الشباب في الغرب و قضية فلسطين
الشباب في الغرب و قضية فلسطين/ عبد الرحمان لبان
الشباب في الغرب و قضية فلسطين
عبد الرحمان لبان
ألهمت فلسطين الأبية كل الشرائح المجتمعية في كل دول العالم، و تربعت الفئة الشابة على عرش مناصرة أم قضايا عصرنا، أرض المسرى الأسير، الذي يعاني من حيف عنصري وإبادة جماعية يتعرض لها من هم بأكنافه الشريف، في مجازر لم يشهد لها مثيلا تاريخنا المعاصر، إذ انبرى لهذه القضية العادلة كل مخلص لإنسانيته، و مدافع عن حق الإنسان في حياة يعيش فيها سالما، و وطن يهنئ فيه آمنا،
كان الشباب عصب هذا الحراك الإنساني، و الماء الذي سقى تربته الطاهرة، طهارة القضية و أصحابها ، بعدما انتصرت للحق الفلسطيني الجموع المحتشدة في الساحات و الشوارع العامة، بنصرة شعبية عابرة للقارات أربكت حسابات الاستكبار العالمي الراعي التاريخي الصهيونية المتطرفة.
لم يترك الحقد الصهيوني للعقل السليم ذرة للتفكير السوي، نتيجة سلوكه السادي الذي رافق فعله على الأرض، منذ هجومه الغادر على أرض غزة المحاصرة، و ما تلاه من تواطئ مكشوف لكل الأنظمة الرسمية في العالم،1 على إبادة تحققت أركانها كاملة مدة سنتين كاملتين.
صمت حرك مياهه الآسنة خروج الجماهير الشعبية لشوارع العواصم و المدن، تنديدا بما يقع من مجازر، من أجل المطالبة بمحاكمة المشاركين في هذا التواطئ المكشوف، وفضح القتل الممنهج الذي يتم بكل وحشية، تحت غطاء و حماية دولة كبرى هي الولايات المتحدة الامريكية، التي تقود العالم بسرعة مجنونة نحو مجهول، ستصدم بمخرجاته المخالفة لكل توقعاتها خلال العشرية المقبلة، يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين” الواقع المر هو أن اسرائيل، الولاية الأمريكية الحادية والخمسون، تبقى المحور الواحد والوحيد الذي تدور وستدور حوله ، ولسنوات، استراتيجية القوة العالمية العظمى “2
لقد أثبتت وقائع و أحداث ما بعد طوفان الأقصى المجيد، و كشفت للعالم كله وجهين لعملة الواحدة عنوانها الدمار و القتل، تمثله دولة الولايات المتحدة و مدللتها “إسرائيل” .
من مقاعد الجامعات إلى رحاب الساحات
شكلت يقضة الشباب العالمية وقود هذه الاحتجاجات ، إيمانا من هذه الأجيال الجديدة بعدالة قضية الشعب الفلسطيني، و حقه في الاستقلال من الاحتلال الصهيوني، الذي اكتشف العالم -خاصة الفئة الشابة- أنه نظام ينتهج سياسة الأبارتايد العنصرية، التي هزت العالم خلال القرن الفائت، فكان مصيرها مزبلة التاريخ، بعدما أمعنت في الفصل العنصري بسبب بشرة اللون، و طبيعة العرق.
هاهو عالم اليوم يستيقظ شبابه على فاجعة صدمت العقل الجمعي بفعل فصل عنصري، هو أنكى وأشد، والسبب يرجع لطبيعة المعتقد هذه المرة، حيث يركن الصهاينة لدعوى الحق الإلهي لهم في أرض موعودة، مستندهم نصوص دينية محرفة، تمتح من عقول سادية تستعبد المخالفين لمعتقداتها، و تصادر حقهم في الحياة، تنزيلا لتلك النصوص التوراتية المزورة، يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين” ليست التوراة المتداولة سوى مجموعة من النقول والتقاليد الشفوية التي توارثتها الأجيال خلال عدة قرون بعد موسى عليه السلام قبل أن تدون، أما القرآن فقد كتب والنبي صلى الله عليه وسلم حي بين ظهراني أصحابه يملي عليهم ما أوحى ربه إليه.”3 كما أنه يوضح طبيعة هذه النصوص المحرفة، يقول رحمه الله تعالى”إنها خيالات مريضة تجسد في قصص ملحمية تمجد التعذيب والابادة.”4
إن ما نراه طيلة هذه الحرب الضروس التي أهلكت الحرث والزرع، في محرقة لم تبقي، ولم تدر، صدمت العقل الغربي الذي طالما تضامن مع “شتات” قيل عنه أنه تعرض لمحرقة النازيين، قبل أن يكتشف الجميع عدوانية منقطعة النظير، اصطلى بنارها شعب أعزل، لا يملك الا ايمانه وحقه في وجوده فوق أرضه و إيمانه فلسطين الحرة، التي أخرجت كل من ألقى السمع وهو شهيد إلى الساحات العامة، للمطالب بالوقف الفوري لهذه القذارة الصهيونية، التي لم تكترث للقيم الانسانية، وضربت القانون الإنساني عرض الحائط.
إن التحدي الذي رفعه الشباب أمام التبعات و العراقيل التي تنتظرهم كمناصرين لفلسطين، و غالبيتهم طلبة جامعات و معاهد عليا، مع تأثير ذلك على مسارهم الأكاديمي المهدد بالانقطاع من طرف إدارات جامعية تتبنى مجالسها السردية الإسرائيلية الصهيونية كاملة غير منقوصة، أو تقع تحت سلطة المانحين المتحكمين في سياسات تلك المعاهد، بالإضافة إلى الحواجز التي تحول دون التقدم أو الإرتباط المهني بكبريات الشركات العالمية في تخصصهم بعد إنهاء المسار الأكاديمي، حيث المنع المنتظر من طرف لوبي الشركات الاقتصادية الصهيو-امبريالية، إلا أن صوت النصرة في بعده الإنساني، كان صداه أقوى وأشد، أيقظ الضمائر الشابة، فحرك فيها كل قيم النبل و التضامن، عبر عنه طلبة أكبر الجامعات العالمية، بأشكال راقية، بعثت برسائل قوية لمن يهمه الأمر، لكنها قوبلت بالحديد والنار و الاعتقال، و ضرب الحصار حول قلاع علمية عريقة، في سابقة تاريخية بددت كل اوهام الحرية و الديمقراطية، التي ظلت لصيقة بسمعة تلك الجامعات والمعاهد، ليكتشف الشباب و العالم معه، الطبيعة الاقصائية للمتحكمين في إدارة و تسيير تلك الجامعات، بالانحياز الى سردية دموية تغازل قادة الاستكبار العالمي، الذي يقوده اليوم إنجليون متطرفون، يسيرون بالبشرية نحو صدام حضاري مجنون.
السرديات بين الحقيقة والتزوير
إن دخول الحركة الطلابية في الجامعات الأمريكية و الأوربية بالخصوص، ووقوفها التاريخي خلف القضية الفلسطينية، مع التبني الكامل للسردية الفلسطينية التي تسندها حقائق التاريخ و واقع الحال، يعد تغييرا عميقا في مسار الملف الفلسطيني، و ربحا لمعركة الشرعية الذي بدأت تخسره عدوة الشعوب الصهيونية الإسرائيلة، بانهيار صرحها الإعلامي الزائف المعتمد على الكذب وتزوير الحقائق، مع بداية حقيقية لتفتيت سردية حبلها السري مرتبط بمحرقة الإبادة التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين الألمان، يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين “و خلال الحرب العالمية الثانية، لجأ الناجون من المذبحة إلى فلسطين، وخلد الفن السابع أسطورة الهجرة عارضا على أنظار العالم المتباكي صورة اليهودي الناجي، ضحية الظلم الهمجي الذي مارسته أوربا النازية أو المواطئة للنازية”3 وقائع جعلتها الصهونية بمثابة الإبرة التي كانت توخز بها الضمير العالمي كل حين، ركوبا على فلك المظلومية التي تعرض لها “شعبها” آنذاك، يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين” هاهو ضمير أوربا الخارجة لتوها من الحرب ممزق، مثقل بالندم، بعد أن استدار القادة الصهاينة-الذين ثبتت مغازلهم للإدارة الهتلرية- ليهاجموا المنتصرين ويتهمونهم بمشاركة النازيين في تذبيح اليهود. أفلح الماكرون في ارتهان الضمير المعذب وأصبحت أوربا ملزمة بوضع أسس دولة يهودية في فلسطين لتخفيف الضغظ اليهودي على بلادها أولا وللتكفير عن خطيئتها ثانيا.”5
اليوم وقد شهد الشباب التجبر و القهر الصهيوني مع صلافة و جنون منقطع النظير، نرى كيف تخسر الصهيونية المارقة مستقبلها السياسي والسيادي معا، و تهدم بالمعول الذي تحمله بيدها تمثال معاداة السامية الذي جعلته صنما يعبد، حيث تدق المسمار في نعشها الذي يعد على مهل لدفنها الأبدي، لتنعم الإنسانية بروح الإخاء بعد رحيلها غير المأسوف عليه، و ترفل بعدها في رحاب التعاون، بعد قرون من الإثم والعدوان.
_________________________
1- بدأت كبريات دول العالم الآن تضغط على الكيان الصهيوني، من خلال الاعتراف بالدولة الفلسطينية في خطوة متعددة الأبعاد، منها إيقاف الحرب، مع التهيء لذلك بترتيبات موازية لخنق ضمير الشعب الفلسطيني مقاومته الباسلة عبر نزع سلاحها وشرعيتها.
2-ياسين، عبدالسلام، كتاب الإسلام والحداثة ، مطبوعات الهلال، الطبعة الأولى ص 20
3- المصدر نفسه، ص 143
4- المصدر نفسه، ص 143
5-المصظر نفسه، ص 125