منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أمثال المنافقين

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة الأمثال القرآنية 3 ــ أمثال المنافقين ــ

تقديم:

نظرا لخطورة المنافقين على جماعة المسلمين؛ كونهم يثبطون المجاهدين لا يألونهم خبالا، يوهنون صف المؤمنين، يتآمرون مع إخوانهم الشياطين. ونظرا لكون النفاق يفتك بالقلب المضغة التي بصلاحها صلاح الجسد والعمل وبفسادها فسادهما، فيورد صاحبه الدرك الأسفل من النار. نظرا لهذا كله تحدث الله تعالى في كثير من سور القرآن عن المنافقين محذرا منهم، واصفا لهم بأبلغ وصف، كاشفا خفاياهم، فاضحا مكرهم. وتحدث رسوله صلى الله عليه وسلم عن آياتهم وخصالهم، منبها المؤمنين أن يتصفوا بخصلة منها فتكون فيهم خصلة من النفاق أو يتصفوا بها كلها فيكون النفاق الخالص. وزيادة في التوضيح والبيان فقد وردت في شأنهم أمثال قرآنية ونبوية. وجب علينا تدبرها وفهمها، سيما والأمة تعيش زمن التمحيص والزيال، رحمة من ربك بين يدي نصر الله القريب إن شاء الله تعالى. ووجب على كل مؤمن ومؤمنة عرض نفسيهما عليها تشخيصا وتطبيبا. رضي الله عن سيدنا عمر ناشد حذيفة أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا من المنافقين؟ فقال: اللّهمّ لا، ولا أزكّي أحدا بعدك.

نقف هنا إن شاء الله تعالى مع أربعة أمثال قرآنية ومثالين نبويين نستكشف من خلالها أحوال المنافقين وأفعالهم.

المزيد من المشاركات
1 من 30

ــ المثال الأول والثاني: النفاق ظلمة وشك وحيرة:

قال تعالى في سورة البقرة: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ۚ والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ۚ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير} (البقرة 17ـ20).

كتاب الله نور وهدى، منه استمد المؤمنون نورهم، فهم مصدقون بالغيب موقنون به، يؤدون ما افترض عليهم ربهم فتطمئن قلوبهم ويزيدهم ربهم هدى ونورا. والكفار مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم يغشى أبصارهم ما يغشى من غشاوات الضلال والكفر. ظلمات بعضها فوق بعض. وبين المؤمنين والكفار صنف ثالث هم المنافقون أبصروا نور الله واستأنسوا به ثم نكصوا على أعقابهم في ظلمات الكفر وتردوا في دركات النفاق.

مهما تظاهر المنافقون بالسكينة وهم أئمة المظاهر وشيوخ الخداع فإن العليم الخبير المطلع على الأسرار والقلوب وصف حالتهم في هذا المثال أدق وصف، وصور ما يخالج نفوسهم أبلغ تصوير، وقدمهم للعالمين عراة مكشوفة سوءات قلوبهم مظلمة نفوسهم عالة يتكففون الناس. ما إن أبصروا النور حتى ذهب الله بنورهم كمن استوقد نارا ليستضيء بها فما إن استأنس بها حتى انطفأت، نور أضاء وانطفأ هو ما أظهروه من مظاهر الإسلام ليخدعوا المسلمين. وحيث إنها مظاهر لم يُرَد بها وجه الله لم تلبث أن تركتهم في الظلمة. ومع هذه الظلمة هم صم لا سمع لهم يهديهم في سوادها، بكم لا كلام لهم يسترشدون به غيرهم من أهل النور، عمي لا أبصار لهم، ظلمة ذاتية هي ظلمة قلوبهم المريضة وظلمة خارجية هي ظلمة الدنيا وفتنها.

جاء في تفسير ابن كثير: “وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه، شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد التبصرة إلى العمى، بمن استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع ذلك أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر”[1].

وفي المثال الثاني تأكيد لهذه الظلمة وزيادة توضيح فهم في ظلمتهم كمن هو في ليلة سوداء ممطرة، مرعدة، مومض برقها. بقدر خوفهم من صواعق التحذير وزواجر التنزيل بقدر التماسهم الطريق من نور الوحي، كمن يلتمس الطريق بضوء البرق واضعا أصبعيه في أذنيه حذرا من الموت.

يقول سيد قطب في الظلال: “إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء وصيب من السماء هاطل غزير” (فيه ظلمات ورعد وبرق)… (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون… إن الحركة التي تغمر المشهد كله من الصيب الهاطل، إلى الظلمات …لترسم حركة التيه والاضطراب والقلق والأرجحة التي يعيش فيها أولئك المنافقون. بين لقائهم للمؤمنين وعودتهم للشياطين…”[2]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

لا جرم إذن أن يبعثوا يوم القيامة في الظلمة يلتمسون النور من المؤمنين فيسخرون منهم كما سخروا هم في الدنيا. قال تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} ( الحديد 13 ).

ــ المثال الثالث: النفاق خوف وهلع:

 

قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} (سورة الأحزاب 19 )

الظلمة التي يعيشونها حقا توجب لهم الخوف الشديد. يزداد هذا الخوف في مواطن الشدة، وأوقات الجهاد. هلع وخوف لا يفارقهم وإن أعدوا كل أسباب الأمان، وإن تحصنوا في بروج مشيدة، وإن جندوا الجيوش تحميهم، لا يفارقهم ما داموا أعداء للحق وأهله موالين الشياطين. صور خوفهم هذا المثال الرائع في سورة الأحزاب في الآية الكريمة السابقة.

قال الشوكاني:” { كالذي يغشى عليه من الموت } أي كعين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه، فيذهل ويذهب عقله، ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف”[3].

يقول سيد قطب: “وهي صورة شاخصة واضحة الملامح متحركة الجوارح وهي في الوقت ذاته مضحكة تثير السخرية من هذا الصنف الجبان الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار”[4].

بسبب هذا الهلع تخلفوا عن الجهاد وبسببه استحلوا الكذب فلا يتحدثون إلا به فآية المنافق “إذا حدث كذب” إذ لا شجاعة عنده تمكنه من قول الصدق. قال تعالى: {يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} (التوبة ــ 62).

ــ المثال الرابع: النفاق تردد لا ثبات:

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة[5].

المنافقون لا يستقرون على حال فهم مع هؤلاء تارة ومع هؤلاء تارة أخرى كالشاة المترددة بين الغنمين كما قال تعالى: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هـؤلاء ولا إلى هـؤلاء} (النساء:143).

هم مع المسلمين يقسمون أنهم معهم {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} (التوبة ـ 56) {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} (البقرة ـ 14)

يحلفون كذبا أنهم سيجاهدون مع المسلمين لولا الأعذار: { وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } ( التوبة ـ 42 ) ويعدون اليهود بنصرتهم ولا يوفون: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} (الحشر ـ 11).

ــ المثال الخامس: النفاق مظاهر وقشور:

قال تعالى: {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة} (المنافقون 4).

يصف هذا المثل حسن أجسامهم وفصاحة كلامهم وهي مظاهر وصور لا تنفع ما دام القلب مريضا والجوهر خبيثا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم[6].

قال الزمخشري في الكشاف: “كان عبد الله بن أبي رجلا جسيما صبيحا، فصيحا، ذلق اللسان وقوم من المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن فكان النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم. فإن قلت ما معنى قوله { كأنهم خشب مسندة }؟ قلت شبهوا في استنادهم – وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير – بالخشب المسندة إلى الحائط ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع»[7].

وفي عصرنا حيث يمتلكون الإعلام والدعاية كلامهم أشد تأثيرا وأقوى جاذبية ومظاهرهم تخدع الناظرين. في عصرنا غزت المظاهر حياتنا وتبعثرت الأولويات وفعل إعلامهم فينا فعله. فما أحوجنا لأن نتعلم من القرآن فلا نخدع وما أحوجنا لأن نقتدي بالسنة فنحصن أعمالنا وأقوالنا من خصالهم. عن أنس قال كنا عند عمر رضي الله عنه فقال: “نهينا عن التكلف“.[8]

ــ المثال السادس: النفاق مكسور مقصوم ظهره:

عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمن كالخامة من الزرع، تفيئها الريح مرة، وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة، لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة”[9].

المؤمن معرض للابتلاء، صابر، محتسب، وهو مع هذا هين، لين، يألف ويؤلف، فطن، كيس، يحول المحن إلى منح. فلا يزال يطهر ويترقى ويؤجر حتى يلقى ربه. أما المنافق فمعاند، صلب، قلّ أن يبتلى، وإن ابتلي لا أجر له، حتى يأتيه أمر الله فيكسره مرة واحدة.

خاتمة:

ليس النفاق أفرادا مشتتين فيهون خطرهم. النفاق منذ ظهوره في المدينة المنورة عقب الهجرة النبوية، كان منظما، متكتلا. بل سعى إلى امتلاك المؤسسات التي يعمل من داخلها فلقد بنى المنافقون مسجد ضرار لولا التأييد الإلهي لنبيه بالغيب، فكشف الوحي المؤامرة وأمر بهدمه.

وهو في عصرنا أكثر تنظيما ويمتلك كل الإمكانات ويسيطر على جل المؤسسات. ساعده وهن المسلمين من الداخل ودعم الاستكبار من الخارج. صار أقوى من قبل وأخطر. مما أكسبه جرأة على الدين وعلى الناس فاستكبر وعلا علوا كبيرا. لكنه علو كعلو الأرزة مهما علت وعمرت يكون انجعافها مرة واحدة. (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).


الهوامش:

[1]  ـ تفسير القرآن العظيم ـ أبو الفداء إسماعيل بن كثير ـ دار الكتب العلمية ـ ط 1 ـ ج 1 ـ ص 96

[2]  ـ في ظلال القرآن الكريم ـ سيد قطب

[3]  ـ فتح القدير ـ محمد بن علي الشوكاني  ـ الناشر دار الكلم الطيب بيروت ـ ط 1 ـ ج 4 ـ ص 310

[4]  ـ في ظلا القرآن

[5]  ـ صحيح مسلم ـ كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ـ رقم الحديث 2784

[6]  ـصحيح مسلم ـ كتاب البر والصلة والآداب ـ رقم الحديث 2564

[7]  ـ تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل ـ أبو القاسم الزمخشري ـ دار الكتاب العربي ـ ط 3 ـ ج 4 ـ ص 540

[8]  ـ صحيح البخاري ـ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ـ رقم الحديث 7293

[9]  ـ صحيح البخاري ـ كتاب المرضى ـ باب ما جاء في كفارة المرض ـ رقم الحديث 5643

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.