“المظاهرات الشبابية والفراغ السياسي
– كيف نقرأ ما حدث بصورة شاملة؟”
بقلم: عدنان حودة
شهد المغرب يومي 27 و28 شتنبر 2025 موجة احتجاجية شبابية واسعة، عبّرت عن رفض شريحة كبيرة من الشباب للسياسات العامة، وسعت إلى المطالبة بإصلاح التعليم والصحة وتحسين مستوى الخدمات الأساسية. تعكس هذه المظاهرات أزمة بنيوية في العلاقة بين الشباب والدولة، وتوضح هشاشة الخطاب السياسي الرسمي واعتماد الدولة على المقاربة الأمنية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الظاهرة بمنهج متعدد التخصصات يجمع بين الفلسفة السياسية، علم الاجتماع، العلوم السياسية، والقانون، لتقديم قراءة شاملة لأبعاد المظاهرات وأسبابها، ودور الدولة والمجتمع في هذه الأزمة، وآفاق الإصلاح المحتملة.
تُعد مظاهرات 27 و28 شتنبر 2025 حدثاً فارقاً في المشهد الاجتماعي والسياسي المغربي، ليس فقط بسبب حجمها، بل بسبب دلالاتها العميقة على أزمة التمثيل السياسي وفقدان الثقة بين الدولة والشباب. فالاحتجاجات الشبابية اليوم لا تعكس مجرد مطالب محدودة، بل تعكس شعوراً جماعياً بالإقصاء والتهميش، وانعدام الفاعلية المؤسساتية في تلبية الاحتياجات الأساسية.
ولأننا نتناول موضوعا ليس بالسهل، فإننا في تحليل هذه الموجة الاحتجاجية يتطلب دمج أدوات معرفية من تخصصات متعددة؛ كالعلوم السياسية لتحليل الشرعية، السياسات العمومية، وأثر المقاربة الأمنية على الحراك الاجتماعي. وأيضا علم الاجتماع لدراسة ديناميات الشباب كفاعل اجتماعي، دور الفضاء الرقمي في التعبئة، وأثر الإقصاء الرمزي على تحفيز الاحتجاجات. إضافة إلى الفلسفة السياسية لفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع من منظور العقد الاجتماعي، السلطة والعنف، والخطاب التواصلي. ثم العلوم القانونية لفهم حدود الحرية في الاحتجاج، والتناقض بين نصوص الحق في التعبير والتنفيذ العملي.
ولبسط أرضية لأفكار هذه المقالة فإننا سنتمحور حول الإشكالية الأساسية؛ إلى أي حد تعكس مظاهرات الشباب أزمة الشرعية في المغرب، وكيف تؤثر المقاربة الأمنية والخطاب السياسي الرسمي على مسار هذه الاحتجاجات؟
ثم نتفرع بعدها إلى أسئلة بحثية مفادها:
1. ما الأسباب الاجتماعية والسياسية التي دفعت الشباب إلى الاحتجاج بشكل غير مؤطر؟
2. كيف يسهم الفراغ في الخطاب الرسمي في استمرار فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع؟
3. ما تأثير المقاربة الأمنية على تصاعد الاحتجاجات؟
4. كيف يمكن للقانون حماية الحق في الاحتجاج وضمانه كآلية للتغيير الاجتماعي؟
ننطلق أولا من بديهيات عدة تفرض علينا الإطار العام للنقاش، وإلا فإننا نكون في بعد عن السياق الواقعي، حيث أن المظاهرات تعكس أزمة شرعية مزدوجة بين المؤسسات الرسمية والشباب، وبين المؤسسات الوسيطة والمجتمع المدني. كما أن غياب آليات الوساطة السياسية يؤدي إلى لجوء الشباب للاحتجاج المباشر، ما يزيد من هشاشة الفعل الاحتجاجي. وأخيرا، إن النظام المغربي يعتمد المقاربة الأمنية، مما يفاقم التوترات ويؤدي إلى تصعيد الاحتجاجات بدل احتوائها.
ونزيد أن دراستنا تعتمد على المنهج التحليلي النصي والمقارن، مع تحليل التصريحات الرسمية، الشعارات الاحتجاجية، والسياسات المتبعة من الدولة. كما تم ربط الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية بمفاهيم فلسفية ونظريات علم الاجتماع والعلوم السياسية، لاستنتاج دلالات هذه الموجة الاحتجاجية وأبعادها البنيوية، لضمان أفضل نتيجة تحلل لنا فهم الواقع بالمنظور المناسب، واتخاذ الوضوح أسلوبا للحوار.
أولاً: أزمة التمثيل السياسي والشباب
إن الإحتجاج في نظري هو الفعل السياسي الوحيد الذي لا يتم عبر مؤسسات رسمية، كما يجعلها أصدق فعل سياسي نظرا لخلوها من اللغة الرسمية التي تُفهم على عدة أوجه، حيث المظاهرات تُظهر أن الشباب المغربي يعاني من أزمة تمثيل سياسي حقيقية. الأحزاب والنقابات لم تعد قادرة على أداء دور الوسيط بين المواطن والدولة. من منظور هابرماس، يوضح هذا فقدان فضاء عمومي تواصلي، حيث تتراجع قنوات الحوار وتغيب المؤسسات التي تمكن المواطنين من التأثير على صنع القرار.
من زاوية علم الاجتماع، يمكن تفسير أسباب الإحتجاجات الأخيرة بالإقصاء الرمزي، إذ أن هذا الشباب الذي ولد في التسعينيات وبداية الألفينيات، وُلد وهو محروم من حق البرلمان والقضاء وحتى حرية التعبير، فبات يشعر أن مؤسسات الدولة تحتكر السلطة والقرار السياسي، وأن مشاركتهم لا تؤثر على السياسات العامة. هذا الإقصاء يؤدي إلى ظهور فضاءات بديلة مثل المنصات الرقمية، التي تحولت إلى فضاء احتجاجي افتراضي، يمكّن الشباب من التعبير عن غضبهم، وإن كان هذا الفضاء محدود القوة والمؤسساتية، إلى أنه جعل نظام الدولة في حالة ارتباك، إذ أنه منذ سنوات قليلة ولأول مرة، اضطر للتعامل مع فضاء واسع لا ينتهي فضلا عن أنه افتراضي، وهذا ما غير قواعد اللعبة تماما، حيث سابقا كان أسهل للنظام أن يتحكم في حرية الرأي ضمن نطاق محدود قد لا يتجاوز مقالة أو جريدة، وكان أيضا له قدرة على تزييف الأخبار وكان أسهل عليه نشر البروباغندا في الإعلام الرسمي. لكن هذا النفوذ اختفى تماما بعد ظهور منصة افتراضية يتوسع فيها الشباب بقدر ما ضاقت عليهم الحرية السياسية قبلا.
ثانياً: الخطاب السياسي الفارغ وفقدان الشرعية
يعتمد الخطاب الرسمي على وعود عامة وشعارات بلا برامج تنفيذية ملموسة. ونظرية العقد الاجتماعي، فإن هذه الوعود تمثل “عقداً اجتماعياً غير ملزم”، يفقد قيمته إذا لم يترجم إلى سياسات فعلية. بمعنى أن علاقة الدولة بالشعب هي قائمة على تنازل الشعب للدولة، بشرط أن تقدم خدمات له، وهذا هو التعاقد، لكن متى ما امتنعت الدولة عن تقديم الخدمات سقط هذا التعاقد ويكون عدم التنازل رد فعل سياسي اتجاه هذا الإخلال، وإلا فإن الشعب يكون غير متوازن إذا ما تنازل عن حقه الطبيعي وخضع للدولة دون أن يتلقى خدمات في المقابل.
من منظور ماكس فيبر، يشير هذا إلى أزمة “الشرعية الأدائية”، إذ تتراجع مصداقية الدولة عندما يختفي الإنجاز الفعلي. بالمقابل، يظل خطاب الشباب محدود الأفق، إذ يفتقر إلى بدائل واضحة، ما يؤدي إلى فراغ مزدوج: فراغ في السلطة الرسمية وفراغ في البدائل الاحتجاجية، وهو ما يزيد من هشاشة النظام السياسي. فلا بد من مشروع واضح يقدمه الشباب المحتج إذا ما تم القضاء على الفساد الحاصل، وإلا فإننا سنقع في سؤال يقول “ماذا بعد؟” ولن تجيبنا إلا الفوضى عن هذا السؤال.
ثالثاً: المقاربة الأمنية وأثرها التصعيدي
على مر السنين، اعتمدت الدولة المقاربة الأمنية، عبر انتشار القوات وتفريق المظاهرات واعتقال بعض المشاركين. والضغط على الشباب وتقديم وسائل الإلهاء والترفيه، يمثل هذا نموذج من الرد يدعى “السلطة الانضباطية”، حيث يتم استخدام القوة للتحكم في حركات الأجساد وضبط المجتمع.
لكن هذه المقاربة غالباً ما تكون عكسية: حسب تشارلز تيلي، يؤدي القمع إلى تصعيد الاحتجاجات، إذ يشعر الشباب بأن الدولة تمنعهم من ممارسة حقهم المشروع في التعبير، وهذا ما جعلهم يحتجون من الأساس، وزياد الحرمان من هذه الحرية يعزز الغضب العام ويعيد إنتاج الاحتجاج في أشكال أكثر قوة وتنظيماً، حتى لو لم يظهر هذا مباشرة أو بسرعة.
رابعاً: الدستور المغربي والحق في الاحتجاج
ينص الدستور المغربي لسنة 2011 على الحق في الاحتجاج السلمي والتجمع السلمي، إذ تنص المادة 29 على أن “حرية التعبير والتجمع السلمي مكفولة للجميع، في حدود احترام النظام العام والقانون”. كما تكفل المادة 30 الحق في التجمهر وتكوين الجمعيات والانخراط فيها والمشاركة في النشاطات المدنية والسياسية ضمن القانون.
إلا أن القانون المغربي يضع قيوداً تنظيمية على ممارسة هذا الحق، حيث يتطلب تنظيم أي احتجاج أو تجمع الحصول على تصاريح مسبقة من السلطات المختصة وفق قانون التجمعات العامة (القانون رقم 03.03 المتعلق بالاحتجاجات والتجمعات العامة)، وذلك لضمان احترام الأمن العام والنظام العام. هذا يخلق في كثير من الأحيان تناقضاً بين النص الدستوري الذي يكفل الحق وبين التطبيق العملي الذي يقيده بشروط صارمة.
وفقاً لفلسفة القانون التي عرضها هانس كيلسن، فإن الدولة لا تتحقق إلا إذا التزمت بقواعدها القانونية، وأي تجاوز للحق في الاحتجاج السلمي لصالح الأمن يمثل انتهاكاً لمبدأ سيادة القانون (الفقرة الثانية من المادة 6 من الدستور التي تنص على أن “السيادة للقانون وهي أساس الدولة”).
يضعنا هذا أمام موضوع ثقيل يمكن أن نكون غير واصلين إلى مرحلة مناقشته وهو “هل نحن في دولة أصلا؟
هذا التناقض بين النظرية والتطبيق يضعف الشرعية القانونية ويزيد من شعور الشباب بالإقصاء، إذ يجدون أنفسهم محميين نظرياً، ومقيدين عملياً، ما يؤدي إلى فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها.
خامساً: الفجوة بين المطالب الشعبية والأجندة الرسمية
تكشف المظاهرات عن فجوة عميقة بين أولويات المواطنين وأجندة الدولة، حيث تركز الأخيرة على مشاريع بعيدة عن الحياة اليومية، بينما يطالب الشباب بإصلاح التعليم والصحة وتحسين الخدمات الأساسية.
يؤدي هذا التباين إلى حالة “الأنومي”، أي فقدان المعايير الاجتماعية، ما يترجم إلى غضب مستمر وحراك احتجاجي متكرر. كما يظهر أن الدولة تركز على مشاريع كبرى واجتماعية شكلية في وسائلها الإعلامية الصفراء، مقابل مطالب أساسية ومباشرة، ما يزيد من هشاشة الشرعية ويعزز ثقافة الاحتجاج كأداة ضغط مستمرة.
سادساً: آفاق الحراك وإمكانات الإصلاح
لمعالجة الأزمة، يجب اعتماد استراتيجية متعددة المستويات:
1. تحويل الوعود إلى سياسات ملموسة مع مؤشرات أداء واضحة.
2. فتح فضاءات حوارية حقيقية وفق الخطاب التواصلي وليس القائم على التلقي، لضمان مشاركة الشباب في صنع القرار.
3. حماية الحق في الاحتجاج ضمن إطار قانوني واضح، بعيداً عن القيود الأمنية المبالغ فيها.
4. إصلاح المؤسسات الوسيطة لضمان تمثيل فعّال للشباب، وتأطير مطالبهم بطريقة ديمقراطية.
من يقرأ المشهد السياسي في المغرب معتبرا الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب المغربي، سيرى أن المظاهرات الأخيرة كشفت عن أزمة شرعية مزدوجة بين الدولة والشباب وبين المؤسسات الوسيطة والمجتمع المدني. وأن الخطاب الرسمي غير قادر على استعادة الثقة، والحراك الشبابي محدود الأفق والبدائل العملية. وسيفهم أيضا أن المقاربة الأمنية لا تفعل شيئا سوى مفاقمة التوترات وتصعيد الاحتجاجات بدل احتوائها. و أن الفجوة بين المطالب الشعبية والأجندة الرسمية تؤدي إلى استمرار الاحتجاجات وعدم الاستقرار الاجتماعي.
أخيرا، إن مظاهرات 27 و28 شتنبر 2025 تمثل انعكاساً لأزمة بنيوية في النظام السياسي المغربي. فهي فضحت الفراغ في الخطاب السياسي الرسمي، هشاشة خطاب الشباب، وأثر المقاربة الأمنية على ديناميات الحراك.
الحل يتطلب إعادة بناء الشرعية السياسية، تعزيز دولة القانون، فتح حوار عمومي تشاركي، وضمان مشاركة الشباب في صنع القرار، وإصلاح المؤسسات الوسيطة. بدون هذا التحول، سيظل المغرب أسير دائرة مفرغة من الاحتجاجات والخطابات الفارغة، في علاقة مأزومة بين الدولة والمجتمع.
المراجع:
1. إيستون، دافيد. النظام السياسي والدورة الديناميكية للمطالب والمخرجات.
2. تيلي، تشارلز. الحركات الاجتماعية والسياسات القسرية.
3. بورديو، بيير. الإقصاء الرمزي والهيمنة الاجتماعية.
4. دوركايم، إميل. الأنومي والوظائف الاجتماعية.
5. روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي.
6. هابرماس، يورغن. نظرية الفعل التواصلي.
7. فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة.
8. فيبر، ماكس. السلطة والشرعية.
9. كيلسن، هانس. نظرية القانون والسيادة.
10. الدستور المغربي