ومعنى هذا أن الأشياء المتناسبة يجب أن تنتمي إلى فضاء دلالي مشترك، ومن خلال الأمثلة السالفة يظهر تحقق هذا الشرط.
  • التناسب يمكن أن يقع بين الضدين، وهكذا يرى ابن البناء أن المناسبة تقع بين الأضداد على سبيل المقاومة والمغالبة أو المكافأة.
  • يقوم التناسب بعدة أدوار ووظائف، “منها ملأ الثغرات حين الحذف باعتماد الخطاطة الرئيسية الرباعية الأطراف”[45]. حيث يمكن تقدير مقدم النسبة الأولى وتالي النسبة الثانية في “الضرب الأول” وفي “الضرب الثاني، وملأ الوسطان بالاعتماد على الطرفين.
  • ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

  • البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتب الإسلامي، القاهرة، ط2، 1992، ج 1
  • برقان، رشيد، آليات ترابط النص القرآني، إفريقيا الشرق 2015
  • الخفاجي، ابن سنان، سر الفصاحة، دار الكتب العلمية، 1982
  • ديوان بشار بن برد، تحقيق بدر الدين العلوي، دار الثقافة، بيروت، 1963.
  • ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1964.
  • السجلماسي، أبو محمد القاسم، المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط1، 1980
  • الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر، (ت 794ه) البرهان في علوم القرآن، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 2007م
  • مفتاح، محمد، التلقي والتأويل، مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2009.
  • المراكشي، ابن البناء، الروض المريع في صناعة البديع، تحقيق رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1985.

*  – برهان الدين البقاعي (809ه- 885ه)، مفسر ومؤرخ وأديب، من أهم مصنفاته كتاب “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، ويعرف بمناسبات البقاعي أو تفسير البقاعي

[1] – البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ط2، 1992، ج1، ص 6

[2]  – نفسه، ص 5

[3]  – الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر، (ت 794ه) البرهان في علوم القرآن، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1 2007م، ج1، ص 48.

[4] – الخفاجي، ابن سنان، سر الفصاحة، دار الكتب العلمية، 1982، ص 201

[5]  – برقان، رشيد، آليات ترابط النص القرآني، إفريقيا الشرق 2015، ص 258

[6] – ابن البناء، المراكشي، الروض المريع في صناعة البديع، تحقيق رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، 1985، ص 105

[7] – سورة  الجمعة، الآية

[8] – سورة  العنكبوت، الآية 41

[9] – الروض المريع، ص 105 -106

[10] – السجلماسي، أبو محمد القاسم، المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط1، 1980، ص 195

[11] – مفتاح، محمد، التلقي والتأويل مقاربة نسقية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2009، ص 82

[12] – المنزع البديع، ص 195

[13] – الروض المريع، ص 106- 108

[14] – سرة النبأ، الآيتان 10 -11

[15] – مفتاح، محمد، التلقي والتأويل، مرجع سابق، ص 46

[16] – سورة القصص، الآية 73

[17] – التلقي والتأويل، ص47

[18] – سورة آل عمران، الآية 6

[19] – التلقي والتأويل، ص 47

[20] – سورة البقرة، الآية 212

[21] – الروض المريع، ص 108

[22] – التلقي والتأويل، ص 47

[23] – بشار بن برد، الديوان تحقيق بدر الدين العلوي، دار الثقافة، بيروت، 1963.

[24] – الروض المريع، ص 109

[25] – نفسه، ص 109

[26] – ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1964.ص 38

[27] – الروض المريع، ص 110

[28] – الروض المريع، ص 111

[29] – الروض المريع، ص 143

[30] – سورة الأنبياء، الآية 5

[31] – الروض المريع، ص 144

[32]  – المنزع البديع، ص 196

[33] – سورة البقرة، الآية 170

[34] – الروض المريع، ص 144

[35] – المنزع البديع، ص 199

[36] – سورة القصص، الآية 32

[37] – الروض المريع، ص 145

[38] – سورة النمل، الآية 12

[39] – المنزع البديع، ص 197

[40] – البيت لأبي صخر الهذلي (ت80ه)، وهي في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي 3\1231

[41] – الروض المريع، ص145-146

[42] – المنزع البديع، ص 198

[43] – سورة الشعراء، الآية 63

[44] – الروض المريع، ص 145

[45] – مفتاح، محمد، التلقي والتأويل، ص 50

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: