الاستجابة للقرآن من خلال سورة الفرقان.

المحاور الأساسية

مقدمة.

أ – التعريف بسورة الفرقان.

ب – سبب تسمية السورة.

ج – سبب تكذيب القرآن وهجره

د – أمَة الرحمن واستجابتها للقرآن.

الخاتمة.

***

مقدمة

قال تعالى في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)[1]. هذه الآية، وردت في سورة الفرقان، وترتيب الآيات في القرآن توقيفي من عند الله، وإيراد الآية في سورة معينة دون السور الأخرى توقيفي كذلك، فما علاقة هذه الآية من صفات عباد وإماء الرحمن بسورة الفرقان عموما؟ ولماذا جاءت في أواخر السورة على وجه الخصوص؟ الجواب على هذه التساؤلات يتطلب منا التعرف على سورة الفرقان أولا، وعلى مقصدها ثانيا، وعلى محاورها ثالثا.

أ – التعريف بسورة الفرقان

 سورة الفرقان سورة مكية، نزلت قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، إذ الهجرة النبوية هي الفاصل بين السور المكية والمدنية، و آياتها 77، وترتيبها في القرآن بين السور 25 بعد سورة النور، وقبل سورة الشعراء.[2]. أما ترتيبها حسب النزول، فنزلت بعد سورة “يس”، وبدأت بالثناء على الله جلّ وعلا بقوله سبحانه: “تبارك”، وفيها سجدة في آياتها الستين.

ب – سبب تسمية السورة

سُمّيت ‏السورة بهذا ‏الاسم ‏الذي هو ” الفرقان” ، لأنّها ‏ذكرت المعجزة الخالدة التي هي القرآن الكريم كلام الله تعالى، والذي فرّق الله به بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، وقد ذكرت السورة كلمة الفرقان في الآية الأولى منها حيث قال الله عزّ وجلّ: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) [3]، وجاءت السورة مُثبّتةً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ذاكرةً صفات إماء وعباد الرحمن الذين تخلقوا بالقرآن، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن، وجاهدوا بالقرآن جهادا كبيرا، ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروا دعوته.

ج – سبب تكذيب القرآن وهجره

الآيات في سورة الفرقان تسير بسياق متميّز، فتبدأ بآيات فيها ما قاله المكذبون، (وقالوا)، ثم تأتي آيات تهدئة الرسول صلى الله عليه وسلم وتعقيب على ما قالوا، ثم تأتي آيات تتحدث عن عاقبة التكذيب، ويستمر هذا السياق في معظم آيات السورة الكريمة. وهذا التسلسل والسياق في الآيات مفيد جداً للمسلمين والمسلمات في كل زمان ومكان، لأن السورة تعرض عليهم عاقبة التكذيب فيرتدعوا عن التكذيب بالفرقان وبدين الله الواحد القهار. وهكذا حتى نصل إلى آية محورية في هذه السورة، وهي الآية 43 و ما بعدها، من قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [4]، إنها تكشف حقيقة نفسية لا يعرفها إلا خالق هذا الإنسان، قال تعالى في سورة الملك: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[5]،.إنها تكشف عن السر في تكذيب المكذبين، وتبين أن السبب واضح جليّ، هو أنهم يتّبعون أهواءهم، فالمشكلة إذن تكمن في اتّباع الهوى، وهذا هو أساس تكذيب الناس للحق عموما، وللقرآن خصوصا. وحول الهوى يقول أحد رجالات التربية، الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه تنوير المؤمنات: (تطغى على أبناء الدنيا وبناتها أنفسهم، يتحكم فيهم الهوى ويمسك بزمام إرادتهم ليقودهم إلى الهلكة الأبدية والخسران المبين. نفسهم أهلكتهم، هواهم أسقطهم في مهواة. خسروا أنفسهم لما آثروا النزوات واستجابوا للغرائز السافلة الدنيا معرضين عن النداء الأعلى إلى الله و إلى الأخرى. قال الله تعالى في سورة النازعات: “فَأَمَّا مَنْ طَغَى *وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى”[6]، الصنف المفلح الرابح هم الذين ينهون النفس عن الهوى، تقودهم إرادتهم الصامدة في وجه الهوى، يزَعُهم الخوف من مقام ربهم. ولهم الجنة في الآخرة. ولهم بها الوعد والبشرى. وهم المتقون الذين يتقبل الله عملهم. يُقَدِّمهم على غيرهم صالح الإيمان وصالح العمل وثابت العزم لا النزعات الساقطة الخسيسة. وعد الله المتقين الحسنى، وعده الحق سبحانه في سورة الفرقان: “أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا *خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا”.[7] ….لا مكان في تلك المقامات لإماء الهوى وعبيد النفس الهابطة. إنما المستقر والمُقام لعباد الرحمان، وهم المتقون).[8]، وبعد كل الآيات التي عرضت للتكذيب بالقرآن، في سورة الفرقان، تأتي آيات إثبات قدرة الله تعالى في الكون، وقد نتساءل، لماذا تأتي هذه الآيات الكونية هنا في معرض الحديث عن التكذيب؟ نقول: إنه أسلوب القرآن الكريم عندما يشتّد الأذى على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، تأتي الآيات الكونية تطمئنهم أن الله الذي أبدع في خلقه ما أبدع، وخلق الخلق والأكوان كلها، قادر على نصرتهم، فكما مدّ الله تعالى الظل للأرض، سيمدّ تعالى الظلّ للمؤمنين، ويذهب عنهم ضيقهم والأذى الذي يلحقهم من تكذيب المكذبين، فسبحان الله الحكيم القدير.

ثم تنتقل الآيات من تكذيب المكذبين بالقرآن إلى ما هو أعظم وهو التكذيب بالرحمن سبحانه في الآية 60 ، وهي آية السجدة لله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ، قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)[9]، والرد على هؤلاء المكذبين بالرحمن يأتي بصيغة في غاية من العظمة، فالله تعالى ردّ عليهم بعرض صفات عباد الرحمن من الآية 63 (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)،  إلى الآية 76 (خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)، والتي قال فيها الإمام عبد السلام ياسين رحمه في كتاب تنوير المؤمنات وهو يخاطب المؤمنات أولا ثم المؤمنين: (انظري يا أخت الإيمان في مصحفك من الآية 63 من سورة الفرقان، وادرسي وابحثي في التفاسير وناقشي مع المؤمنات صفات عباد الرحمان، وتعلَّمي أن كتاب الله تعالى جاءنا بلسان عربي مبين، والعرب تخبر بصيغة المذكر عن الجمع من نساء ورجال. تغليب لغوي فقط. وعباد الرحمان هم النساء و الرجال الذين اكتملت فيهم الصفات الخلقية الصبرية الواردة في الآيات الكريمة. تَحكُّم الرجل والمرأة في الهوى هو المعيار لا الجنس).[10]

ولم يعرض سبحانه في سورة الفرقان ردا على الكفار المكذبين بالقرآن وبالرحمن، صفاته جلّ وعلا، فهم لا يستحقون الرد على سؤالهم: مَن الرحمن؟  فكأنما يقول لهم سبحانه وتعالى: إن هناك أناس أمثالكم من الذكور والإناث، لكنهم صدّقوا القرآن وتخلقوا به، فكان ربيع قلوبهم، وآمنوا بالله الرحمن، وعبدوه حق عبادته، فاستحقوا وصفهم نسبة إليه سبحانه نسبة تشريف وتكريم بعباد الرحمن. وفي صفات عباد الرحمن، صفة هامة هي دعاؤهم بأن يكونوا للمتقين إماما،ً وهكذا يجب أن يكون المسلم والمسلمة على السواء إماماً وقدوة لغيره من الخلق، لأنه على الحق القويم، وعلى الصراط المستقيم. وتختم سورة الفرقان بآية تلّخص فيها رد الله على هؤلاء المكذبين وهي الآية 77 (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا).[11].

د – أمَة الرحمن واستجابتها للقرآن.

من صفات إماء وعباد الرحمن سرعة الاستجابة إذا ذكروا بالقرآن، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)[12].

 والسر في ذلك أنهم لم يتخذوا أهواءهم آلهة، بل كانت تابعة لأمر الله في القرآن، قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في تنوير المؤمنات: (نهي النفس عن الهوى يشبه زجر الدابة ومنعها من علفها. وذاك هو الأصل اللغوي لفعل “صبر”. قالت العرب: صبرت ُالدابة أي حبستها عن العلف. هكذا نرى أن معالجة النفس وزجرها عن اتباع الهوى وعن زلقات الغريزة وخُطْوات الشيطان وحملها على الطاعات لله عبودية له وخوفا منه وتصديقا بوعده هي الخصلة التي تدور عليها سعادة المرء وشقاؤه، خسرانه أو فوزه. جاء وعد الله عز وجل للمتقين الذين صبروا بالغرفة والتحية والسلام في أواخر سورة الفرقان، بعد سرد صفات إماء وعباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).[13].

فالسبب في تكذيب الكفار للقرآن وهجره: تلاوة وحفظا وفهما وعملا  ودعوة وتحاكما واستشفاء واعتزازا وجهادا هو اتباع الهوى، بخلاف إماء وعباد الرحمن الذين استجابوا لله والرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يخروا صما ولا عميانا، يقول الطبري رحمه الله في تفسيره:) يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فهماء العقول، يفهمون عن الله ما يذِّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته).[14].

ويبين الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله السر التربوي في تسبيق السمع على البصر في هذه الآية وفي غيرها من الآيات: ( يُذكر السمع في القرآن قبل البصر، لأن حاسة الإبصار وما يلتقطه البصر من صور العالم لا تحمل إلى العقل رسالة إلا عن العالم المرئي. لا يخبر البصر عما وراء المرئي ولا عن أصله، ولا عن معناه. لقاء بيان الرسول الموحَى إليه مع تلقي السمع للبيان. ذاك مجمع الإيمان، وبداية ترقي الإنسان عن حيوانيته. يترقى إن قبِل الحق من الشاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبقى مع شر الدواب إن أعرض. لا يُحسب مع العقلاء بالعقل الأصم عن قبول البيان، الأعمى البصيرة بما أطفأ دون قلبه أنوار الوحي. قال تعالى في سورة الأنفال: “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ”[15]، مومنون ومومنات قالوا: “سمعنا وأطعنا“، وكافرون وكافرات، ومنافقون ومنافقات قالوا: “سمعنا وعصينا”. الفرق بين السمع المنجي والآخر المهلك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم  واتباعه.[16].   

إن الصحابة رضوان الله عليهم من النساء والرجال – وهم جيل القرآن –  كانوا سريعي الاستجابة لكلام الله تعالى: “فهل نحن مثلهم؟ وهل نسعى أن نكون على أثرهم؟  بمعنى أنه ينبغي عندما تستمع أمة الرحمن إلى الآية تدرك بأنها تخاطبها، وعندما تسمع أمرا إلهيا في القرآن تعرف أنه يخصها، وعندما تستمع إلى القصص القرآني في سورة الفرقان وفي غيره من السور، تعرف أن الله تعالى لم يسقها للسمر، بل لأخذ العبر. و أية أمَة ابتغت التعلم ولم تبدأ بهذه الأمور، فأكيد أنها لن تصل إلى المعاني التي عاشها الصحابة رضوان الله عليهم. لهذا لابد لكي لا تكوني هاجرة للقرآن، وليكون القرآن ربيع قلبك وجلاء همومك وأحزانك، وذهاب غمك، مِن وضْع برنامج، والتعاون مع أخواتك المومنات عليه حتى تلقي الله، وإلا فلا حظ لك من القرآن، كما لاحظ لك من صفات إماء الرحمن، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (تتوب واحدة وتسمع أن الدعاء النبوي يكشف الهم ويذهب الحزن. فتقرأه تعويذة من التعاويذ، لا تتمعن فيه. الدعاء يُسأل الله به أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا. ما دامت التائبة تقرأ الدعاء وتهجر القرآن تلاوة وحفظا ووِرْدا يوميا فهي لم تخط الخطوات الضرورية ليكون القرآن ربيع قلبها. الخطوات التلاوة والحفظ والمداومة. ويذهب الحزن وينجلي الهم متى طرد ترتيل القرآن أشباح الظلام من القبر الخامد المنطفئ الأنوار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجعلوا بيوتكم مقابر. إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة”.[17].[18]، والبرنامج الذي يحافظ على الخطوات الواجب اتباعها لتكون كل مؤمنة من إماء وعباد الرحمن الذين لم يخروا صما وعميانا إذا ذكروا بآياته سبحانه وتعالى، هو كالتالي:

1 – تلاوة القرآن: أن تبدئي برنامجك اليومي بالمداومة على تلاوة القرآن، وأن تجعلي لك وردا يوميا لا تنامي عنه في السفر والحضر، ووقت الراحة ووقت العمل، يقول الإمام المجدد عبد السلام رحمه الله في كتابه تنوير المؤمنات: (عاشت عُمْرا ما فتحت المصحف! ما تطهرت يوما لتمسكه بيدها وتقرأ فيه آية! هجرت كتاب ربها وقرأت روايات الغرام، وقصص الخيال، ورنت آناء الليل وأطراف النهار إلى صور التلفزيون وعهارة تتسلل من الهوائيات. هل سمِعت الغافلة وسط ضوضاء العالم أن لها ربا اعتنى بخلقه، وبعث إليهم رُسلا، وأتم نعمته على من استجاب لدعوته من العباد برسالة؟ من قرأ هذه الرسالة؟ من فتح دِفّة هذا الكتاب؟ شمعة أطفأتها الرياح الهُوجُ تهب على النفوس الخابية من ذات الشيطان الموسوس في الصدور، ومن ذات الشيطان المتحضر، المتبرج بزينة الدنيا. تهرب البائسة الغافلة عن هم الآخرة بهم الدنيا إلى صور مجتمعات الاكتظاظ لتحظَى بساعة أحلام استهلاكية. وتلك البائسة الأخرى المترفة في زينتها وثقافته وفلسفتها المادية شغلها عن قراءة رسالة ربها قراءة المجلات الورقية الصقيلة والأخرى عابرة القارات على جناح الأثير. جدب أنى له أن يصبح القرآن ربيع قلبه! وانطفاء ما له من نور إن وضع المصحف على الرف!… أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتلوَ القرآن وأن يخبرنا بذلك لنتلُوَ القرآن فيصحَّ إسلامنا: “وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ”[19]… أفضل التلاوة ما كان في الصلاة فرضا، ثم نفلا في جوف الليل )[20].

2 – الالتزام بآداب التلاوة: إتقانا للطهارة أولا، وإتقانا لمخارج الحروف ثانيا، وتعظيمه ثالثا بالوقوف عند آياته، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله:(وللتلاوة آداب مفروضة هي الطهارة التامة. والترتيل والتجويد والتغني بالقرآن وتحسينه بالصوت من المكملات. وعلى المومنات أنْ يتعلمن مخارج الحروف وأصوات الأداء كما حققها علماء القراءات الذين لولا نعمة الله عليهم بخدمة القرآن لتحول لساننا أعجميا ألْكنَ. جزاهم الله عنا خيرا. إن القرآن الكريم كتاب الله فينا، كتاب هُدى ويقين، ونور، وحكمة، وتبيان، وتعليم، وبشارة، ونذارة، وتشريع، وبركة. هو حبل الله فينا. من آداب تلاوته وترتيله نبدأ. ثم نعظم كلام الله ونستحضر كلام مَن هو، ونقف مع آيات الوعد والوعيد، وننصرف بالكلية إليه تاركين الوساوس الدنيوية، ونتدبر آيات خاطبت العقل، وأخرى توجهت إلى العاطفة، وأخرى ضربت الأمثال، وأخرى قصت أحسن القصص، وأخرى شرعت حدود الله، وأخرى حذرت من معاصي الله، وأخرى حملتنا إلى الآخرة لنشاهد نعيم الجنة وعذاب النار وهول الموقف. كل ذلك يا نفسُ موجَّهٌ إليكِ، أنتِ المعنية به لا غيرُكِ. وهو سبحانه أقرب إليكِ من حبل الوريد).[21]

3 – المحافظة على تلاوة السور والآيات الفضليات يوميا والسعي لحفظها:  قال الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: (وجاءت أحاديث أخرى عن سور وآيات تتفاوت درجات صحة روايتها. الذي يحصل لنا أن في القرآن الكريم، وكله نور، سورا وآيات فضليات تحرص المومنة على حفظهن وتلاوتهن يوميا، التماسا لبركتهن، وتقربا بهن إلى المولى الكريم. فما ناجته أمة أو عبد بمثل كلامه المقدس).[22]، ويقول رحمه الله تعالى: (تأخذ المومنات ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يخصص هذه السورة وذلك الدعاء، يستشفين به من الأسقام النفسية، فما مثل القرآن والذكر شفاء لما في الصدور، وجلاء لهموم الدين. يأخذن عنه صلى الله عليه وسلم النصائح التي تكشف عن أنوار بعض السور والآيات ليجعلنها في مكان الأسبقية في الحفظ والاستظهار والتلاوة، طالبات بذلك عطاء الله كاملا، وجزاءه مُوَفّىً شاملا. أجزل عطائه سبحانه وأوفى نِعمه وأشملُها عافية القلب من عاهاته).[23].

4 – السعي لحفظ القرآن كله وتعهده: يقول الإمام رحمه الله تعالى: (وأمرنا صلى الله عليه وسلم بحفظه وتعهده لكيلا ننساه فيصِحّ علينا قوله تعالى لمن نسي آيات الله: “كذلك أتتك آياتنا فنسيتها. وكذلك اليوم تُنسى “.[24]، روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تعاهدوا هذا القرآن. فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبِلِ في عُقُلها“.، وشجعنا صلى الله عليه وسلم على حفظه واستظهاره، ووعدنا على ذلك الوعود الكبرى. قال: “الماهر بالقرآن معَ السَّفَرةِ الكرام البررة. والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران”. رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها. وروى الترمذي بسند صحيح عن الإمام علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ القرآن فاستظهره، فأحل حلاله، وحرم حرامه، أدخله الله به الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار”. وصية بتعاهده تُفهِم أن الأصل أن يحفظ المسلمون كتاب ربهم. ثم هذا الجزاء الكريم للحافظ وأهل بيته).[25].

5 – السعي لإنشاء مدارس قرآنية متنقلة عبر الأجيال: من الأخطاء الذي تقع فيها بعض المؤمنات والمؤمنين على السواء، السعي للانخراط في مدارس حفظ القرآن، وإهمال أبنائهن وبناتهن وحرمانهم من هذا الخير العظيم، فعلمي ابنك القرآن، وسيعلمه القرآن كل شيء، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: (في المجتمع المسلم يكون القرآن محور تربية الأطفال، ومرجع علم اليافعين، وجنة إيمان المسلمات والمسلمين. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”.[26]، ويكتسب البيت تجتمع فيه المومنات ويرابطن على التلاوة والدرس معنىً من معاني بيوت الله. فكرم الله واسع، والسكينة والرحمة وحفوف الملائكة مما يتفضل به سبحانه على عباده المومنين وإمائه المومنات، أولئك في المسجد، وهؤلاء في مسجدهن وهو بيتهن).[27].

الخاتمة

وبالالتزام بهذه التوجيهات من عالم رباني مربي، نكون إن شاء من جيل القرآن، ومن أهل الله وخاصته، يقول الإمام المربي عبد السلام ياسين رحمه الله: (جاء عند الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم بسند حسن، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أهل القرآن أهل الله وخاصته“. هل لله تعالى من العباد المومنين والمومنات خاصة اصطفاهم وقربهم؟ نعم، هم الأخيار وأخيار الأخيار المتمسكين بالعروة الوثقى، المرتلين القائمين التالين العاملين بما في القرآن، المتعلمين منه، المعلمين له. عند الإمام البخاري عن مولانا عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”).[28]

الهوامش

[1] [سورة الفرقان، الآية 73].

[2] [ كتاب تفسير روائع البيان لمعاني القرآن، لأيمن عبد العزيز جبر، دار الأرقم – عمان].

[3] [ سورة الفرقان، الآية1].

[4] [سورة الفرقان، الآية 43 – 44].

[5] [سورة الملك، الآية 14].

[6][ سورة النازعات، الآيات: 37-41].

[7] [سورة الفرقان، الآيتان: 75-76.].

[8] [تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، مطبوعات الأفق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، المغرب (1/ 11].

[9] [سورة الفرقان، الآية 60].

[10] [تنوير المؤمنات، ج1/ 13 و 14].

[11][سورة الفرقان، الآية 77].

[12][سورة الفرقان، الآية 73].

[13][سورة الفرقان، الآية: 74].

[14] [جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى : 310هـ)، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ، 1420 هـ – 2000 م (19/ 316)].

[15][سورة الأنفال، الآيتان: 22-23].

[16] [تنوير المؤمنات (1/ 195)].

[17] [رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

[18] [تنوير المؤمنات، للإمام عبد السلام ياسين، ج1/361].

[19] [.(سورة النمل، من الآيتين: 91- 92)].

[20] [تنوير المؤمنات ج1/ 360 – 363].

[21] [تنوير المؤمنات ج1/   363-364].

[22] [تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، ج1/360].

[23] [تنوير المؤمنات، عبد السلام ياسين، ج1/ 359].

[24] [(سورة طه، الآية: 124)].

[25] [تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، ج1/361 – 362].

[26] [رواه مسلم.].

[27] [تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، ج1/ 362 – 363].

[28] [تنوير المؤمنات، الإمام عبد السلام ياسين، ج1/ 362].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: