هل المقاصد التبعية تبعية على الإطلاق؟
بقلم: يحي ملوك
مقدمة:
لكل شيء مقصد. والقصد هو التوجه إلى الشيء. هذا في اللغة أما في الاصطلاح فجاء في كتاب غازي بن مرشد العتيبي (1):”فالمقاصد هي المصالح التي بنيت عليها أحكام الدين”. والمصالح قد تكون معتبرة وقد لا تكون. والمقاصد ثلاثة:
أولها مقاصد الخطاب الشرعي وثانيها مقاصد الأحكام الشرعية و ثالثها مقاصد الشارع في منهج التشريع..
في هذه الورقة سوف نعالج المقاصد التبعية لكن من وجهة نظر الناظم محمد ضياء الدين الدكالي. و هو الفقيه الأصولي المغربي، من بين مؤلفاته منظومة “مراصد المقاصد” والتي سيكون لنا معها وقفة في هذا الشرح، وسوف نركز أساسا على ما ترمي إليه الكلمات المنظومة باعتبارها فحوى ما تدعو إليه هذه الأبيات من فهوم مؤصلة. والأبيات موضوع الدراسة تحمل الأرقام من 38 إلى 46.
قال الناظم:
و تابع للمقصد الأصلي من حيث أمر الخالق الأعلى
يكون جزءا أو وسيلة كما يكون لاحقا لأصل فاعلما
وحكمه في القصد كحكم الأصلي
إذ اللزوم ثابت للفعل
وتابع من حيث قصد العبد ما فيه حظ نفسه بالقصد
فقد يكون مقصدا للشرع وقد يكون مهيعا للمنع
مؤكد المقاصد الأصلية يحظى بأعلى ذروة المزية
لكن بشرط رعي أصل ما شرع في ما سوى العادي إذ ذا يتسع
وهادم المقاصد الأصلية يمنع قصده لسوء النية
وما سوى المزيل والمؤكد يبقى مجالا للفتى المجتهد
المطلب الأول: المقاصد الأصلية والمقاصد التبعية
قال الناظم:
و تابع للمقصد الأصلي من حيث أمر الخالق الأعلى
والبيت ينقسم إلى شطرين. فالشطر الأول يتحدث عن المقصد الأصلي و تابعه. فالواو التي ابتدأ بها الشطر الأول من البيت استئنافية أي بعد فراغه من ذكر المقصد الاصلي انتقل إلى تابعه. لذلك يجدر بنا أن نبين ما هو المقصد الأصلي، لأنه ظهر في السياق، وإن لم يظهر في الجملة فإن الكلام يستدعي الحديث عن المقصد الأصلي.و قبل هذا لا بد من أن نعرج على مفهوم الأصل والتابع. فالأصل هو ما يبنى عليه كفروع الشجرة لأصولها.والتابع هو تال و مشايع، من خدمه ومن حاشيته كما جاء في قاموس المعاني.
1) المقاصد الأصلية
يقول الشاطبي في كتاب الموافقات (1):” فَأَمَّا الْمَقَاصِدُ الْأَصْلِيَّةُ، فَهِيَ الَّتِي لَا حَظَّ فِيهَا للمكلَّف، وَهَى الضَّرُورِيَّاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ” أي هي المقاصد التي ينكر فيها المكلف ذاته و يلزم بحفظها اختيارا أم اضطرار.مثل: التناسل وإعمار الكون، هو المقصد الأصلي للزواج. فهي إذن المصالح الضرورية الواجب تحقيقها بنوعيها العينية والكفائية.
2) المقاصد التبعية
المقاصد التبعية هي المقاصد والحِكم التي قصدها الشارع تبعًا وتكملة وتتميمًا للمقاصد الأصلية؛ فهي مشروعة بالقصد الثاني التابع للقصد الأصلي، وبقصد التكميل والتتميم. وهي التي تلتصق بنية المكلف.ومن أمثلتها في المقصد التابع في الزواج: الاستمتاع بالزوجة و الأنس بالذرية، وتحصيل المودة والسكن.
المطلب الثاني: الخطاب الشرعي:
أما الشطر الثاني قال الناظم: من حيث أمر الخالق الأعلى
من حيث: جاء في معجم المعاني، مِنْ حَيْثُ هُو الْمَسْؤُولُ: إذ هو. وما هو؟ هو أمر الخالق الأعلى.يعني التكاليف، أي ما يأمر الله به عباده، من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام والأمر والنهي. هذه الأوامر الإلهية سواء كانت من القرآن الكريم أو السنة النبوية هي جملة المقاصد التي تبرز للمجتهد في تبينه آيات الله وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. أي أن الأمر الوارد في القرآن الكريم أو السنة النبوية هو الأصل وهو أصل الخطاب الشرعي وأصل الحكم الشرعي.والتابع يكون غالبا من جهة المكلف.
المطلب الثالث: تفريعات المقاصد التبعية
قال الناظم:
يكون جزءا أو وسيلة كما يكون لا حقا لأصل فاعلما
- الجزء يكون، فالحديث يشير إلى أمر الله أي يصير جزءا أو وسيلة. والجزء له أهميته في علم المقاصد كما له في كلياته. فكما يقول الشاطبي (2) في أهمية الجزء: ” فَمَنْ أَخَذَ بِنَصٍّ مَثَلًا فِي جُزْئِيٍّ مُعْرِضًا عَنْ كُلِّيِّهِ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ٥.”
و يستأنف موضحا: ” فَالْكُلِّيُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُضَمَّنٌ فِي الْجُزْئِيَّاتِ حَسَبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَعْقُولَاتِ؛ فَإِذًا الْوُقُوفُ مَعَ الْكُلِّيِّ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجُزْئِيِّ وُقُوفٌ مَعَ شَيْءٍ لَمْ يَتَقَرَّرِ الْعِلْمُ بِهِ بَعْدُ دُونَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيِّ، وَالْجُزْئِيُّ هُوَ مَظْهَرُ الْعِلْمِ بِهِ.” (3)
للتذكير فإن الكلي لا يبصم على وجوده إلا بوجود الجزئي. لذلك فإن المطلوب المحافظة على قصد الشارع لأنهما يؤخذان بعين الاعتبار.
و يأتي سؤال المعترض:ما جدوى اعتبار الجزئي بعد معرفة الكلي؟ و الجواب كما قال الشاطبي في الموافقات: ” أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا فِي التَّفْصِيلِ؛ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ إِنْ عُلِمَ أَنَّ الْحِفْظَ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ مُعْتَبَرٌ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْعِلْمُ بِجِهَةِ الْحِفْظِ الْمُعَيَّنَةِ؛ فَإِنَّ لِلْحِفْظِ وُجُوهًا قَدْ يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَقَدْ لَا يُدْرِكُهَا، وَإِذَا أَدْرَكَهَا؛ فَقَدْ يُدْرِكُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالٍ دُونَ حَالٍ، أَوْ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ….”
- الوسيلة من جانب الوجود
والوسيلة نوعان: شرعية وغير شرعية. فإذا اخترنا في المقاصد الأصلية بقاء النوع الإنساني فإننا نختار الزواج باعتباره وسيلة شرعية يتحقق بها دوام بقاء النوع الإنساني على الصورة الصحيحة التي قصدها الخطاب الشرعي.أما الوسيلة غير الشرعية كالزنا فإنها قد تبقي النوع الإنساني لكنها تؤدي حتما إلى فوضى عارمة في الأنساب.
و لايفوتني أن أعرج على وسيلة تبعية لها أهميتها في الخطاب الشرعي، و تتعلق أساسا في تكثير العدد أي عدد الأولاد لتكثير النسل. و تجدر الإشارة إلى أن وسيلة أخرى تتعلق بإباحة التعدد في الزوجات، باعتبار أن النسل من أهم مقاصد الشرع مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم:” تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم “(4)
- الوسيلة من جانب العدم:
هناك وسيلتان تسعى الشريعة إلى تحريمهما لأنهما مبيدتان للنوع الإنساني ولا تتماشيان مع مقصدها الأصلي. الأولى تتمثل في النهي عن العزوبة والتبتل أي الانقطاع للعبادة. روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان من ترك النساء، بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “يا عثمان إني لم أؤمر بالرهبانية (وفي رواية: إن الرهبانية لم تكتب علينا)، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله، قال: «إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني. “
والثانية نهى الشرع عن الإجهاض وذلك بغية الحفاظ على حياة الجنين مصداقا لقوله تعالى:{ ياأيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا و لا يسرقن و لا يزنين و لا يقتلن أولادهن }الممتحنة 12.
كما أن هناك وسائل أخرى تدخل في هذا الإطار، كتحريم الزواج المثلي، والنهي عن الطلاق بغير الضرورة.
كما: بمعنى مثلما وقد وقعت بين يكون ويكون. – تقع بين فِعلين متماثلين، كقوله تعالى:{فاصْبِر كما صَبَرَ أولو العَزْم من الرُّسُل}الأحقاف،35وقوله عز من قائل: { فإنهم يَألمون كما تألمون} – النساء، 104.
وفي صيغة الصلاة الإبراهيمية: “اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم”.
- اللاحق
و اللاحق لأصل من الخادم للأصل
فاعلما: أي أدرك العلم على حقيقته. أي باستصحاب جزئه ووسيلته ومثله ولاحقه.
المطلب الرابع: حكم التابع في القصد
وحكمه في القصد كحكم الأصلي إذ اللزوم ثابت للفعل
والحكم على الشيء فرع عن تصوره.وحكمه يتعلق بالتابع في القصد هو مثل الحكم الأصلي. فإن المقصد الأصلي من العبادات الإخلاص و يتبع ذلك السباق للفوز بالدرجات العلى في اليوم الآخر.
اللزوم للحكم التابع لا يتغير و لا يتحول فهو واقع لا محالة.
“إن دَلَالَةَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لَا تَمْنَعُ قَصْدَ الْمُكَلَّفِ إِلَى فَهْمِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ نِسْبَتَهَا مِنْ فَهْمِ الشَّرِيعَةِ نِسْبَةُ تِلْكَ مِنَ الأخذ بها عملا، وإذا اتحدت النسبة كان التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ صَحِيحٍ، وَلَزِمَ مِنِ اعْتِبَارِ إِحْدَاهُمَا اعْتِبَارُ الْأُخْرَى، كَمَا يَلْزَمُ مِنْ إِهْمَالِ إِحْدَاهُمَا إِهْمَالُ الْأُخْرى”(5)
المطلب الخامس: المقاصد التابعة من جھة قصد المكلف
يقول صاحب المراصد:
وتابع من حيث قصد العبد ما فيه حظ نفسه بالقصد
فقد يكون مقصدا للشرع وقد يكون مهيعا للمنع
البيت الأول يتحدث عن المكلف في استحضار النية التي تغلب فيها نفسه دون أن تنضبط للضوابط الشرعية. فهي إما أن تكون منقادة للشرع أو أن تكون مخالفة له.
ضوابط التفريق بين المقاصد الأصلية والمقاصد التابعة:
1)المقاصد الأصلية متبوعة بينما المقاصد التابعة تابعة.
2)المقاصد الأصلية واجبة أما المقاصد التابعة مباحة
3)المقاصد الأصلية تستدعي اخلاص العمل وضرورته بينما المقاصد التبعية تتخللها الشهوات التي تخالف الشرع.
المطلب السادس: التابع المؤكد
يقول الناظم:
مؤكد المقاصد الأصلية يحظى بأعلى ذروة المزية
لكن بشرط رعي أصل ما شرع في ما سوى العادي إذ ذا يتسع
المقاصد الأصلية تختلف عن المقاصد التابعة من حيث تأكيد طلب الفعل وتحتيمه والتشديد فيه. فالمقاصد التابعة طلب فعل طلبًا أقل تأكيدًا وتشديدًا من المقاصد الأصلية؛ ولذلك فإن المقاصد التابعة مسايرة لما جبل عليها الإنسان، وموافقة لرغباته وملائمة لطبعه، فلا يحتاج إلى زيادة التأكيد على الفعل والالتزام. ففي مثال طلب العلم، يكون المقصد الأعلى يتعلق بالتعبد والطاعة وتخليص نية المتعلم والعالم من الشرك والرياء وحب السمعة و الشهرة، وقد وقع التأكيد في مواضع كثيرة، وبصيغ وكيفيات قاطعة وملزمة على تحري ذلك المقصد وتحصيله وملازمته.
أما المقصد التابع فيتمثل في شرف المرتبة، ونفوذ القول، وجلب الاحترام والتقدير، وحظ التقديم والتفضيل، وغير ذلك ما هو مرجو، ومقصود من قبل صاحب العلم وعموم الناس، ولا يحتاج إلى زيادة التشديد في طلبه والتأكيد على فعله واستحضاره؛ ففطرة الإنسان آيلة إليه، وطباع البشر وجبلاتهم تنشده وتسعى إليه، وتجاهد من أجل تحصيله وتحقيقه.
المطلب السابع: التابع الهادم
يقول الناظم:
وهادم المقاصد الأصلية يمنع قصده لسوء النية
” وَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ… فَلَا يَصْلُحُ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ، فَإِذَا كَانَ قَصْدُ الْمُكَلَّفِ إِيقَاعَ الْمَشَقَّةِ، فَقَدْ خَالَفَ قَصْدَ الشَّارِعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّارِعَ لَا يَقْصِدُ بِالتَّكْلِيفِ نَفْسَ الْمَشَقَّةِ، وَكُلُّ قَصْدٍ يُخَالِفُ قَصْدَ الشَّارِعِ باطل، فالقصد إلى المشقة باطل، فهو إذن مِنْ قَبِيلِ مَا يُنْهَى عَنْهُ، وَمَا يُنْهَى عَنْهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ فِيهِ الْإِثْمُ إِنِ ارْتَفَعَ النَّهْيُ عَنْهُ إِلَى دَرَجَةِ التَّحْرِيمِ، فَطَلَبُ الْأَجْرِ بِقَصْدِ الدُّخُولِ فِي الْمَشَقَّةِ قَصْدٌ مناقض.”(6)
المطلب الثامن: التابع الذي لا يقتضي إزالة المقصد ولا تأكيده
يقول الناظم:
وما سوى المزيل والمؤكد يبقى مجالا للفتى المجتهد
الجانب التطبيقي لمقاصد الشريعة مهم للغاية، ويحتاج إليه الباحث والدارس والفقيه والمجتهد والقاضي والمفتي والمكلف: وسائر من أراد فهم خطاب الشارع وتعاليمه ومقاصده.
خاتمة:
مثل هذه الأبيات شكلت قواعد تؤسس عليها أحكام تقتضي التفريق بين المقاصد الأصلية و المقاصد التابعة، وكذا العلاقة التي تجمع بينهما وجودا وعدما ووجوبا وإباحة وجمعا وتنافرا،وأخيرا مصدر كل منهما من حيث الانطلاق تجنبا للانزلاق.
المراجع:
- ص300 – كتاب الموافقات
- الموافقات ص 174
- نفس المرجع
- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم الحديث 13475
- الموافقات
- نفس المرجع السابق