الإعجاز التشريعي في فريضة الزكاة

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَواتك سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103

لم يسجل تاريخ الاقتصاد نجاح تشريع مالي وتفوقه في تحقيق التوازن، وتوفير الحاجات الأساسية، ومواكبتها، والتدرج بالمجتمع نحو تحقيق الرفاه الجماعي مثل ما حققه تشريع الزكاة، ولا يجد الباحث حرجا وهو يتناول التشريع الرباني في هذه الفريضة إذا جزم بأن هذا التشريع صالح لكل زمان ومكان، وأنه جزء من شريعة الإسلام الخالدة.

وتتمة للبيان وتكملة للبرهان في مجال الإعجاز التشريعي في فريضة الزكاة، نتناول أوجه ومظاهر الإعجاز التالية:

1 ـ الزكاة معجزة من حيث توفيرها لحاجات أساسية ومتطورة.

2 ـ الزكاة معجزة من حيث آثارها الاقتصادية.

3 ـ الزكاة معجزة من حيث صلاح تشريعاتها لكل زمان ومكان.

1-الزكاة معجزة من حيث توفيرها لحاجات أساسية ومتطورة.

تتطور حياة الأفراد داخل المجتمع وتتطور معها حاجاتهم، فما كان من الضروريات في مجتمع سابق قد لا تكون حاجة الفقير إليه في مجتمع لاحق بقدر حاجته لغيره من السلع أو الخدمات. ويبرز وجه الإعجاز في فريضة الزكاة أنها تتكفل بتغطية الحاجات

 الأساسية للفرد داخل المجتمع الإسلامي في كل عصر، ومما يتأكد من خلال تأمل مقاصد هذه الفريضة أنه لا يوجد دليل شرعي يجعلها تقف دائما عند حدود تلبية الضروريات الأساسية، وإنما تتطور الزكاة في تلبيتها للحاجات مع تطور المجتمع وازدياد إمكانياته. فقد توجه إلى الإعانة على التعليم والبحث، وقد توجه إلى الإعانة على الزواج، وقد تتكفل بشراء آلات لأصحاب الحرف المعوزين. كما أن الزكاة يمكن صرفها عند الاكتفاء خارج حدود الوطن لسد حاجة المسلمين في مواطن أخرى.

وبهذا يمكن القول بأن الزكاة يتحقق إعجازها في هذا السياق من خلال مواكبتها لحاجات أفراد المجتمع التي قد يفرضها التطور والتي قد تتجاوز المأكل والمشرب والمسكن إلى غيرها. ولا مانع لدى الفقهاء أن تعطى الزكاة للرجل بما يغطي إنفاقه ولو كان له خادم يقوم عليه أو دابة يستخدمها .

2–الزكاة معجزة من حيث آثارها الاقتصادية.

هل يمكن للزكاة أن تنهض بالناس من حال الفقر والكفاف إلى حال الكفاية والغنى

فتحقق بذلك ما عجزت التشريعات الوضعية تحقيقه ؟

يروي عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بإسناد جيد قال: “إنما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً، ثلاثين شهرا، لا والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون للفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده فيرجع بماله؛ قد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس” 1.

إن هذا النموذج الذي تحقق في تاريخ الإسلام يؤكد ما للزكاة من آثار اقتصادية كبيرة، ونتائج حقيقية وملموسة داخل المجتمع، ومن تجليات ذلك عمليا نذكر:

  • أن للزكاة آثارا إيجابية على إعادة توزيع الدخل والثروة. فهي تقلص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتجعل للفقير نصيبا من ثروة المجتمع قد يكون سببا ينقذه من فقره.
  • للزكاة أثر كبير في التنمية الاقتصادية من خلال رفع القدرة الشرائية للمواطن، وزيادة الطلب على السلع الإنتاجية، وبالتالي تتحرك عجلة الاقتصاد بما يحقق التنمية التي يحصد نتائجها كل فئات المجتمع.
  • تحقق الزكاة التنمية الاقتصادية من خلال إمكانية استثمار بعض أموالها في مشاريع تنموية مباشرة تشغل اليد العاملة، ويرجع عائدها لبيت مال الزكاة.
  • لا مانع من صرف أموال الزكاة في التعليم ودعم التقدم التقني والصناعي فكلها مجالات تستوعبها مصارف الزكاة، ولها الأثر الكبير في تحقيق التنمية الاقتصادية
  • الزكاة تعيد لفئات عريضة من المجتمع دورها في الإنتاج من خلال توجيه بعض مصارفها للأزمات الاقتصادية التي تحل ببعض أفراد المجتمع. كما في مصرف الغارمين.
  • الزكاة تشريع ناجح لمحاربة معظلة الفقر، والتي فشلت الكثير من السياسات الاقتصادية في الحد منها فما بالك بالقضاء عليها.

3-الزكاة معجزة من حيث صلاح تشريعاتها لكل زمان ومكان.

إن ما سبقت الإشارة إليه مما انفردت بها الأحكام المنظمة لفريضة الزكاة. كخاصية الشمول والقدرة على استيعاب كل مظاهر الحاجة المتجددة، والقدرة على مواجهة الضمان الاجتماعي.كلها عناصر تؤكد مما لا يدع مجالا للشك صلاح تشريعات الزكاة لكل زمان ومكان. وهذا المظهر من مظاهر الإعجاز يتفرع عن خاصية عامة للشريعة الإسلامية عموما. فهي شريعة الله الذي علم ما كان وما سيكون وما يصلح للعباد في العاجل والآجل. وصدق الله ومن أحسن من الله قيلا. قال سبحانه: ” ما فرطنا في الكتاب من شيء. ” الأنعام. 38.

وشاءت حكمته سبحانه أن يجعل شريعته قابلة للتجديد تستوعب ما يستجد ويفرزه التطور في حياة الناس.

وباستقراء التاريخ الإسلامي نجد أن الزكاة كان لها الدور البالغ الأهمية في المجتمع واستطاعت في بعض العصور الوفاء بكل مظاهر الحاجة والقضاء على الفقر.

وقد أدركت الكثير من الدول الإسلامية أهمية مؤسسة الزكاة فسارعت بعد التحرر من الاستعمار إلى تشريع ما ينظمها من قوانين. ومن هذه التشريعات.

  • قانون الزكاة الأردني. الصادر سنة 1944 والذي تبعته قوانين أخرى تعدله آخرها قانون 1988.
  • قانون الزكاة بالمملكة العربية السعودية سنة 1950
  • القانون المؤسس لصندوق الزكاة بالبحرين سنة 1979
  • قانون الزكاة في باكستان والذي يعود تأسيسه إلى سنة 1980
  • قانون صندوق الزكاة بدولة السودان سنة 1980 والذي عدل بموجب قانون صدر سنة 1984 أصبح معه آداء الزكاة إلزاميا.

كذلك يمكن الحديث هنا عن دولة مصر وتجربتها التي انطلقت مع تأسيس بنك ناصر الاجتماعي.

وإذا كانت هذه التجارب تختلف تشريعاتها من دولة لأخرى. فإن القاسم المشترك بينها ما تحققه مؤسسة الزكاة من تنمية اقتصادية وآثار اجتماعية حسنة.

وهذا يدفعنا إلى القول بأن الدول التي تتردد أو تمتنع عن التمكين لمؤسسة الزكاة تشريعيا في قوانينها تفوت عن نفسها فرصا حقيقية في التنمية. كما تحرم فئات عريضة من مواطنيها من موارد رزق تنقدهم من الفقر والحاجة.

وتبقى مشاريع التنمية البشرية، ومحاربة الهشاشة، وتنمية العالم القروي، وغيرها مجرد شعارات لا صدى لها ولا أثر إن لم ينخرط في ترجمتها واقعيا أغنياء المجتمع بدفع زكاة أموالهم طواعية أو جبرا.

ولا يتحقق ذلك إلا بالتمكين لمؤسسة الزكاة داخل المجتمع.

وسعيا لهذا التمكين لا مناص من إبراز إعجاز تشريع الزكاة في أوجه أخرى ييسر الكريم المنان بحثها.

1 ـ المعرفة والتاريخ جـ1 ص333 لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي دار الكتب العلمية – بيروت،

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: