أزمة درس التربية التشكيلية بين المصطلح والأداء ( المدرسة الابتدائية أنموذجا )

قبل البدء إشكالية:

ليس خافيا عن المختص في حقل ما من الحقول المعرفية سواء في المستوى النظري أو التطبيقي أهمية المصطلح في بنية ووظيفة الحقل الذي يشتغل عليه وفيه. حيث الإمساك بجهاز المصطلحات مدخل رئيس لتناول موضوعه عن دراية ووعي بمجموع الحمولات الدلالية والبنيات المعرفية التي تتفاعل فيها المفاهيم والتصورات، لتشكل تمثل ذلك الحقل في الذاكرة في درجته الصورية في شكل بناء معرفي مرتبط بمدخلات بنائه المختلفة؛ القيمية والنفسية والحسية والعلائقية والتفاعلية والحدثية ضمن ظروف تعليمية تعلمية معينة فضلا عن تشكله في درجته التطبيقية في شكل أداة من مختلف الأدوات الموظفة في إنجاز مهمة معينة كأساس الإنجاز أو وسيط فيه. و( لعل المنطلق الضروري لأي خطاب علمي يتحدد من خلال كون التناول العلمي لأية ظاهرة، حية كانت أم جامدة، ينبني أساسا على تحديد المصطلح المتعامل به في إطار تخصص علمي ما، والتعرف على الإمكانيات التداولية لهذا المصطلح قصد تحديده بقدر كبير من الدقة تحديدا يمكن من المضي في البحث، وتناول الإشكالية المدروسة في أمن من التخبط أو التناقض غير الواعي، الذي يمكن أن ينجم عن الاستعمال الفضفاض للمقولات، والذي يؤدي في غالب الأحيان إلى المزايدات اللفظية والتعويم المفاهيمي، أو على الأقل إلى سوء التفاهم والمفارقة في فهم المضامين )[1]، وعليه ( يجمع الاصطلاحيون على وجوب تقسيم اللغة إلى لغة عامة ولغة اختصاص. وعلة ذلك عندهم، أن الاصطلاح يهتم باللغة المستعملة في حقل موضوع مختص، مادامت هناك حقول موضوعات منفصلة أو مجالات معرفية وأنشطة في مجموعة لغوية ما )[2]؛ فالمصطلحات مفتاح العلوم. ذلك أنه ( ما من شك في أن للمصطلح دوراً أساسياً وفاعلاً في تكوين المعرفة، وأن أية ثقافة كانت، لن تنهض ويستقيم صرحها، إلا إذا أفلحت في إنتاج معرفة خصبة وجديدة، توجهها اصطلاحات واضحة للدلالة. وفي الحال نفسه فإن ثقافة أية أمة من الأمم، تقوض وتفكك بالنظر لعدة أسباب أهمها اضطراب دلالة المصطلح وتكاثر المصطلحات وتعارض مفاهيمها وعدم استقرارها. وعليه، فللمصطلح دور كبير في حياة الناس، وهو الذي ينظم التواصل بينهم، في شتى ميادين النظم والعمل، لأن المفاهيم ترسخ في الأذهان بحسب الكلمات المتفق عليها لدى الناس أجمعين )[3].

اقرأ أيضا: القضايا المعرفية والإشكالات الديداكتيكية في المتن التعليمي بين المتعلم ووعي المدرس

والمصطلح ليس مجرد كلمات عامة قبل أن تكون مختصة، يمكن تجاوزها والقفز عليها في الفعل التعليمـي لمعطيات تنظـيريـة أو تطبيقية، توحي بدوافع بيداغوجية أو ديداكتيكية أو نفسية أو اجتماعية أو مادية أو ظرفية ..  وحقيقة أمر هذه الأخيرة سوى مبررات موهمة أو وهمية لفعل اعتباطي غير علمي وعقلي متزن، يزن الأمور قبل أن ينظّر أو يبرمج، وقبل أن يصادق على فعله. فبناء المعرفة لا يتم دون التمكن من مصطلحات موضوعاتها، لأنها جزء من بنية تلك المعرفة فضلا عن كونها لبنات أساس في صرح المعرفة الإنسانية، والقفز عليها مجازفة علمية خطيرة، عائدها السلبي أكثر مما يظن من يتجاوزها. لذا وجدنا لأجل المصطلح تؤسس المراكز والمعاهد المختصة فيه، ووجدنا ” علم المصطلح ” أو المصطلحية Terminologie كما هي عند البعض  علما قائما بالذات والصفات، له أهله واختصاصيوه؛ من يدرسون المصطلح دراسة مورفولوجية، ومن يضعون ويولدون المصطلحات. وأي إغفال عن الحديث عن المصطلح وتوظيفه في الفعل التعليمي هو ضرب من الهرطقة العلمية، ومجلبة للتخبط والارتجال في الأداء التعليمي والتعلمي! إزاء عدم بناء المعرفة المدرسية بناء منطقيا مقعدا، يضاف عليه كارثة عدم تخصص هيأة التدريس بالابتدائي في جل الحقول المعرفية المدرسة في هذا السلك التعليمي، مما يفرز فقرا كبيرا في معالجة ثغرات المتن التعليمي والديدكتيك والمعينات البيداغوجية الموظفة في ذلك المتن. بل يذهب بفعل التعليم إلى القشور والسطح لا العمق. 

والمصطلح يختزل مجموعة من المجهودات العلمية التي وضعته أو ولدته، وهي مجهودات لم توجد اعتباطا أو عبثا ليتجاوزها من يؤلف الكتب المدرسية أو من يبرمج للتعليم الابتدائي أو يقوم تلك الكتب أو البرامج ويصادق عليها أو يدرسها أو يؤطرها. وحتى نبين أهمية المصطلح في بناء الدرس المدرسي نسوق إشارات مؤشرة عن حمولة المصطلح المعرفية وارتباطاتها ببناء المتن التعليمي. ذلك أن المصطلح يعد الأبجديات التي يتخاطب بها المختصون في حقل معرفي ما، والفاصل بين البناءات المعرفية في نفس الحقل، بل الفاصل بين التصورات ذاتها والمفاهيم نفسها التي تدرج في كل موضوع من مواضيع الحقل المعرفي المستهدف. وبالرجوع إلى التراث الأدبي العربي والإسلامي وجدنا للتمييز بين مختلف المفاهيم والتصورات استخدام مصطلح ” الحد ” في التمييز بينها، وإن كان كل حد تعريف وليس كل تعريف حد كما يقال. ونحن نعلم أن المصطلح يتضمن في بنيته محتوى مفاهمي أو تصوري لموضوع ما، حيث لا يستقيم أداء العلم نظريا إلا بالتمكن منه، ( ذلك أن الحِذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله )[4]، ولا يستقيم أداؤه تطبيقيا وعمليا إلا بالممارسة الميدانية وبالمباشرة؛ حيث الأداء العملي التطبيقي هو صناعة، و( الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري، وبكونه عمليا هو جسماني محسوس. والأحوال الجسمانية المحسوسة، نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل؛ لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة )[5]. وعليه فإن العملية التعليمية التعلمية لا يمكن أن تحقق أهدافها إلا إذا خطط لها جيدا، واستوفت شروط تحقيقها ميدانيا وعمليا من خلال تمكن المدرس من فعلها نظريا وعمليا، وممارسة المتعلم لها ذاتيا بالشراكة الحقيقية في القسم مع المدرس والزملاء، وتأطير المفتش التربوي لها بخبرته وتجربته ونقده وتصحيح اختلالاتها بمعية الأستاذ والمتعلم وصناع القرار فيها.

معوقات الفعل التعليمي التعلمي في التربية التشكيلية:

والفعل التعليمي التعلمي بطبيعته الأدائية لابد أن تعترضه المعوقات والصعوبات العديدة التي تحد من فعاليته ونتائجه؛ وتؤثر في سيرورته مباشرة. وهي معوقات وصعوبات مختلفة ومتنوعة كميا ونوعيا، وهي من جهة مصدر التطور الفعلي للعلم ومناهجه لأن الخطأ ينبع منه الصواب. ومن جملة تلك المعوقات والصعوبات غياب تحديد المصطلحات في المتن التعليمي لأكثر المكونات الدراسية؟! وذلك نتيجة أسباب وحيثيات عديدة ليست موضع البحث والدراسة. مما يؤسس لإشكالية المصطلح في الدرس التعليمي خاصة في المدرسة الابتدائية؛ وهو غياب ليس من العلمية في شيء، ولا مبررات معرفية وموضوعية له ضمن وجوب الوعي بأن المصطلحات تشكل الفاصل بين اللغة العامة ولغة الاختصاص. وهذا ما لا يتماشى مع طبيعة المعرفة المدرسية التي تعتبر فيها المصطلحات خزانا كبيرا للمفاهيم ومدخلا حقيقيا للمعارف والعلوم، بل هي أحد ركائز مكوناتها حيث ( تفيدنا الابستمولوجيا المعاصرة بأن كل علم يؤسس بالضرورة على ثلاث ركائز أساسية:

ـ موضوعه، أي حدود المادة التي يعتني بدراستها وعلاقاتها مع العلوم الأخرى.

ـ الجهاز المفاهيمي الذي يستعمله أي مجموع المفاهيم والمصطلحات المميزة التي يستعملها المختص للدلالة على محتويات العلم.

ـ منهجيته: أي مختلف الوسائل الإجرائية التي يستعملها لاكتشاف حقائقه )[6].

وهذا الغياب يُلبِس على المدرِس والمدَّرس المادة التعليمية التعلمية، ويدخلها في الضبابية والتشويش؛ حيث يزيد صعوبتها الموضوعية والمنهجية والأدائية بل والدلالية. وهي إشكالية لا تقتصر على الدرس التشكيلي وإنما ظاهرة تستفحل بشدة في كتبنا الدراسية إلا ما نذر منها.

         وليس خاف على أهل التربية والتعليم في الميدان أن هذا الغياب يزيد موقع التربية التشكيلية في المدرسة الابتدائية تأزما انطلاقا من:

  • كون هيئة التدريس بهذا السلك في أغلبها غير مختصة في التربية التشكيلية، وتغيب عنها الثقافة التشكيلية التي تشكل الأرضية الأساس في تدريس هذه المادة. وأن ما تلقوه من معرفة في مراكز التكوين حول هذا العلم لا يعدو أن يكون مبادئ أولية لم تنضج بعد لديهم أو ربما تكون عامة وسطحية لا تتحقق معها علمية التربية التشكيلية، ومن تم لا تغني ولا تسمن من جوع في أداء الدرس التشكيلي.
  • غياب الوسائل اللوجستيكية من مراسم ومواد ومراجع مختصة ومصادر علمية في المادة يعاضد غياب تحديد المصطلحات؛ فيزيد من تعقيد المادة التشكيلية فهما واستيعابا واكتسابا وتدريسا. ويحيلها إلى مادة ثانوية يغيب عنها البعد العلمي أو بمعنى آخر عند التشكيليين؛ يحيلها إلى المدرسة الساذجة في الفن التشكيلي، التي لا تنضبط إلى القواعد التشكيلية[7].
  • غياب النظرة العلمية عن هذه المادة عند إقرار كتبها في المدرسة الابتدائية، لعدة معطيات متنوعة تصب جميعها في تأزيمها عند المبرمج والمؤلف والمدرِس والمدَرَّس على حد سواء. ففي مستوى المنهجية قلما نجد كتابا مدرسيا يخص المادة باستنتاجات علمية حول مبادئ ومفاهيم ومصطلحات التربية التشكيلية لكي ينظر إليها المدرس والمدرس نظرة علمية لا نظرة سطحية إن لم نقل ساذجة، ومن أجل تحقيق علميتها عبر التراكم المعرفي والعقلي عند المتعلم.
  • كثرة الأخطاء العلمية في المتن التعليمي التشكيلي، يؤكد الانطلاق السابق، ويحاصر علمية المادة، ولنا على سبيل المثال لا الحصر. في كتاب ” المنير في التربية التشكيلية للسنة الخامسة ابتدائي ” نجد ـ على سبيل المثال في هذا الكتاب لا الحصر ـ مضمون الدرس 21 : هو المنظور الواجهي الذي توجد فيه نقطة تلاش واحدة، يجعل تمرن المتعلم على نشاط ذي نقطتين للتلاشي ( انظر الصفحة 95 )!؟ وهذا خطأ علمي فادح لا يستسيغه المؤلف الحقيقي ولا المقوم المتمرس في التأليف المدرسي ولا الديداكتيكي المحنك.[8] ومنه فأية علمية ستبقى لهذه المادة؟ ألا يحيلها هذا التعاطي مجرد خربشات وشطحات لليد في غياب وجود إلمام بثقافتها وعلميتها؟! فعلم المنظور فيها علم هندسي عريق وكبير، فأين هي منه مثلا؟!
  • ( هناك من يرى أن الفن لا يمكن أن يخضع لأي تجريد معرفي، فالإبداع الفني ما هو إلا ضرب من الإلهام، والخلق الفني محض صدفة من الشطحات اللاعقلانية. إن إغفال دور العقل في مجال الفن يتنافى جوهريا مع كون الفن هو الساعي إلى اكتشاف الحقائق النهائية والمعارف الكلية، التي يعجز العلم عن الوصول إليها نتيجة لصرامة منطقه ومناهجه. والفن: مبدعا، وعملا، ومتلقيا، في حاجة إلى المعرفة. يحتاج المبدع الفني إلى الفكر، فالفعل الفني ـ كما قيل ـ عملية عقلية واعية وليس مجرد انفعال أو إلهام، ولا يمكن ـ كما قال هيجل ـ إلا أن يكون نتاج الفكر، شأنه في ذلك شأن المنطق وفلسفة الطبيعة. وهو ما تؤكده مقولة بول فاليري: من أن كل عمل فني مسألة رياضية لابد أن يكون مسبوقا بالفكر والإرادة. وعلى الرغم من موقفها السلبي من النظريات الجامعة، لا يختلف موقف ما بعد الحداثة، من حاجة الفن إلى الفكر، فيرى فرنسوا ليوتار أنه لا يمكن للفن أن يستغني عن تسويغ فلسفي. وتكمن صلة العمل الفني بالمعرفة في كونه ناقلا للمعرفة ومولدا لها. فغموض العمل الفني والتباسه، يستحث فكر المتلقي على أن يزيح النقاب عن الغامض، ويفض اللبس عن الملتبس، ويستجلي المسكوت عنه، ويستخلص المغزى من وراء ظاهر العمل الفني، وما توحي به رموزه وشفراته، ولا يمكن لمتلقي العمل الفني القيام بمثل هذه الأمور، دون خلفية معرفية تنمي من ذائقته، وتكثف شحنة الإبداع الوجداني لديه )[9].
  • غياب التأطير والتكوين المستمر في هذه المادة من قبل هيأة التفتيش التربوي؛ التي هي نفسها تفتقد ثقافة هذه التربية بل تفتقد أسسها النظرية والتطبيقية، بما يفيد أنها تمارس التأطير في أغلب الأحيان من منطلق السطح لا العمق، وهي بذلك تجد نفسها في نفس الوضع مع الممارس البيداغوجي. وهذا لا يعفيها والممارس البيداغوجي من البحث في هذه القضية بما يدعم ويصحح ثقافتهما التشكيلية ويؤسس لدرس تشكيلي قوي ومتين علميا، ويعطي للتأطير معنى العلمية والدقة المهنية.
  • تعدد المصطلح في الحقل التشكيلي ينعكس في التأليف المدرسي على الأداء الصفي بتعدد المنظور إلى اللبوسات الإيحائية، التي يحملها المصطلح ذاته فضلا عن إيجاد حالة التباس لدى المدرس والمدَرس، بما يفيد وجوب تحديده لكي لا يلتبس على مستعمله، لأن الحقل التشكيلي حقل فني معرفي بامتياز. حيث ( تكمن صلة العمل الفني بالمعرفة في كونه ناقلا للمعرفة ومولدا لها. فغموض العمل الفني والتباسه، يستحث فكر المتلقي على أن يزيح النقاب عن الغامض، ويفض اللبس عن الملتبس، ويستجلي المسكوت عنه، ويستخلص المغزى من وراء ظاهر العمل الفني، وما توحي به رموزه وشفراته، ولا يمكن لمتلقي العمل الفني القيام بمثل هذه الأمور، دون خلفية معرفية تنمي من ذائقته، وتكثف شحنة الإبداع الوجداني لديه )[10].

في أهمية المصطلح:

وتتجلى أهمية المصطلحات التشكيلية من كونها ( الوعاء الذي تطرح من خلاله الأفكار، فإذا ما اضطرب ضبط هذا الوعاء أو اختلت دلالاته التعبيرية أو تميعت معطياته اختل البناء الفكري ذاته واهتزت قيمه في الأذهان، أو خفيت حقائقه، فضبط الاصطلاحات والمفاهيم ليس من قبل الإجراء الشكلي أو التناول المصطنع بقدر ما هو عملية تمس صلب المضمون وتتعدى أبعادها إلى نتائج منهجية وفكرية خطيرة )[11]. لذا يستدعي بناء خطاب نظري تشكيلي تعليمي في المدرسة الابتدائية ضرورة وجود جهاز اصطلاحي يبلور مفاهيم وتصورات ونظريات وتجليات هذا الخطاب قصد تأسيس درس تشكيلي ابتدائي، يعلمن المادة وينقلها من المدرسة الطبيعية بمفهوم سذاجة المادة التشكيلية إلى المدرسة العلمية التي تقوم على القواعد العلمية والضوابط المعرفية في الفن التشكيلي بجانب تأسيس لغة النقد التشكيلي عند المتعلم بإغناء خطابه النظري التشكيلي. ففي غياب تحديد المصطلحات التشكيلية في الكتاب المدرسي تضيق بل تغلق فتحات التواصل بين الأستاذ والمادة التشكيلية من جهة أولى، وبين المتعلم والمادة التشكيلية من جهة ثانية، وبين الأستاذ والمتعلم من جهة ثالثة؛ بما يؤدي إلى انغلاق الدرس التشكيلي في المدرسة الابتدائية. وهو ما يحدث فعليا في المدرسة الابتدائية ويصير معه الدرس التشكيلي لحطة شطحات لليد دون معنى علمي لها ومجرد تجسيد لرؤى فكرية ولونية سابحة في النفس ودواخلها بلا معنى ولا تفسير علمي يجذرها في تربة المعرفة! مما تضيق معه من جهة المساحة المعرفية التشكيلية للمتعلم بما يؤدي إلى الأمية التشكيلية، التي تنتج فراغا في الثقافة التشكيلية لدى المجتمع انطلاقا من المدرسة، فتصبح هذه الثقافة نخبوية وليست جماهيرية، وتصبح امتيازا لطبقة معينة من الأمة. تتخذ منها ممرا إلى الثراء الاجتماعي.

فجهاز المصطلحات التشكيلية يشكل للممارس البيداغوجي في المدرسة الابتدائية معجما اصطلاحيا تخصصيا، تنضوي تحته المعارف النظرية التشكيلية الدقيقة المؤثثة للمصطلحات والمساعدة على بلورة فكر تشكيلي عند المتعلم، بما يسمح له بإنتاج تراكم معرفي تشكيلي يمكنه من الإنتاج الفعلي للأعمال التشكيلية بآلية وتقنية علمية. بل تمكن المتعلم من القراءة الواعية للدلالة التشكيلية للأعمال الفنية والذهاب بها إلى القراءة النقدية نتيجة بلوغه الرشد الثقافي التشكيلي إن صح هذا التعبير. وأي قصور في المصطلح التشكيلي هو قصور في المعرفة التشكيلية؛ لذا تتجلى أهمية تحديد المصطلح في الكتب المدرسية المقررة في المدرسة الابتدائي. فالمصطلح بهذا البعد الوظيفي في الحقل المعرفي التشكيلي يعد (أداة التعامل مع المعرفة والتواصل في مجتمع المعلومات )[12]. ومنه فهو المدخل الأساس للدرس التشكيلي بالمدرسة الابتدائية تدريسا وبناء واستيعابا وتوظيفا. وبه يستطيع الممارس البيداغوجي الولوج إلى:

ـ إمكانية الوصول إلى الحقائق العلمية مع الحيلولة دون الاختلاف في دلالة المتن التعليمي.

ـ تحديد مضمون المصطلح التشكيلي وصيغته اللغوية التواصلية، بمعنى قيمته الدلالية وتعبيره اللغوي التشكيلي، ومن تم حدية تعريفه للمعنى التشكيلي المقصود الإحالة إليه من خلال المفردة الاصطلاحية التشكيلية.

ـ حسن التعامل العلمي مع المصطلح وتوظيفه بما يلزم من حمولة فكرية وثقافية متخصصة في الدرس التشكيلي المستهدف، بمعنى استدعاء المستلزمات الفكرية والثقافية الخاصة بالدرس المستهدف في سياق معطيات الفكر والثقافة التشكيلية العامة.

ـ الانتقال بحدية التعريف للمصطلح التشكيلي إلى تفاصيل المتن التعليمي التشكيلي من خلال الارتباط بالمفهوم، من حيث المصطلح مدخل للمفهوم كتصور يثير لفظه اللغوي المعنى الذهني المنطبق على مفردة أو مجموعة مفردات أو أفراد حسية أو معنوية أو مفترضة. فمثلا: مصطلح ” نقطة الهروب أو نقطة التلاشي ” تحيل حدية نقطة التلاشي أو الهروب على مجموعة مفاهيم منها:

* هروب المتوازيات نحو النقطة وتقاطعها فيها.

* تلاشي المتوازيات بعد النقطة وهروبها نحو لا نهائية.

* وجود نقطة واحدة في عمق الوجود التشكيلي للعمل الفني.

* تخليق المجسمات بمنظور هذه النقطة فضلا عن تخليق المساحات.

* هندسة العمل التشكيلي، بمعنى نقل العمل الفني من الوحشية إلى العلمنة الهندسية بكل الأبعاد الثلاثة الأفقي والعمودي والعمق.

* استحضار سلم الأبعاد وإطار الرؤية وغيرها من المفاهيم في الاشتغال على نقطة الهروب أو التلاشي.

         فحدية التعريف تضمن ثبات المصطلح مع فتحه على الاستدعاءات المفاهيمية المرتبطة بتأثيثه الداخلي. فهو ( علامة معرِّفة داخل نظام من الدوال المحددة للمفاهيم وبالتالي فهو مدخل للمفهوم وعلامة على مرجعه ).[13]

ـ المرجعية المعرفية والخلفية الفكرية بل والتقنية المتحكمة في المصطلح التشكيلي.

بعض من المصطلح التشكيلي:

( التشكيل : هو إظهار شكل الجسم باستخدام الظلال.

وحيد اللون (المونوكروم):يعني تلوين الشيء بالاعتماد على درجات لون واحد .

تقنية الرفع : هي تغيير الطبيعة اللون بإزالة جزء منه عن سطح الورقة بواسطة الممحاة أو الاسفنج.

المزيج الضوئي : هو اللون الناتج من وضع طبقة لونية فوق الأخرى أو وضع لون بجوار الآخر بدلا من مزجهما معا على الورقة.

 التناغم اللوني: هو مقدار درجة الضوء المنعكس على سطح معين

نغم اللون : هو العلاقة بين الغامق والفاتح أو الدرجات المتفاوتة بين الغامق والفاتح للون الواحد.

الحماية بالشمع : تقنية تستعمل فيها الألوان الشمعية أو قطعة من الشمع لحماية مناطق معينة في الموضوع تجنبا لتسرب أي لون إلى لون آخر والتأثير عليه.

الورنيش : هي مادة سائلة توجد لدى محلات مواد البناء وتستخدم لإظهار لمعان وبريق الأسطح بعد دهنها مثل الأبواب وغيرها وتستخدم هذه المادة في العديد من الأعمال الفنية.

سكرافيتو : تقنية يستعمل فيها المشرط أو الشفرة لتجريف أو إزالة بغض الألوان الجافة من على سطح الورقة بحيث تعطي تأثيرات لونية معينة.

من العناصر التشكيلية: الفراغ…. إن العناصر الثلاث إذا تجمعت مثل( الخطوط والمسطحات والكتل) تخلق فراغا space  والفراغ يمثل عنصر مهم في الفنون المعمارية نظرا لوجود فراغ نشأ من تجمع الكتل أو المسطحات في بناء منزل مثلا: فالفنون المجسمة تطورت من فكرة الشكل المغلق إلى الشكل المفتوح الذي يربط بين الداخل والخارج. وتحقيقا لهذا الاتجاه نرى الأعمال المعمارية الحديثة تميل نحو استخدام المسطحات الشفافة الزجاجية في كيان العمل الفني .

ـ  إن العنصر المسطح بمفرد بحكم طبيعته لا يمكن أن يضم فراغا.

ـ  أما إذا تقوس نشأ عن ذلك نشاط فراغي.

ـ وإذا افترضنا أن هذا المسطح قد شكل بحيث يصبح على هيئة نصف الكرة فإن الفراغ يصير أكثر إيجابية وتحديد. أما التصميم المسطح فهو شيء آخر أنه سطح ذو بعدين الطول والعرض وعلى الفنان أن يقدر الطريقة التي يستطيع بواسطتها الإيحاء بالعمق أو البعد الثالث في الفضاء.

التراكب: overlapping هو عملية تغطية الوحدات المكونة للتصميم بوحدات أخرى بحيث يحجب بعضها أجزاء من وحدات بعضها الآخر بطريقة تحافظ على وحدة التكوين.

الأسس :fundamentalsهي أصول وقوانين العلاقة الإنشائية في بناء العمل الفني وخطة التنظيم التي تقرر الطريقة التي يجب جمع العناصر بها لإنتاج تأثير معين.

القواعد rules:هي مجموعة النظم والضوابط التي يحكم بها الشكل الصحيح وفق مقاييس ونسب معينة متفق عليها تحدد قيمتها الجمالية.

اسكتش : رسم تحضيري مبدئي يضع فيه الفنان تصوراته أو يسجل فيه حركة أو لفته ويصحح بناء علية أفكاره.

تكوين: الصياغة البنائية التي ترتب العلاقة بين العناصر التشكيلية وفقا للقواعد الفنية.

تصميم : مخطط مبدئي مدروس للعمل الفني.

بؤره بصريه : أشد مناطق العمل الفني جذبا للنظر.

كروكي : رسم سريع لا يتوخى الدقة لتركيزه على أبراز حركة ما آو رؤية خاصة)[14].

( الخط العربي :Arabic calligraphy هو أحد الفنون التشكيلية الذي يتجاوز دوره من وسيلة لنقل المعلومات، ليصبح غاية متكاملة،روحانية الجمالية،وتجريدية المفهوم ،وهو مهيأ أصلا –مدلولا وتركيبيا-لتأدية هذه المهمات واحتلال تلك المكانات،لما أحيط به من قدسية ،ولما تضمنت تسطيرا ته والتواءاته من حركة إيقاعية وتركيب متوازن متناغم .

الخط المجرد :line هو أحد العناصر الأكثر أهمية ومنفعة من بين عناصر التصميم ويعتبر بسيطا ومعقدا في نفس الوقت وله صفات متعددة،بما يجعل استخدامه أساسيا في تكوين الرسم الهندسي والمعماري والرسم الحر ،ورسم الحروف والرموز والأشكال والكتل والسطوح.

الأسس:fundamentals  هي أصول وقوانين العلاقة الإنشائية في العمل الفني،و خطة التنظيم التي يجب جمع العناصر بها لإنتاج تأثير معين.

العناصر :elements هي الوحدات البنائية والتعبيرية التي تكون العلاقات المرئية في الفنون البصرية،وتنظم وفق تكوين معين.

الوحدة :unity هي عملية الجمع بين عناصر العمل الفني في ارتباط داخلي متشابك بصورة متضامنة لخلق وحدة ،تصبح لها من القيمة ما هو أعظم من مجرد قيمة مجموع تلك العناصر.

التوازن: balance  هو التحكم في الجاذبيات المتعارضة عن طريق الإحساس بتعادل عناصر وأجزاء العمل الفني الشكلية والمخفية.

الإيقاع :rhythm عملية تكرار العناصر أو أحدها في العمل الفني،وفق تواتر معين يثير الإحساس بتتابع الأنغام في أوقات محددة )[15].

مقترحات لتجاوز إشكالية المصطلح التشكيلي في المدرسة الابتدائية:

         من بين المقترحات نورد مثلا:

ـ مراجعة الكتب المدرسية قصد تحديد المصطلحات التشكيلية.

ـ وضع قاموس للمصطلح التشكيلي خاص بالمدرسة الابتدائية.

ـ تمكين المدرس من المصطلح التشكيلي في التكوين الأساس.

ـ التعاطي مع المصطلح التشكيلي في التكوين الأساس الذي يجريه جهاز التفتيش التربوي.

ـ تكوين أساتذة مختصين في التربية التشكيلية في المدرسة الابتدائية.

ـ الاستعانة بالمراجع التشكيلية في مقاربة المصطلح التشكيلي في المدرسة الابتدائية.

ـ توفير مراسم في المدارس الابتدائية مع توفير الوسائل والمراجع التشكيلية.

خاتمة:

        الواقع المعيش في الدرس التشكيلي يبين بالملموس أن هذا الدرس يعيش أزمة تحديد المصطلح، مما ينعكس سلبا على تحصيل المتعلم فضلا عن أداء المدرس، مما يوجب التفكير بجدية في تجاوز هذا الإشكال رسميا في المدرسة الابتدائية. فهل من حلول وضعتها الوزارة لذلك؟

[1] د.محمد غاني، إشـكالــية المصطـلح و تجديد أصول الفقه، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، http://ar.wikipedia.org

[2] د. أحمد بريسول، البنية الدلالية للمصطلح المولد، بحث في إطار مشروع ” المصطلح المولد GENTERM  ” معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب ، ص.ص.: 285 ـ 319.

[3] د. مولاي علي بوخاتم، مصطلحات النقد العربي السيماءوي: الإشكالية والأصول والامتداد، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، سوريا، 2005، ص.: 31.

[4] ابن خلدون، المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، 1420/2000،ط2، ص.: 402.

[5]  نفسه، ص.: 371.

[6] د. أحمد شبشوب، مدخل إلى بيداغوجيا المواد، مجلة الدراسات النفسية والتربوية، العدد 13، يوليوز 1992، ص.ص.: 65 ـ 94.

[7] المدرسة الساذجة في الفن التشكيلي تستمد قوتها من سذاجتها التي لا تعير للقوانين والضوابط العلمية للتشكيل أية قيمة.

[8] سنجري دراسة علمية نقدية للكتب المدرسية في المادة التشكيلية مضمونا ونهجا. ( إن شاء الله تعالى ).

[9] د. نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت،2001، عدد 276، الإصدار الثاني، ص.: 506. 

[10] نفسه، ص.: 506.

[11] عمرو عبد الكريم سعداوى، في الخصوصية الحضارية للمصطلحات، http://www.iicwc.org/rooia_nakdia/rooia_CIDAW/Roo_05.htm.

 

 

[12] ذ. محمد مراياتي، المصطلح في مجتمع المعلومات أهميته وإدارته وأداوته، مجلة العربية، دمشق، سوريا، 2005، السنة الخامسة، العدد3، صص.: 11 ـ 35.

[13] عبد الرحمن حللي، الفرق بين المفهوم والمصطلح ـ مقاربة منهجية ، http://tarbawyonline.com/mafahim1.html.

[14] http://www.algazalischool.com/vb/showthread.php?t=26466.

[15] http://www.art.gov.sa/vb/t1301.html.

اظهر المزيد

عبد العزيز قريش

باحث في علوم التربية والبيداغوجيا/ فاس، المغرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: