منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عمل المرأة خارج البيت بين المصالح والمفاسد

عمل المرأة خارج البيت بين المصالح والمفاسد/عبد الله وخلفن

0

عمل المرأة خارج البيت بين المصالح والمفاسد

بقلم: عبد الله وخلفن

مقدمة:

منذ أن خلق الله الإنسان، فطره على السعي والعمل من أجل لقمة العيش، كما أمره عن طريق الرسل بالانتشار في الأرض لعمارتها وبنائها وابتغاء فضلها. ولم يميز في ذلك بين الذكر والأنثى. قال الله تعالى: ” هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها” هود: 60. وقال: ” هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ” الملك: 16. وقال: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعماون” النحل: 67.

كلاهما مأموران بالعمل دون تخصيص أو تمييز إلا بين من يعمل العمل الصالح أو الطالح، العمل مرتبط بالإنسان ارتباطا وثيقا، لأنه وسيلة العيش والإعمار فلا حياة بلا عمل ولا عمران إلا بالبناء. والعمل أشكال وأنواع يتعدد بتعدد حاجات الإنسان ومطالبه، مما يستدعي التعاون والتعاضد لتغطية الحاجات وتلبية المطالب بين الذكر والأنثى. وترك العمل مذموم عقلا وشرعا، لأنه يفضي إلى الفقر والحرمان، والمذلة والصغار، لايرغب أحد في الانتماء إلى دائرته أو الاقتراب من حوضه، ذكراً كان أو أنثى. ومعلوم أن العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة فطرية كل واحد منهما يشعر بحاجته إلى الآخر وتعلقه به، وأكدت كل الشرائع على هذا الارتباط وأهميته وضرورته من أجل بناء أسرة صالحة حاضنة للنشء الجديد، والمحافظة على النوع الإنساني وفق سنة الله التي فطر الناس عليها، والتي تنتظم كل الكائنات الحية التي تعمل على المحافظة على نوعها من خلال التزاوج والتكاثر بين الذكر والأنثى، نعم كل الكائنات الحية جبلت على المحافطة على بقاء النوع وزاد عليها الإنسان بما منحه الله من العقل، فهو على رأسها وذروة سنامها لما يمتاز به من قابلية التطور والتعلم،وقد وصف الله تعالى العلاقة بين الزوجين بالميثاق الغليظ مما يستوجب المحافظة عليها ليس بالعدل بينهما فحسب، ولكن بالإحسان والمعروف.

والإشكال الذي نريد مناقشته في هذا المقال ناتج عن ارتباط الذكر بالأنثى من أجل إنشاء الأسرة التي هي محضن بقاء النوع الإنساني وما يتطلب ذلك من رعاية وظروف وشروط خاصة، وناتج أيضا عن الاختلافات الحاصلة بينهما من حيث التكوين البيولوجي والفيزيولوجي والسيكلوجي، من هنا نطرح السؤال: هل هناك فرق بين وظيفة الرجل ووظيفة المرأة تبعا لهذه الفوارق؟ وهل يختلف دور كل منهما عن دور الآخر داخل البيت وخارجه ؟ أم يتساويان ؟

والذي يهمنا بالضبط من ذلك هو دور المرأة وعملها خارج البيت حيث اللغط كثير، أما عمل الرجل ووظيفته فلا جدال حوله تقريبا. ولبسط الكلام في هذا الموضوع الشائك نمر أولا عن عمل المراة داخل البيت، ثم نثني بعملها خارج البيث وما يستوجب ذلك من شروط وضوابط، وكذا ما ينتج عنه من آثار سلبية أو إيجابية. لنختم الموضوع بخلاصات عامة.

أولا: عمل المرأة داخل البيت:

إن عمل المراة داخل البيت لا يجادل فيه اثنان، كما عمل الرجل خارج البيت، فالمرأة /أعني الزوجة تمارس عملها بجدارة واستحقاق لأنها هيئت له وجبلت عليه، فهي تتوفر على مواصفات ومؤهلات يفتقر إليها الرجل، كما يعمل الرجل خارج البيت في الأعمال الشاقة وغيرها، تعمل المرأة بمساعدة الرجل أو بدونه، والمشكل المطروح أنه كلما طرح عمل المرأة للمناقشة إلا ويقصد به العمل خارج البيت، أما داخل البيت فمسلم لها به، وكأنه خاص بها وواجب عليها. ولا يناقشه أحدإلا ماندر، والذي درج عليه الناس عامة أنهم يغفلون عمل المرأة داخل البيت ولا يعيرون له أي اهتمام ولا يخصونه بأي نقاش، وحتى إن تناوله البعض فمن زاوية هل هو خاص بها أم لابد من مساعدة الرجل لها؟. والذي يظهر لي أن مظلومية المرأة من هذه الزاوية كبيرة وحقيقية، ذلك أن الناس لا يعيرون له الاهتمام اللازم، وأعني بذلك أنهم لا يعتبرونه عملا يستحق العوض تغافلا أوتهاونا منهم، فهم من جهة يخصون المرأة بالمسؤولية داخل البيت، وبالمقابل لا يعترفون لها باهمية ماتقوم به، وإن اعترفوا فلا يقدمون لها أي تعويض عربونا على ما تقوم به، وحتى إن صدرت منهم لفتة فمن باب التفضل والمكافأة، لا من باب الواجب والحق. وأعتقد ان هذا القسم من عمل المرأة خاصة في هذا العصر،يستوجب الوقوف عنده للمراجعة والتقييم من أجل إنصاف المرأة بالا عتراف بأن ماتقوم يه يعتبر عملا عظيما يستحق العوض، بل هو من أشرف الأعمال وأجل الوظائف، التي يجب الاعتراف له بها،وتثمينه أولا من طرف الدولة وثانيا من طرف الزوج والمجتمع. وعندما أتحدث عن المرأة أعني الزوجة التي تحمل وتلد وترضع وترعى وتربي وتنشئ الأجيال التي ستؤكل إليها مسؤولية النهوض بالمجتمع، وإلى جانب متطلبات الأمومة المرتبطة بالمرأة، فهي تقوم بأشغال البيت الأخرى من طهي ونظافة وغيرها من المهام المنوطة بها عرفا والتي تعتبر أعمالا شاقة ومهمة. ولن يستطيع الرجل القيام بها خاصة جانب الأمومة. وتجدر الإشارة إلى أن الفقهاء يتفقون على أن العمل الواجب على المرأة داخل البيت هو ما له علاقة بالأمومة، أما غيره من أشغال البيت الأخرى فهي غير ملزمة به، وإن قامت به فمن باب التفضل والصدقة على أسرتها، وهذا ما يجب أن يعلمه الرجل للاعتبار. وقد استغل دعاة التحرير والتحر ر هذا الوضع المزري للمرأة فاشعلوها فتنة كسرت حواجز كثيرة وقلبت موازين عديدة.

وأعتقد أن رغبة المرأة الجامحة في الخروج عن البيت بحثا عن العمل، ونشوزها الملحوظ تجاه كل من يقف في وجهها حتى وإن كان الزوج نفسه، ناتج عن غمط حقها وعدم تثمين عملها داخل البيت، فتفريط الناس في تضييع حقوقها ولد عندها الإفراط في الدعو ة إلى الخروج للعمل أسوة بالرجال،

فالمطلوب إنصاف المرأة المتفرغة داخل البيت بالاعتراف لها بالمهام التي تقوم بها، والتي تأتيها عن طواعية وفطرة، وبما يليق بها من تكريم وتشريف ماديا ومعنويا. كما يجب على الدولة والمجتمع تأهيلها لهذه الوظيفة وعدم الاكتفاء بما تعودت عليه مما ورثته من تقاليد وعادات خلفاً عن سلف، لا تفي بالغرض لأداء المهام الأسرية على الوجه المرغوب، لإعداد الأجيال الصالحة الكفيلة بحمل الرسالة والأمانة التي تنتظرها، خاصة في هذا العصر المفتوح على كل الخيارات..

تلك زاوية من زوايا عمل المراة أحببت التنبيه إليها لأهميتها من جهة ولإغفال الناس عنها من جهة ثانية، لأنتقل بعد ذلك إلى صلب الموضوع الذي هو عمل المرأة خارج البيت.

ثانيا: عمل المرأة خارج البيت:

كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن عمل المرأة خارج البيت بين رافض متشدد وبين داع متسيب، بينهما دعوات تقترب أو تبتعد عن الصواب، ألفت في الموضوع كتب كثيرة وعقدت مؤتمرات وندوات عديدة دبجت مقالات أغلبها دعوات تغريبية تدعو إلى التحرر من كل القيود والتقاليد ولوكانت مبادئ الدين ومكارم الأخلاق،خاصة في القرن العشرين والواحد والعشرين، ووصل الأمر بهذه الدعوات أن تصدر توصيات من الأمم المتحدة تدعو إلى المساواة الندية بين الذكر والأنثى، والنيل من العلاقات الزوحية ومن مؤسسة الأسرة بتشريع قوانين تعمل على نسف نظام الأسرة التقليدي وإبداع بدائل لها بين الذكر والذكر أوبين الأنثى والأنثى أو من أحدهما فقط، لم تعدالأسرة تقتصر على الذكر والأنثى. وأكثر من ذلك هناك من يشرع للزواج خارج النوع الإنساني..كل ذلك حاصل ولا ندري أين سيتوقف، أشرنا إلى هذا لنؤكد أن موضوع المرأة يتم استغلاله بشكل بشع بين أطراف عديدة، باختلاف توجهاتهم، وهذا معلوم لدى الخاص والعام. ولنعد إلى موضوعنا الذي هو عمل المرأة خارج البيت من الناحية الشرعية، فإننا نقرأ ونسمع مواقف متباينة بين مانع ومجوز، فما الحكم الشرعي لهذه الإشكالية؟

  • الحكم الشرعي لعمل المرأة خارج البيت:

عندما أعطي لنفسي الحق في الحديث عن الحكم الشرعي، فهذا لايعني بالضرورة أنني سآتي بالجديد أو أبتدع حكما من عندي، بل إنني أبحث فيما كتب في الموضوع من طرف علماء متخصصين، وأقارن ثم أرجح حسب ما اطلعت عليه وحسب إدراكي،لأنتهي بحكم أو رأي أحسب أنه صواب يحتمل الخطأ،كما يقول أهل العلم. هذا تنبيه يجب اصطحابه حتى لا أتهم بأنني أتطاول على العلماء الذين لم آخذ برأيهم.فأقول وبالله التوفيق:

لا أحد يستطيع أن يَحرم المرأة من الحق في العمل الذي هو من الحقوق الثابتة عقلا وعرفا وشرعاً لكل إنسان ذكراً كان أو أنثى، سواء كان العمل للدنيا أو للآخرة، فقيمة الإنسان تتجلى في عمله، والله تعالى أمر كل الناس بالعمل فقال: ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون “. التوبة: 106.الخطاب عام ولا أحد يستطيع أن يخصصه. وعلى أساس قاعدة العمل سيحاسب المرء ويجزى إن خيراً فخير،وإن شراً فشر، قال تعالى:” فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره”الزلزلة: 8و9..الفيصل والضابط الذي يلزم الحرص عليه هو: هل العمل صالح نافع أو طالح ضار. هذا هو المعيار الذي يلزم الاحتكام إليه.

وحكم عمل المرأة وفق هذا المنظور تعتريه أقسام الحكم الشرعي الخمسة، فقد يكون واجبا أو مندوبا، وقديكون حراما أومكروها أومباحا. فإذا كانت الحاجة ماسة للعمل وانتفت الموانع المختلة بالضوابط الشرعية،فالحكم هو الوجوب، كأن لاتجد المرأة من يعولها ولا تجد ما تسد به جوعتها وجوعة من تعوله، فالمصلحة والحاجة هي البوصلة للحكم الشرعي الذي يدور مع المصلحة حيث دارت في هذا الباب بالضبط، فحيثما المصلحة فثم شرع الله كما قرر أهل العلم. وقد يكون مندوبا فقط إذا لم تكن الحاجة ماسة، وكان الداعي مثلا مساعدة الزوج أو لتحقيق مصالح مكملات أو تحسينيات أو الاشتغال من أجل توفير المال لإنفاقه في أبواب الخير، أو الاشتغال في وظائف خاصة بالنساء أو غيرها من المجالات.

وقد يكون الحكم حراما إذا اشتغلت المرأة أو الرجل في وظائف مخلة بالآداب والحياء، كالغناء والرقص أوبيع المحرمات وهلم جرا، أما الكراهة فتستفاد من وضعية المرأة في عملها لوجود شيهة غياب الضوابط الشرعية، و كونها تتوفر على الاكتفاء الذاتي في بيت زوجها ولا يتوقف المجتمع على عملها وهكذا فالظروف المحيطة بالعمل هي التي تحدد الحكم الشرعي المناسب للوضعية السائدة.

ونظراً لتنوع الحكم الشرعي لعمل المراة خارج البيت حسب الظروف ونظرا أيضا لما يترتب على خروجها من الفتن والأضرار، فقد تباينت آراء العلماء ومذاهبهم في ذلك إلى ثلاثة مذاهب، سأحاول استعراضها باختصار.

  • مذاهب العلماء في عمل المرأة خارج البيت[1]:

يمكن تصنيف آرائهم إلى ثلاثة مذاهب:

أ- مذهب المانعين: يرى أصحاب هذا المذهب أن الإسلام لايجيز للمرأة الخروج إلى العمل مطلقا لما يترتب على ذلك من مفاسد وفتن، فمكانها الطبيعي هو البيت، ووظيفتها الأساسية هي الأمومة وما له علاقة بها، ويستدلون على ذلك بمجموعة من نصوص القرآن والسنة، من ذلك على سبيل المثال:

قال تعالى: ” وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى”الأحزاب: 33. وقال أيضا: ” والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن اراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف” البقرة: 231. ووجه الدلالة في هذا النص أن من يتحمل النفقة هو الوالد لا الوالدة.

ومن السنة يستدلون مثلا بما رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن المرأة عورة فإن خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها “[2]. وقوله صلى الله عليه وسلم: فيما روي عن ابن عمر: ” ليس للنساء نصيب في الخروج إلا مضطرة، ليس لها خادم إلا في العيدين الأضحى والفطر”[3]. بالإضافة إلى طبيعة المرأة وخصوصيتها البيولوجية والفيزيولوجية وما تمر به من حالات ضعف عند الحمل والولادة والرضاع والحيض والنفاس.. كلها عوامل تؤكد أن مكان المرأة الطبيعي هو البيت ووظيفتها هي ربة البيت،في نظر هذا الفريق، ومن العلما ءالمعاصرين الذين أخذوا بهذا المذهب: أبو الأعلى المودودي[4] والأستاذ البهي الخولي[5] والأستاذ وحيد الدين خان[6] والشيخ الشعراوي[7]. وغيرهم.

ب – مذهب المجوزين بإطلاق: يرى أصحاب هذا المذهب أن الإسلام يجيز للمرأة الخروج إلى العمل وأن تتولى كل الوظائف بما فيها الإمامة العظمى، ونقل هذا المذهب عن طائفة من الخوارج، كما أخذ به من المعاصرين بعض الحقوقيين الذين تاثروا بالحضارة الغربية، ويستدلو ن بدورهم بنصوص من القرآن ومن السنة.

فمن القرآن: قوله تعالى، ” المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”التوبة:71. وفي هذه الآية إشارة إلى ولاية تبيح للمرأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،مثل الرجل تماما.

ومن السنة يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم:” إنما النساء شقائق الرجال” [8].

ومن السيرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر تولية النساء إحدى الولايات العامة وهي ولاية الحسبة للصحابية سمراء بنت نهيك الأسدية.

ومن القياس استدلالهم بجواز تولي المرأة الإمامة في الصلاة على أهل بيتها.

ج-مذهب المجوزين بشروط: يرى أصحاب هذا المذهب أن الإمام أباح للمرأة ممارسة العمل خارج البيت بشروط، وفي هذا المذهب رأيان:

الرأي الأول: هؤلاء يبيحون للمرأة العمل خارج البيت وتولي مختلف الوظائف باستثناء الإمامة العظمى فهي خاصة بالرجال، لما ورد من نصوص تنهى عن ذلك،منها:

من القرآن الكريم: قال تعالى: “الرجال قوامون على النساء ” النساء:34. ومن السنة: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة “[9] وقوله عليه السلام:” إذاكان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ” [10]. ومن العلماء القدامى الذين قالوا بذلك أبو حنيفة النعمان وابن القاسم المالكي وابن حزم الظاهري وابن جرير الطبري وغيرهم، ومن المعاصرين المناصرين لهذا الرأي مصطفى السباعي[11] والدكتور سعيد رمضان البوطي[12] رحمهم الله تعالى.

الرأي الثاني من المجوزين بشروط: هؤلاء يبيحون للمرأة العمل خارج البيت وتولية جل الوظائف، يستثنون من ذلك الوظائف الكبرى مثل الوزارات والقضاء والجيش وسائر الوظائف التي لا تناسب طبيعة المرأة وتتناقض مع وظيفتها الأساسية، ومن الوظائف المناسبة لها مثلاالتعليم والصحة أو العمل عن بعد وغير ذلك مما لايمكن حصره شريطة التوفر على الضوابط الشرعية المعلومة. وأخذ بهذا المذهب الكثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وهو في رأيي مذهب الوسط المناسب للحياة المعاصرة، حيث حق العمل للمرأة لارجعة فيه.

وأدلة هذا الفريق أكثر من أن تحصى، من القرآن ومن السنة وغيرها من الأدلة الشرعية الأخرى.

فمن القرآن الكريم: قوله تعالى:” للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن” [13]. وقوله تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى”[14]. تدل هاتان الآيتان على المساواة بين الرجل والمرأة في الحق في العمل.

ومن السنة استدلوا بنصوص كثيرة نذكر منها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” العلم فريضة على كل مسلم “. وما جعل العلم إلا للعمل. وقوله صلى الله عليه وسلم للمرأة المطلقة في عدتها تريد الخروج للعمل فأرادوا منعها فقال لها ثلاثا: ” بلى فجدي نخلك فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا”[15]. ومعنى جدي اقطعي ثمره، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” عمل الأبرار من النساء المغزل” [16]. ووجه الدلالة أن الرسول أباح لهن الاشتغال بالأعمال المهنية المناسبة لطبيعتهن. هاته بعض الأدلة المبيحة لعمل المرأة خارج البيت، وبالنظر إلى التاريخ الإسلامي نجد نماذج خالدة من النساء العاملات أو الفقيهات أو المجاهدات المشاركات في المعارك وغيرها مما هو متواتر في مظان التاريخ، كل ذالك ثابت ومشروع شريطة أن يتناسب العمل مع خصوصيتها وأنوثتها التي يجب المحافظة عليها بحمايتها من الابتزاز والاستغلال من طرف أرباب العمل، وذلك بالخضوع للضوابط الشرعية سداً للذرائع المفضية إلى الانحرافات الأخلاقية.

وبعد ذكر الحكم الشرعي لعمل المرأة واستعراض بعض مذاهب وآراء العلماء في ذلك، نذكر بأن الظروف السائدة في العالم المعاصر تختلف كل الاختلاف على ماكان عليه الأمر في العهود القديمة، فقد تطورت الحياة تطوراً هائلا في كل مجالات الحياة وزادت الضغوطات على الأسر، مما جعل الكثيرين من الرجال والنساء يبررون ضرورة خروج النساء للعمل، للتعاون مع الرجال على تكاليف الحياة وآتعابها، ومنهم من يضيف إلى ذلك صعوبة إلزام المرأة بعدم الخروج في هذا الزمن المفتوح على كل الخيارات، فكثير من الفتن التي يخاف منها بسب الخروج أصبحت في عقر الدور بسب الشبكة العنكبوتية وماتحمله من انحرافات، فلم يعد البقاء في البيت عاصما من الفتن مالم تكن التربية عاصمة وواقية. ومعطىً آخر وليد العقود الأخيرة وجود فرص عمل يمكن القيام بها من داخل البيوت، وهو معطىً إيجابي يمكن أن يسهم في التخفيف من حدة مشكل الخروج وما ينتج عنه لمن يريد اتقاء الشيهات.

  • الضوابط الشرعية لعمل المرأة خارج البيت:

هي ضوابط يمكن اختصارها في أربعة ضوابط حسب المادة: 71 من ميثاق الأسرة في الإسلام الذي حرره عدد كثير من العلماء المشهود لهم بالكفاءة والعمل، أستسمح القارئ لأنقل له الفقرة كاملة دون تعديل، تقول المادة: 71:

” عمل المرأة خارج بيتها في نظر الإسلام أمر مباح أصلا، وهو ليس غاية في ذاته ولكنه وسيلة لتحقيق مصلحة الأسرة والمجتمع، وتطرأ عليه أحكام الوجوب والندب والحظر وفق الظروف والأحوال، وفي كل الحالات يخضع للضوابط الآتية:

  • أن يكون العمل مباحا شرعا ومتفقا مع مصلحة الجماعة وفطرة المرأة.
  • التفاهم والتراضي بين الزوجين في حدود مصلحة الأسرة دون تكلف ولا إفراط مع تحديد العلاقة المالية بين الزوجين على النحو المبين في المادة 76.
  • أولوية مصلحة الأطفال في التربية والرعاية الصالحة باعتبارهم عماد الأمة وجيل المستقبل.
  • الإلتزام بالضوابط الأخلاقية الإسلامية للرجل والمرأة.”[17]

ثالثا:عمل المرأة خارج البيت بين المصالح والمفاسد:

كل عمل يقوم به الإنسان يترك آثارا معينة سواء كانت إيجابية أو سلبية أو كلاهما معا، وقد تهم تلك الآثار القائم بها فقط، وقد تتعداه إلى الآخرين، هكذا عمل المرأة خارج البيت تترتب عليه مصالح ومفاسد لايقتصر آثارها عليها وحدها، مما يستوجب التماس المصالح والفوائدحيث هي، واجتناب المفاسد والمضار قدر المستطاع. وبناء على هذا نتساءل: ماذا حققت المرأة بعملها خارج البيت من مصالح لنفسها ولغيرها؟ وهل لعملها مفاسد ومضار؟

أولا: مصالح وإيجابيات عمل المرأة خارج البيت:

لاشك أن ما تجنيه المرأة من منافع كثير، وسأكتفي بما هو مهم في نقاط بلا تفصيل.

  • الحصول على الثروة من خلال راتب شهري معلوم تتقاضاه العاملة باستمرار.
  • اعتمادها على نفسها لتلبية حاجاتها وأغراضها.
  • المساهمة في نفقات بيت الزوجية والتخفيف عن الرجل.
  • استغناؤها عن مال الرجل على الراجح.
  • حرية الخروج والتنقل.
  • تطوير كفاءتها وتجربتها في الحياة.
  • المساهمة في تنمية البلاد وتطوير الأوطان.

ثانيا: المفاسد والسلبيات التي يمكن أن تترتب على عملها خارج البيت، ومنها:

  • مضاعفة الجهد والعمل، وقلة أوقات الراحة حتى في حلات الضعف التي تمر عليها زمن الحيض والنفاس والرضاع..
  • الركض المستمر بمواصلة العمل داخل البيت وخارجه مما يعرضها لضغوطات كثيرة.
  • قد يحدث منها تقصير في واجباتها الدينية بسبب انشغالها المستمر.

آثار سلبية على الأسرة والمجتمع:

  • قد يحصل تقصير في حقوق الزوج الطبيعية.
  • ولوجها في بعض الأحيان لأماكن شبهة الاختلاط والخلوة..
  • مزاحمة الرجال في العمل وارتفاع نسبة العطالة في صفوفهم.
  • صعوبة تمكنها من تربية أبنائها مباشرة، وغالبا ما يتم ذلك عن طريق الخادمات أو مؤسسات الحضانة.
  • حاجتها الدائمة إلى الخادمة مع ما يترتب على ذلك من مشاكل تربوية واجتماعية معلومة.
  • العزوف عن الزواج وارتفاع نسبة الطلاق في صفوف الموظفات.

خاتمة وخلاصة:

قبل إنهاء المقال لابد من الخروج بنتائج وثمرات البحث، فلايكفي الوقوف على الأحكام والضوابط، بل لابد من التذكير ببعض النتائج التي ترجحت لدينا والتي هي زبدة الموضوع ومقصده.

إن ماتم استعراضه لا يعدو أن يكون معالم وإشارات، لأن الموضوع كبير وواسع ألفت فيه مؤلفات كثيرة ومتنوعة وفي بعض الأحيان متباينة، حتى بين علماء المسلمين أنفسهم، والذي أود التأكيد عليه هو أن عمل المرأة في العصر الحاضر فرض نفسه، إلى درجة أن البعض قد يصنف كلامي هذا عن عمل المرأة متجاوزاً وخارج السياق، بعد أن فرضت المرأة نفسها عن جدارة واستحقاق،وتفوقت على الرجل في مجالات عدة، ولكن الذي يهمنا هنا هو أن ننبه من يهمه معرفة الحكم الشرعي بأخذ الحيطة والحذر وعدم الانجرار نحو دعوات التغريب التي تدعو إلى المساواة الندية بين الرجل والمرأة، وتتنصل من كل المبادئ والقيم التي تحافظ على وجودالأسرة وحمايتها من الاندثار. وبناء على هذا فإنني أنبه إلى مايلي:

  • يجب إعادة النظر في عمل المرأة داخل البيت بتثمينه وتقديره ورفع مظلومية المرأة فيه.
  • عمل المرأة في العصر الحاضر مما عمت به البلوى ولا أحد يستطيع أن يرفضه أو ينقص من قيمته.
  • المفاسد التي تم استعراضها لا تنطبق على كل الموظفات، لأن هناك موظفات نجحن في عملهن.
  • أغلب الوظائف حاليا يسود فيها الاختلاط ولا يتم التمييز بين الذكر والأنثى مما يستوجب الحذر من عدم توفر الضوابط الشرعية.
  • مالم تساهم الدولة في تنظيم العمل بين الرجال والنساء وإخضاع الجميع للضوابط الشرعية فلن يكون بإمكان الكثيرين إلا خوض غمار التجربة أعني العمل خارج البيوت، ولو بدون توفر الضوابط الشرعية لقلة الوعي بالموضوع أولا،ولوجود ضغوطات متنوعة خارجية وداخلية ثانيا، جعلت الرجل والمرأة على السواء يقبلان به ببجره وعجره.

وأكتفي بهذه الإشارات التي أرجو أن أوفق في إثارة فضول أهل الاختصاص لمزيد من التوسع والتأصيل، وفقني الله وإياكم للهدى والرشاد.


[1] ) اعتمدت  في هذا المحور  بتصرف على كتاب “عمل المرأة” لصاحبتها: هند محمود الخولي ، وهو عبارة عن رسالة ما جستير.

[2] ) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حيان رقم الحديث 5558

[3] )أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ، رقم الحديث: 3221

[4] ) أبو لأعلى المودودي، تفسير سورة الأحزاب، ترجمة محمد عاصم الحدادً:ص 62

[5] ) البهي الخولي ، المرأة بين البيت والمجتمع ص: 127 وقضايا المرأة المعاصرة ص: 242

[6] ) وحيد الدين خان ألمرأة بين شريعة الإسلام والحضارة الغربية  دار الصحوة للنشروالتوزيع ، ط: 1 1994  ص: 30 وما بعدها

[7] ) محمد متولي الشعراوي المرأة في القرآن ص: 15 وما بعدها.

[8] ) أخرجه أبوداود في كتاب الطهارة رقم الحديث: 236 .

[9] ) أخرجه البخاري تحت رقم : 4425

[10] ) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن رقم الحديث: 2266

[11] ) مصطفى السباعي،  المرأة بين الفقه والقانون،دار السلام ط : 4 .2010 ، ص: 28 وما بعده

[12] ) محمد رمضان البوطي المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف التشريع الرباني

[13] ) النساء :

[14] )

[15] ) أخرجه مسلم في كتاب الطلاق رقم الحديث: 1483، وأخرجه أيضا ابن ماجه وأحمدوأبو داود..

[16] ) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، جزء: 9 ص: 15

[17] ) ميثاق الأسرة في الإسلام ، اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل ط، 1، 1428 ه ،ص: 53

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.