منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشباب والهوس الإعلامي

الشباب والهوس الإعلامي/ أسماء العلمي

0

الشباب والهوس الإعلامي

بقلم: أسماء العلمي

لقد اجتاح الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي حياة الشباب بشكل غير مسبوق، فأصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، ومع ذلك، كان لهذا الغزو تأثيرات سلبية على نفسياتهم وسلوكياتهم وعاداتهم. لقد أصبح شباب اليوم، المعروف بجيل Z و Alpha، منغمسين في متابعة محتوى التفاهة والتسلية على منصات عديدة مثل التيك توك، الإنستغرام، الفايسبوك، واليوتيوب.

لقد بلغت التفاهة مداها وأصبحت هي السائدة في المنصات الرقمية، بينما خرج الإعلام من دوره التقليدي المتمثل في الترفيه والتثقيف ليأخذ دورا أعمق وأكثر خطورة يتمثل في السيطرة على عقل المشاهد والتحكم في أفكاره وسلوكه. ناهيك عن انتشار الرسائل التي تفسد الأخلاق والقيم، والصور النمطية التي تزخر بها وسائل الإعلام في شتى أشكالها. لقد عرف الأستاذ عبد السلام ياسين وسائل الإعلام على أنها “حبل يصلنا ببعضنا كما يصلنا بالجاهلية وصلا محكما مستمرا”1. وأضاف قائلا: “أن الإعلام كلمة يحملها إليك المذياع وصورة ناطقة في التلفاز وصفحة من صفحات الجريدة والمجلة والكتاب. دنيا الإعلام زاخرة بالأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لها سوق لا تبور، ولها أذواق ترضي كل غرور. إنها جماع الثقافة ومجمع نماذجها”2.

إن الإعلام سيف ذو حدين، وهذه حقيقة لا يمكن نفيها، فهو يسهم في البناء والتخريب في آن واحد، ومع ذلك، يبدو هذه المرة أن الكفة قد مالت في الوقت الراهن إلى الجانب السلبي، حيث أضحى الإعلام أداة تلبي جميع رغبات كل الفئات العمرية سواء كانت صغيرة أو كبيرة، مما أدى إلى ظاهرة الهوس الإعلامي لدى الشباب. ولهذا، يمكننا ملاحظة أن شباب اليوم أصبحوا يعانون من الهوس الإعلامي، حيث تحولت أنشطتهم وتفاعلاتهم من الواقع إلى العالم الافتراضي وصولا لدرجة الإدمان بسبب قضاء الساعات الطوال أمام شاشات الهواتف، متفاعلين مع مختلف المحتويات غير الهادفة، مما جعل معظمهم ينعزلون عن الواقع الحقيقي، وينغمسون بشكل مفرط في العالم الرقمي. ونتيجة لهذا، فقد أصبحت حياتهم متشابهة، يعكسون فيها أنماطا موحدة من السلوك، حيث يقلدون المشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

في هذا العصر الرقمي، لم يعد النجاح مرتبطا بالعمل الجاد أو السعي لتحقيق مراتب عليا، بل بات النجاح متعلقا بعدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت السعادة تعرض للعالم بشكل مصطنع، حيث يشارك الشباب أفراحهم وأحزانهم المزيفة مع جمهورهم الرقمي. وادعاء المثالية في كل شيء، خاصة فيما يتعلق بالمظهر والجمال. إضافة إلى الترويج لأنماط حياة فاخرة وغير واقعية، مما يدفع الشباب (المشاهدين) إلى تقليدها، وهذا ما سيؤدي في الأخير إلى عدم تقبل الواقع ومحاولة الهروب منه والسقوط في بئر المقارنة والإقصاء. ولا يمكننا أن نتغاضى عن الأفكار والمعتقدات الرهيبة التي يروج لها بعض المؤثرين والمشاهير تحت لواء الحرية، والاستقلالية، والتفتح (open-mindedness)، فهذه الأفكار تتسرب تدريجيا إلى عقول المشاهدين مثل السم المدسوس في العسل فلا يفطنون إلى خطورتها إلا بعد فوات الأوان.

لقد أسفر عن هذا التقليد الأعمى أثر كبير على أفكار الشباب ومعتقداتهم وسلوكياتهم، مما جعل الكثير منهم مهووسين بمشاركة حياتهم الخاصة مع المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، وانجرفوا مع هذا التيار الذي جعلهم يصورون كل تفاصيل حياتهم مهما كانت صغيرة أو تافهة، على سبيل المثال يصورون الأطعمة، والحيوانات، والأماكن، والملابس، وحتى الأغراض العادية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فالحياة التي يروج لها الإعلام الرقمي أصبحت مزيفة وسطحية بامتياز، ولا تمت للواقع الحقيقي بصلة، حيث أصبحت حياتهم عبارة عن تراندات (trends) وتحديات (challenges) لا طائل منها.

إلا أن التسويق الرقمي (digital marketing) كان له رأي آخر، حيث أنه استغل هذه البؤرة الافتراضية للترويج للعديد من البراندات والمنتجات التي قد تكون نوعيتها رديئة لكن ما دفع الكثير من المشاهدين لشرائها وتجربتها هو ثقتهم بالقدوات المشاهير والمؤثرين الذين يعرضون المنتج ويزعمون أنهم قاموا بتجربته وكانت له نتائج إيجابية غير متوقعة، مما أدى إلى خلق ثقافة الاستهلاك والمظاهر. إن هذا يثير تساؤلا حول كيف سنطرد من الإعلام الميوعة والانحلال والكذب، ليُسمع صوت الرجولة والجهاد3. والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو كيفية إعادة توجيه الشباب نحو استخدام وسائل الإعلام والتكنولوجيا بشكل مسؤول وبناء، والخروج من دائرة الاستهلاك إلى الإنتاجية والتطور.

يرى الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، أنه لا أحد يستطيع أن ينفلت من قبضة التهويد الإعلامي والانحلالي الإباحي، بغض النظر عن دينه، أو قارته، أو جنسه، أو عمره، أو توجهه السياسي، أو حتى مكانته الاجتماعية. فقد أضحت وسائل الإعلام أداة هائلة في أيدي القوى المهيمنة، حيث يتحكم صانعو وممولو وموزعو المحتوى الفاسد والخادش للحياء في تشكيل عقول المشاهدين وتوجيههم4. إلى درجة تجعل المرء يشعر بالخجل مما تقدمه الاشتراكية القومية في أفلامها وإذاعتها ومجلاتها، خجلًا ممزوجا بمرارة الشعور بفساد وانحلال قوميتها وحياء من الانحدار الأخلاقي والعري المعروض، وما بين السطور والصور والسرد القصصي من علامات توضح انكسارنا وضياعنا5.

إضافة إلى أنه طرح رؤية أخرى مفادها أن تغيير محتوى وسائل الإعلام يبدأ أولا بطرد شياطين الوسواس الخناس من وسائل إعلامنا لتطهيرها، وأن نحملها رسالة القلوب الربانية المحبة لأمتنا وللعالم أجمع. كما أننا نجد لدينا ممثلين بارعين، تعلموا فنون الخطاب وإثارة المشاعر، فإذا مست قلوبهم رحمة الهداية، ورقة الخشوع، وتضرعوا لله بصدق حتى صفت مرآتهم، فإن تمثيلهم سيتحول صدقا، وسيعيدون للأمة الغثائية إرثها من النموذج الخالد ومستقبلها من الغيب الموعود. ستحمل صحفنا ومجلاتنا ذكر الله المشيد بقيمة الإنسان الخالد، بدلًا من الانغماس في التهافت السياسي، وستتسم محتوياتها بالمتانة والتقوى، لتحل محل الخلاعة والسطحية6.

كما أن وسائل الإعلام يجب أن تتجرد من الدعاية والأخبار الزائفة وأن تنقل الخبر الصادق المستقل، وعليها أن تكون وسيلة فعالة للدعوة الإسلامية وتعزز قيم الرحمة الإنسانية، والعدل بين بني البشر، ونحتاج أيضا إلى إعلام إسلامي حر يعبر عن الحقيقة التي يؤمن بها المسلمون، ويكذبها الكافرون، ويشكك فيها المستهترون7. والخلاصة أنه يجب أن نجعل من هذه البؤرة الرقمية وسيلة للتعلم والتعليم والاستفادة، فقد أصبحت المعلومات والمعرفة متاحة وسهلة الوصول، ومن يستغل هذه الوسائل الإعلامية لصالحه ستكون له نقطة انطلاق نحو التقدم والتطور، لا سببا للتخلف والتراجع، وكما قال الأستاذ عبد السلام ياسين: “وسائل الإعلام أداة للتربية الشمولية والتعليم المستمر المتكامل، إن أدمجنا وسائل الإعلام العامة في الجهاز التعليمي المدرسي حتى يصبح في يدنا أداة موحدة للتربية لنحصل على مقاليد العقول والأفئدة. تلك نعلمها الحكم الصائب المميز للجاهلية من الإسلام، والنظرة الناقدة التي تستخلص الحق من الباطل، والقوة والرجولة من الغثاثة والانحطاط، وهذه نلقنها الإيمان بالنموذج الحي الواصل بين المؤمنين، ونلقنها القرآن حياة مجسمة لا مجرد سرد متغنج”8.

ثم إن وسائل الإعلام صنعت للتعبير عن الرأي والتحدث بحرية دون قيود، وأن تكون صوتا للمستضعفين ومنبرا لإعلاء كلمة الحق والدفاع عنها لا منصة للتغنج والرقص والغناء والتنمر والإباحية. إن مفهوم الفن لدى الشباب خاطئ ومشوه، حيث لم تعد الفنون تعبر إلا على التفاهة والفسولة والانحطاط، لكن إذا أعدنا النظر، سنجد أن كل الفنون في جوهرها ليست سوى ردود فعل على مشاعر الحزن والظلم والفرح، حيث كل فن من هذه الفنون إذا استخدم في موضعه الصحيح، وكان له غاية وهدف نبيل غير الفساد والانحلال، سيكون وسيلة للمقاومة ولإعلاء صوت الحق.


المصادر والمراجع المعتمدة

  • عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، الطبعة الثالثة 1444/2023، دار إقدام للطباعة والنشر، ص 471.
  • عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، الطبعة الثالثة 1444/2023، دار إقدام للطباعة والنشر، ص 471.
  • عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الطبعة الخامسة 1443/2022، دار إقدام للطباعة والنشر، ص 247.
  • عبد السلام ياسين، سنة الله، الطبعة الثانية 1426/2005، مطبعة الخليج العربي- تطوان، ص: 110.
  • عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، الطبعة الثالثة 1444/2023، دار إقدام للطباعة والنشر، ص477.
  • عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، الطبعة الثالثة 1444/2023، دار إقدام للطباعة والنشر، ص 475.
  • عبد السلام ياسين، الشورى والديموقراطية، الطبعة الرابعة 2028، دار لبنان للطباعة والنشر، ص 79.
  • عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، الطبعة الثالثة 1444/2023، دار إقدام للطباعة والنشر، ص477.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.