أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الزكاة

الإعجاز لغة: إثبات العجز وعدم القدرة على الشيء. قال الراغب الأصفهاني: أعجزت فلان وعجزته. أي جعلته عاجزا، وإعجاز التشريع القرآني معناه عجز الخلق على الإتيان بمثله ومضاهاته في أحكامه وسبقه في تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل.

قال تعالى: ” قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ” 88 الإسراء.

لعل هذه الآية الكريمة أصل في إثبات تحدي التشريع الرباني للإنس والجن، واستمرار هذا التحدي في الزمان مرتبط بخلود القرآن الكريم وصلاح تشريعاته لكل زمان ومكان، فالتحدي قائم، والإعجاز حاصل. مهما تعاقبت الأجيال واختلفت العصور، ومسؤولية أهل العلم في كل زمان تنبيه الناس إلى مظاهر هذا الإعجاز في كل المجالات قطعا لدابر الشك وتوثيقا لعرى اليقين، وإبرازا لشموخ تعاليم هذا الدين في أحكامه وتشريعاته.

فإذا كانت شريعة الإسلام ساطعة مشرقة، فإن أهل العلم من المنتسبين لها مرآة تعكس وجهها المشرق ومحاسنها التي لا تنتهي.

ولعل أهم المجالات التي يمكن للباحث إبراز إعجاز تشريعات الإسلام فيها وإظهار تفوقها عن القوانين والتشريعات الوضعية مجال النظام المالي. ونختار في هذا البحث المتواضع أهم عناصره – الزكاة – محاولين قدر المستطاع بيان أوجه إعجازها من خلال العناصر التالية:

  1. الزكاة معجزة في إيراداتها ونفقاتها.
  2. الزكاة معجزة من حيث تحقيقها للتكافل الاجتماعي.

1. الزكاة معجزة في إيراداتها ومصارفها .

أ. الزكاة معجزة في إيراداتها.

حدد القرآن الكريم مصارف الزكاة تحديدا دقيقا رفع خلاف العلماء والمجتهدين في الأصناف المستحقة للزكاة والمحددة في ثمانية أصناف. لكنه وفي موضوع إيرادات الزكاة فإن الأموال التي تجب فيها الزكاة لم تحدد على النحو الذي حددت به مصارفها وإنما حددت في إطار قاعدة عامة أقرها الفقهاء مفادها:”أن الزكاة تجب في كل مال نام “، والمال النامي هو المال القابل للاستثمار والزيادة، سواء أكان مستثمرا حقيقة أم حكما، وسواء كان ينمو بنفسه ويتكاثر (كالحيوانات ) أو بالعمل عليه.

لعل تحديد الأموال الخاضعة للزكاة وفقا لهذه القاعدة يجعل أموال الزكاة تتسع لتشمل كل أنواع الأموال والأنشطة الاقتصادية المستحدثة في الواقع. كما أن الأموال تتعلق بالدخل والثروة التي تتعدد مواردها والأنشطة المذرة لها، ولو تحددت أموال الزكاة في أنواع محددة دون غيرها لعجزت الزكاة عن استيعاب ما يستجد من دخول وثروات.

وبتعميم القاعد في الأموال كلها يتأكد إعجاز الزكاة من حيث إيراداتها التي لا يمكن أن يستثنى منها إلا ما لم يبلغ النصاب من المال، أو ما لم يتحقق في أصله عنصر النماء. وحتى الأموال التي لم يأخذ الرسول عليه السلام الزكاة من أصولها كالخضروات. فالزكاة تؤخذ من عائدها المالي إن بلغ النصاب.

ب – الزكاة معجزة من حيث مصارفها.

من عدالة التشريع الإلهي أنه حسم أمر المستحقين للزكاة، حيث تولى سبحانه تحديدهم في ثمانية أصناف. شملتهم الآية 60 من سورة التوبة. قال تعالى: ” إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.

مصارف الزكاة محددة تحديدا قطعيا لا يمكن معه لخلاف الفقهاء أو المجتهدين أن يمتد لإضافة فئة جديدة لهذه الأصناف، ولكن الخلاف بينهم في هذا الباب يتعلق بمن يدخل في كل صنف أو مصرف، هذا الخلاف جعل كل صنف من هذه الأصناف يتسع لمفرداته الداخلة فيه. مما يجعل الأصناف الثمانية المحددة في الآية تشمل كل مظاهر الضعف والاحتياج في المجتمع، وقد أثبت التاريخ استيعاب فريضة الزكاة كل صور الحاجة التي عرفتها الإنسانية قديما وحديثا.

من هنا يتبين إعجاز فريضة الزكاة في شمولها كل أصناف الاحتياج داخل المجتمع. لكن الإشكال الذي يطرح من وجهة أخرى يتعلق بمدى كفاية الزكاة لسد كل المظاهر والصور المتعددة للحاجة الإنسانية. هذا ما نحاول ابرازه في العنصر الموالي والمتعلق بإبراز إعجاز الزكاة من حيث تحقيقها للتكافل الاجتماعي.

2 – إعجاز الزكاة من حيث تحقيقها للتكافل الاجتماعي.

هل تحقق الزكاة التكافل الاجتماعي المنشود حقيقية. أم أن الأمر مجرد ادعاء مندفع بالعاطفة والحماس ؟

الواقع أن الزكاة قادرة على تحقيق أسمى مظاهر التكافل الاجتماعي ونؤكد ذلك من خلال العناصر التالية:

  •  استيعابها لكل أصناف الحاجة داخل المجتمع، ولا يمكن أن يعجز أهل العلم الاجتهاد عن إلحاق مظهر من مظاهر الحاجة بصنف من الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة، والتي حددتها الآية الكريمة.

فإذا استثنينا صنف: العاملون عليها. الذين يأخذون من الزكاة أجرة عملهم. وصنف: المؤلفة قلوبهم. الذين يعطى لهم من الزكاة لأهداف قد تخرج عن هدف التكافل. نجد كل الأصناف المتبقية تدخل في باب التكافل الاجتماعي، وبتأملها نجدها تلبي الحاجات الإنسانية التالية:

  • الحاجة بسبب الفقر: الفقير والمسكين.
  • الحاجة بسبب الأسر أو الاستعباد: في الرقاب.
  • الحاجة بسبب الظروف الطارئة: الغارمون وابن السبيل.
  • الحاجة بسبب الانقطاع للجهاد في سبيل الله.

إذا أمعنا النظر في هذه المجموعات الأربع يتأكد لدينا أنها تشمل كل جوانب الحاجة الإنسانية التي تبرر تشريعات التكافل الاجتماعي في كل عصر.

  • تتحقق خاصية الشمول في هذه الفريضة من عدة أوجه مما يتأكد معه قدرتها على تحقيق التضامن ومن ذلك:
  • شمولها من جهة من تجب عليه. حيث تجب على كل الأفراد الذين بلغ مالهم النصاب الذي تجب فيه الزكاة سواء كانوا مكلفين أم غير مكلفين. فهي تجب على الصبي وعلى المجنون وغيرهم مما لم يتوفر فيه شرط التكليف. حيث ينظر إلى توفر النصاب في ماله. والمعتمد هنا الاتجاه الفقهي الذي أخذ بالتوسعة على الفقير وتحقيق مقصد الزكاة في التكافل. وهو الرأي الذي المنسجم مع المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين. وهو ما أخذ به مجمع البحوث الإسلامية.( 1)
  • شمولها لكل أموال الشخص الواحد. ومعنى ذلك إذا توفر لشخص واحد موارد مالية متعددة. فإنه ملزم شرعا بآداء الزكاة في كل فرع من فروع موارده متى بلغ النصاب وفق الشروط التي بينتها الشريعة، ولا يسقط حق الزكاة عن مورد بآدائها في غيره.
  • شمولها فيما تجب فيه – الثروة والدخل – أو في كل مال نام حقيقة أو حكما.

محمد أبو زهرة – الزكاة – بحث منشور في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية. ( 1358ه-1965م ) ص148

  • شمولها من جانب من تصرف له. وقد سبق بيانه أيضا.

وفي موضوع كفاية الزكاة لتحقيق التضامن الاجتماعي بحث الفقهاء مقدار ما يعطى لكل صنف من الأصناف المستحقة لها، ومجمل آرائهم تتراوح بين حد الكفاية أو حد الغنى.

بمعنى هل نعطي الفقير مثلا أو المسكين أو ابن السبيل ما يكفيه أو ما يغنيه، وهل مقصد التكافل الاجتماعي تحقيق حد الكفاف أم الكفاية أم الإغناء ؟

والذي يبدو والله أعلم أن الأمر لا يمكن حسمه، ويترك تقديره لواقع الحال. فإذا كانت أموال الزكاة وافرة لا مانع من بلوغ حد الكفاية والإغناء، وإذا شحت أو نقصت أموال الزكاة يكتفى بحد الكفاف.

ومن أوجه الإعجاز في هذا الباب أن من بلغ به مال الزكاة حد الإغناء من المستحقين قد يلتحق بفئة دافعي الزكاة بحسن تنميتة للمال. أو عندما تحرره الزكاة من ثقل الديون أو تخلصه من أزمة مالية طارئة. وبذلك تنقذ الزكاة من وقع في فاقة أو عجز وتؤهله لممارسة دوره الإنتاجي في المجتمع. وتنجح في توسيع فئة دافعي الزكاة والتقليص من فئة المحتاجين.

هذه بعض مظاهر الإعجاز في فريضة الزكاة، ونحقق في مظاهر أخرى قريبا إن نسأ الله في العمر.

اظهر المزيد

حميد خالد

أستاذ التربية الإسلامية. ماستر في الدراسات الإسلامية بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: