معكم أهلنا في القصر الكبير
معكم أهلنا في القصر الكبير/ د. خالد العسري
معكم أهلنا في القصر الكبير
بقلم: د. خالد العسري
بقلم: د. خالد العسري
– عشت عبر الهاتف مع الكثير من أفراد العائلة والأصدقاء الساكنين بالقصر الكبير ليلة صعبة وأنا أتابع ارتفاع منسوب المياه في أكثر من حي بالمدينة، والأصعب أن التهديد ما زال مفتوحا على مصراعيه مع استمرار التساقطات المطرية التي تحولت من نعمة إلى كارثة حقيقية، وذلك بسبب بنية هشة تعاني منها المدينة بشكل مستمر ودائم، حتى إنها تستحق نعت “مدينة الحفر” بامتياز.
– إن الوضعية الكارثية التي تعيشها المدينة اليوم تجد أسبابها الحقيقية في غياب أبجديات ثقافة “سياسة الإعداد للمخاطر” (Risk Preparedness) من طرف الدولة، والتي تعد سياسة استشرافية لمخاطر يمكن أن تقع في المستقبل، والفيضانات في القصر الكبير ليس حدثا غير مسبوق في تاريخها حتى ندعي أنه مفاجئ كليا.
– إن ما يظهر أمامنا عبر الفييوهات اليوم من آثار كارثية على المدينة يجب أن يكون متوقعا قبل حصوله في “عقل السلطة” التي لها من الإمكانات التوقعية ما ليس لغيرها، فتكون قد أعدت له ما يجب لمواجهته بدل ترك الناس جميعهم في عزلة كلية حتى عن أقرب الجيران إليهم. إن السياسة الاستشرافية للمخاطر كانت ستكون من نتائجه: منع التوسع العمراني في المناطق المهددة بالفيضانات، وعدم التساهل مع البناء في مجاري الوديان، وتهيئة مجاري الأودية وتنظيفها بانتظام، وعدم إهمال شبكة الصرف الصحي، والنظر في كيفية الرفع من القدرة التخزينية للسدود…
– مع غياب هذه المقاربة الوقائية الاستباقية، ومع حجم هذه التساقطات، فقد سارعت السلطات إلى إنذار الناس بضرورة أخذ الحيطة والحذر وهو أمر محمود أن يتم شرح الوضعية دون تهوين أو تهويل.
– لكن ما يجب أن يرافقه أيضا هو أن لا تكون دعوات إخلاء السكن مجرد أوامر أمنية تبرز حجم الارتجال في تدبير هذه الوضعية الكارثية، بل ينبغي فتح مراكز إيواء للناس الذين لا يجدون مأوى (لا أدري هل تنفع الثانويات، والمدارس، والجوامع… وما لست أدري)، مع تجهيز هذه الأماكن باحتياجاتها الأساسية التي تحفظ كرامة اللاجئين إليها مؤقتا، وتوجيه الساكنة إلى أماكن مرتفعة لركن سياراتهم.
– من نافلة القول أن هذه الوضعية الكارثية تجعل المواطن في وضعية الشريك الفعال وليس في موقع التعاطف البارد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وقد أثبت اهل القصر الكبير حجم التكافل الذي يطبع سلوكهم في مثل هذه الكوارث الطبيعية، ومن أمثلته اليوم: فتح الكثير لبيوتهم لاستقبال المهددين بأن تغمر دُورَهم المياه.
– نسأل الله السلامة والحفظ في الأرواح والممتلكات لأهلنا في القصر الكبير، وفي كل ربوع الوطن.