لماذا الجفاف يا عين؟
بقلم: الدكتور محمد السقا عيد
في عالمٍ يضجّ بالأخبار، وتتسابق فيه الشاشات لعرض المآسي، يقف العالم الإسلامي اليوم أمام اختبارٍ قاسٍ لضميره الإنساني قبل الديني. فما حدث و يحدث في غزة ليس خبرًا عابرًا، ولا رقمًا يُضاف إلى نشرات الإحصاء، بل جرحٌ مفتوح في جسد الأمة، ينزف منذ سنوات، ويشتد نزفه كلما ظننا أنه لم يعد يحتمل.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة مكلومة، بل مرآة تعكس حالنا جميعًا. أطفالٌ يولدون تحت القصف، وأمهاتٌ يودّعن أبناءهن بصمتٍ أثقل من الصراخ، وبيوتٌ تُهدم فلا يبقى منها سوى الذكريات. ومع ذلك، نقف نحن — إلا من رحم ربك — في حالة من الجمود الغريب؛ لا نحرّك ساكنًا، ولا ترتعش قلوبنا كما ينبغي، ولا تسيل أعيننا بالدموع إلا نادرًا. وهنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا الجفاف يا عين؟. وربما يكون التحدي الأخطر بعد توقف القتال هو أن يخفت الألم في قلوبنا قبل أن يندمل الجرح في أرض غزة، فهدوء السلاح لا يعني نهاية المأساة، بل بداية اختبارٍ أصعب لصدق الذاكرة وعمق المسؤولية.
هل اعتدنا المشهد؟ أم أن تكرار المأساة أفقدنا الإحساس بثقلها؟ أم أن المسافة بيننا وبين الألم جعلتنا نراه كأنه يحدث في عالمٍ آخر؟.
لقد علّمنا ديننا أن المؤمن إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، لكن الجسد اليوم صامت، كأن الشكوى لا تصله، أو كأن القلب لم يعد يسمع. صرنا نمرّ على صور الدمار مرور الكرام، نغيّر القناة، نغلق الهاتف، ونعود إلى تفاصيل حياتنا اليومية، وكأن الدم الفلسطيني لا يطالبنا بشيء.
إن أخطر ما يواجه الأمة ليس ضعف الإمكانيات، بل جفاف المشاعر. فحين تجف العين، يقسو القلب، وحين يقسو القلب، تموت المسؤولية. وغزة لا تحتاج فقط إلى مساعداتٍ مادية، بل إلى وعيٍ حي، وضميرٍ يقظ، وصوتٍ لا يخشى قول الحق، ودعاءٍ صادقٍ يخرج من قلبٍ مكسور لا من لسانٍ معتاد.
لسنا مطالبين جميعًا بأن نكون أبطالًا في ساحات القتال، لكننا مطالبون ألا نكون أمواتًا في ساحات الشعور. أن نحزن، أن نغضب، أن نتكلم، أن نُذكّر، أن نرفض الظلم ولو بكلمة، أن نربي أبناءنا على أن غزة ليست خبرًا بل قضية، وليست رقمًا بل روحًا.
فيا عين، إن كان الجفاف قد طال، فابكي… ابكي على أمةٍ نامت وجراحها مفتوحة، وابكي على صمتٍ طال أكثر مما ينبغي، وابكي لعل الدموع تُعيد للقلب حياته، فلعل أول طريق النجاة… دمعة صادقة.