التطرف وأزمة العقل المسلم 2/2

حاجتنا إلى فقه الرحمة النبوية

في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم السمات الأساسية للدعوة الإسلامية ومنهاجها الواضح، إذا ما درسناها وتعمقنا في فهمها استخلصنا فقهًا للرحمة ينير لنا سبيل الدعوة في هذا العصر ويعطيها معنى ساميا فيدخل الناس في دين الله أفواجا.

ومن يستعرض السيرة النبوية الشريفة يجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس حسب أفهامهم، ويعاملهم ويخاطبهم حسب قدراتهم، كما كان يراعي أحوالهم في المنشط والمكره، ويعتبر حاجاتهم ويرأف بهم وييسر عليهم، ويرفع عنهم الحرج… إنها ملامح أساسية للدعوة النبوية، نعرض بعضًا منها لاستخلاص العبر والحكم، لتكون بذلك منهاجًا واقعيًا واسعًا شاملاً وكاملاً للدعوة إلى الله عز وجل.

أ/ مخاطبة الناس حسب الأفهام ودرجات الوعي:

كان النبي صلى الله عليه وسلم أدرى بأفهام الناس ودرجات وعيهم، ومن ثم كان يخاطبهم بحسبها، وهذا موافق لما أخرجه البخاري موقوفًا على علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله»[1]. ويتضح هذا مما يلي:

عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رجل: يا رسول الله، حدثني بحديث واجعله موجزًا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «صل صلاة مودع، فإن كنت لا تراه، فإنه يراك، وايأس مما في أيدي الناس تعش غنيًا، وإياك وما يعتذر منه »[2].

فالرجل يطــلب من النـبي صلى الله عليه وسلم حديـثــًا ولكـن مــوجزًا، ويـراعي صلى الله عليه وسلم قدرة الرجل على الاستيعاب فلا يزده على ثلاث.

وجاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «علمني كلامًا أقوله، قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، سبحان الله رب العالمين، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.. فقال: هؤلاء لربي فمالي؟ قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني»[3].

فانظر إلى الأعرابي، وهو المعروف بالطبع الحاد والفهم الساذج والانفعال السريع، يقول: هذا لربي، فمالي؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفه، بل علمه دعاءً وقدر فهمه، فلا يمكنه أن يعلمه ما لا يطيق أو ما يسبب له حنقًا وغضبًا على الإسلام.

وإذ أتكلم عن هذا الأعرابي، أتذكر الأعرابي الآخر الذي تبول في المسجد، وأتذكر تلك المعاملة اللطيفة التي عامله بها صلى الله عليه وسلم.

وهذا يزيد بن سلمة رضي الله عنه قال: « يا رسول الله، إني قد سمعت منك حديثًا كثيرًا أخاف أن ينسيني أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعًا، فقال: اتق الله فيما تعلم »[4].

فيزيد بن سلمة يريــد كلمة جامعة تغنـيـه عن تـذكر واستحـضار ما سبق، حتى إن نسيه كفته، ويجيبه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه غير مجبر على ما لا يعلم وما قد نسي، وذلك بقوله: « اتق الله فيما تعلم »، وكم هو موجز هذا الكلام! وكم هو بليغ !

ب/ مخاطبة الناس حسب قدراتهم:

عن أم هانئ رضي الله عنها، قالت: « أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله دلني على عمل فإني كبرت وضعفت: فقال: كبري الله مائة مرة، واحمدي الله مائة مرة، وسبحي الله مائة مرة، خير من مائة فرس ملجم مسرج في سبيل الله، وخير من مائة بدنة، وخير من مائه رقبة »[5].

ولعل هذا الحديث غني عن كل تعليق، امرأة كبيرة وضعيفة، لم تعد تقوى على أعمال البر، والرسول صلى الله عليه وسلم يصف لها ما يناسب كبرها وضعفها، وما هو خير لها من فرس ملجم في سبيل الله، وخير من مائة بدنة، وخير من مائة رقبة.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: « كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء شاب فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ فقال: يا رسول الله، أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه»[6]، وقدرة الشيخ ليست هي قدرة الشاب.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: « يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أو لا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور»[7]، فالمرأة لم تحرم الجهاد ثوابًا وأجرًا، فالحج بالنسبة لها أفضل الجهاد.

نعم، صدق الله سبحانه وتعالى حيث قال: (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )) (التوبة:128).

وقال كعب: لما نزلت: (( والشعراء يتبعهم الغاوون )) (الشعراء:224) أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ما ترى في الشعر؟ قال: « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه»[8].

فانظــر أخي كيف تعــددت صور الجهاد بتعدد قدرات المخاطب ومؤهلاته!

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه « أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، فقالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرًا »[9].

فهؤلاء لا يملكون ما يتصدقون به، وأهل الدثور يعملون الأعمال نفسها ويفوقونهم بصدقاتهم ومن ثم يفوقونهم في الأجر، والنبي صلى الله عليه وسلم مراعاة لقدراتهم يذكرهم بأعمال بسيطة في قدرها عظيمة في ثوابها بمثابة ثواب الصدقة.

جـ/ مراعاة أحوال الناس في المنشط والمكره:

وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس ويعاملهم حسب أفهامهم وقدراتهم، كان أيضًا يراعي أحوالهم في المنشط والمكره، في الشدة والرخــاء، فيقيــنًا أن ما لا يصلح للإنســان في الرخــاء قد يصلح له عند الشدة، وقد رأينا أمثلة من هذا في بعض التشريعات القرآنية.

من ذلك، منع النبي صلى الله عليه وسلم إقامة حد السرقة في الحرب حفاظًا على موقع المسلمين وقوتهم.

فقد أتي بسر بن أرطاة بسارق يقال له مِصدَر، قد سرق بختية، فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقطع الأيدي في السفر، ولولا ذلك لقطعته »[10].

قال العزيزي في شرح الجامع الصغير: قوله: في السفر، أي سفر الغزو، مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجعوا قطع، وبه قال الأوزاعي[11].

واحتلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رجل فأمر بالاغتسال، فاغتسل، وكان مصابًا بجرح، فمات، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال! »[12].

وعـــن أبــي هريرة رضــي اللــه عــنــه قــال: «مـــات ميــت في آل رسـول الله صلى الله عليه وسلم، فــقـــام عمــر ينهــاهـن ويــطــردهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعهن يا عمر، فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد قريب »[13].

فالرسول صلى الله عليه وسلم قدر الحالة النفسية للنساء، والمصيبة التي حلت، فطلب من عمر رضي الله عنه أن يتركهن وشأنهن.

كما يعلمنا عليه الصلاة والسلام أن نقدر حالة المسلم في مرضه، عندما عاد مريضًا فقال له: «ما تشتهي؟ قال: اشتهي خبز بر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا اشتهى مريض أحدكم شيئًا فليطعمه»[14].

د/ اعتبار حاجات الناس والرأفة بهم:

جاء الإسلام رحمة للعــالمــين، يلبي حــاجات الناس ما دامت لا تخالف الشرع.. ورأينا في ذلك أمثلة من القرآن الكريم، ونعرض هنا أمثلة من السنة الشريفة.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يؤدوا زكاة الفطر قبل أن يخرجوا إلى المصلى، وقال: «أغنوهم عن السؤال… »[15].

انظر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في توجيهاته يراعي حاجات الناس ومتطلباتهم، ولا يخرج عنها… وهنا قدر حاجة الضعفاء بأمر المسلمين تأدية صدقة الفطر أول يوم العيد، حتى يتحقق الإغناء فلا يطوفوا في الأزقة والأسواق لطلب المعاش[16].

وعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجلٌ بناضحين وقد جَنَحَ الليلُ فوافق معاذًا يُصلي فتركَ ناضحَهُ وأقبل إلى معاذٍ، فقرأ بسورة البقرةِ أو النسـاءِ، فانطـلقَ الرَّجلُ وبلغهُ أنَّ معاذًا نالَ منهُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذًا، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذُ أفتانٌ أنتَ [أو: أفاتِنٌ ثلاث مرار] فلولا صليتَ بسبِّحِ اسمَ ربكَ والشمسِ وضحاها والليلِ إذا يغشى، فإنه يصلي وراءكَ الكبيرُ والضعيفُ وذو الحاجة »[17].

وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء »[18].

فالرسول صلى الله عليه وسلم طلب الرأفة بأصحاب الحالات الخاصة، بالصغير والكبير والضعيف والسقيم وذي الحاجة… إنها رحمة الإسلام وسعته !

واقرأ معي هذا الحديث تتضح لك واحدة من أسمى سمات الإسلام:

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، فقال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متـــتابعين؟ قــال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، ثم جلس فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، قال: تصدق بهذا، قال: على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك »[19].

هـــذا الحــديث وأمثـالـه يفتـح لنا آفــاقــًا واســعة للدعوة إلى الله عز وجل برحمة ولين ورفق، وما أحوج هذه الدعوة إلى مثل هذه المواقف.

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المــــؤذن أن يؤذن للـظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبرد، ثم أراد أن يــؤذن، فقال: أبرد، حتى رأيــنا فيء التلول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة »[20]، وهذا اتقاء للحر الشديد الذي يضر بالجسم.

وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب»[21].

هـ/ التيسير ورفع الحرج:

من خصـــائص التشريع الإســـلامي رفع الحرج، يقـــول اللــه عـــز وجــل: (( وما جعل عليكم في الدين من حرج )) (الحــج: 78)، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا »[22].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: « دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلاً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»[23].

وتيسير النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمرًا خفيًا أو خاصًا مع قوم، وإنما كان عامًا يشهد به الجميع، فهذا الأزرق بن قيس، قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل، فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن منزلي متراخ فلو صليت وتركت الفرس لم آت أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من تيسيره »[24].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – صحيح البخاري بشرح الفتح 127.

[2] – الطبراني، الأوسط 4424.

[3] – صحيح مسلم بشرح النووي، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء 17 / 19.

[4] – سنن الترمذي 2682.

[5] – سنن ابن ماجة 3810؛ البيهقي، شعب الإيمان 621.

[6] – مسند الإمام أحمد 6751، 7074.

[7] – صحيح البخاري بشرح الفتح 1520، 1861.

[8] – مسند الإمام أحمد 15785.

[9] – أخرجه مسلم، باب الزكاة.

[10] – أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب السارق يسرق في الغزو أيقطع؟

[11] – عون المعبود شرح أبي داود 12 / 82.

[12] – مسند الإمام أحمد 3057؛ سنن ابن ماجة 572. قال في الزوائد: إسناده منقطع.

[13] – مسند الإمام أحمد 7695، 8409، 8737؛ سنن ابن ماجة 1587؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار 7780

[14] – سنن ابن ماجة 1439، 3440.

[15] – ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد 1 / 281.

[16] – الصنعاني، سب السلام 2 / 282.

[17] – أخرجه البخاري.

[18] – صحيح البخاري بشرح الفتح 702.

[19] – صحيح مسلم بشرح النووي، باب تحريم الجماع في نهار رمضان ووجوب الكفارة الكبرى فيه 7 / 235.

[20] – صحيح البخاري بشرح الفتح 535، 539؛ صحيح مسلم بشرح النووي، باب استحباب الإبراد بالظهر 5 / 119.

[21] – صحيح البخاري بشرح الفتح 1117، مسند الإمام أحمد 19840، سنن ابن ماجة 1223.

[22] – صحيح البخاري بشرح الفتح 6125.

[23] – صحيح البخاري بشرح الفتح 6128.

[24] – صحيح البخاري بشرح الفتح 6127.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: