حين يصبح اقتناء حبّة أناناس إنجازا يستدعي الفخر!(قصة قصيرة)
بقلم: عبد الهادي المهادي
ذات عشيّة من أواخر رمضان، خرجتُ لقضاء بعض الأغراض، مررتُ بسيّارتي وسط السوق، لأنّه لم يكن أمامي من سبيل آخر للوصول إلى مقصدي؛ كان ازدحامه شديدا، ولم ينقص سوى أن تقترب الشّمس من رؤوس العباد ليتحقّق تشبيهه بالوقفة المحشرية! كان الباعةُ ـ جميعهم ـ يرفعون أصواتهم بالنّداء على سلعهم، كلّ يُجمّل ما عنده بأسلوبه، كانت المعركة بينهم تُخاض على مستوى اللغة والمجازات والتشبيهات والاستعارات، ووحده “المراقب صاحب الأذن” سيستمتع بما سيسمعه، فإذا كان خبيرا في الخطاب والتواصل فقد كَمُلت “الحفلة السوسيولوجية والأنطروبولوجية”!
لو كنتُ راجلا لاستنجدتُ بما كنتُ أتقنه من مراوغات في كرة القدم، ولكن لا جدوى. استسلمتُ، وانتظرتُ تدحرج العجلات ببطء مُعذِّب.
فجأة، وكما القنّاص، وقع نظري على مشهد استيقنتُ بأنّه مُغر وواعد؛ شابٌ دون الخامسة والعشرين أو فوقها بقليل، طويل ونحيف، كان يرتدي لباسا رياضيا أنيقا غالي الثمن، وكانت قدماه بالكاد تغطّيهما تقاشير بيضاء قصيرة جدا، مما يرتديه شاب اليوم، وينتعل صندلا مخطّطا بالأبيض والأزرق، ماركة أديداس، أمّا شعره فوالله لقد أرهق الحلاق إرهاقا شديدا حتى استطاع أن يخطّه بتلك الطريقة؛ فكلّ بقعة من رأسه احتاجت إلى “درجة” مختلف في آلة الحلاقة؛ كانت جمجمته شبيهة بحقول ضيّقة متجاورة حُرثت في أوقات متباعدة، وحينما هطلت الأمطار، ونبت العشب، بان الفرق شاسعا.
تجوّل ببطء بين باعة الفاكهة، ولم يكن يهتمّ أبدا بمن سواهم من أهل الخُضر والأواني؛ وفي الوقت الذي كان يبحث فيه بحرص شديد عن شيء مُحدّد كنتُ أنا مُحاصرا بين السّيارات والرّاجلين. توقّفت حركة السيارات بشكل كامل، وهذا ما منحني فرصة التركيز في حركة الشّاب وتصرّفاته.
توقّف أمام كرّوسة، وامتدّت يده بأصابعها الدّقيقة إلى حبّة كبيرة من فاكهة الأناناس، وبدون أن يسأل عن الثمن مدّها إلى البائع، الذي وزنها بسرعة، ثمّ وضعها في كيس أخضر شفّاف. أمسك الشّاب بغنيمته بفخر، وتحرّك بين الجموع بزهو شديد.
وحينها فقط ابتسمتُ؛ ابتسمتُ لأنّني كنت مستيقنا بأنّه سيدخل بها إلى البيت، على والديه في الغالب، لأنّ سمته لا يوحي بالزّواج، سيدخل بها بفخر مَن حقّق إنجازا عظيما! قد أكون مُخطئا، ولكنّ شيطاني الأدبي، الذي يأبى أن يدخل الإسلام، وشوش لي بانطباعي هذا، وللأسف، فهذا الماكر نادرا جدا ما يُخطئ فيما يُوسوس به إليّ!