حين تعجز”الإنسانية”عن احتواء فظائع غزة
د. مراد شبوب
حين تعجز”الإنسانية” عن احتواء فظائع غزة
إعداد: د. مراد شبوب/ المغرب
مهتم بالأديان وقضايا التنمية
مقدمة
لطالما اعتُبرت “الإنسانية” قيمة كونية جامعة تعبر عن التعاطف، والرحمة، والتضامن، والكرامة المشتركة بين البشر، إلا أن الفظائع المتواصلة في قطاع غزة، خاصة سياسة التجويع الممنهج التي تطال المدنيين وعلى رأسهم الأطفال الذين لم يتبق منهم إلا هياكل عظمية، أظهرت أن هذا المفهوم قد فقد معناه الأخلاقي وقدرته التأثيرية على احتواء حجم الانتهاك والوحشية للإنسان سواء من يمارس القتل والتجويع، أو من يشاركه بصمته وحياده السلبي، في ظل تواطئ دولي مشين وعجز أممي صارخ، مما يستدعي إعادة النظر في صلاحية مفرداتنا الأخلاقية، وعلى رأسها لفظ “الإنسانية”، بوصفها حاملة لقيم لم تعد تجد ما يبرر وجودها في عالم من التجبر والوحشية واللامبالاة.
تجويع غزة، حين يصبح الرغيف جريمة
لا تقتصر الكارثة في غزة على مشاهد القصف والدمار، بل تتجسد أبشع صورها في سياسة تجويع مدروسة تستهدف المدنيين، وتحول رغيف الخبز إلى أداة قتل بطيء، في أحد أقسى أشكال الإبادة المعاصرة التي وثّقتها وسائل الإعلام وتقارير منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أطباء بلا حدود”؛ حيث لم يعد في غزة بشر يمكن أن نراهم، بل أشباح تمشي، وعظام مغطاة بجلد.
إن صور الأطفال الهياكل، والأمهات اللائي ينزفن بصمت ويرضعن أطفالهن الهواء، والشيوخ الذين ينتظرون الموت بلا دواء ولا طعام، وشهادات الأطباء عن موتى الجوع تحت الحصار، كلها تشكل مشاهد مأساوية تتجاوز الوصف، لا تقتصر على كونها جرائم حرب وإبادة جماعية فحسب، بل بوصفها انهيار أخلاقي لما تبقى من أي تعريف للكرامة الإنسانية، ويذكرنا بأسوأ لحظات الإنسانية حين يخون الإنسان نفسه.
تواطؤ دولي، من السلبية إلى الوحشية
ما يزيد الجريمة بشاعة هو الصمت المتواطئ للمنظومة الدولية، فالخطابات الخشبية لمجلس الأمن، وعجز المنظمات الحقوقية عن وقف المجاعة، لا يعكسان فقط ضعف النظام العالمي، بل الأزمة الأخلاقية للمرجعية الكونية التي تأسس عليها ما بعد الحرب العالمية الثانية، وسقوط “الشرعة الدولية لحقوق الإنسان” التي جسدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق المدنية والسياسية.
وهنا يطرح السؤال المحرج عن المدلول الأخلاقي لمفهوم “الإنسانية” في قاموس البشر اليوم، وعن جدوى الحديث عن “المشترك الإنساني” في عالم تواطأ مع الوحشية أو اكتفى بالتنديد اللفظي.
انهيار المفهوم، حين تعجز اللغة عن أداء دورها الأخلاقي
بالنظر إلى الواقع الراهن، يتضح أن لفظ “الإنسانية” لم يعد قادرا على أداء وظيفته الأخلاقية، فقد أصابه التآكل دلاليا وأخلاقيا، وتحول إلى مصطلح يستعمل لتجميل التقارير الأممية بدلا من أن يوقظ الضمائر ويستنهض الوعي؛ فاللغة، التي تُعد انعكاسا للضمير لا مجرد أداة للتواصل، تتحول إلى قناع يُخفي برودا وحيادا قاتلا، حين تنفصل مفرداتها عن وعي الضمير والالتزام في السلوك؛ ينبه الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق) إلى أن “الإنسان ما خلق إلا ليتخلق، وأنه لا يكون له من الإنسانية إلا على قدر ما له من التخلق الذي من أجله خلق، بحيث إذا قام بشرطه على تمامه، حقق الإنسانية فيه، وإذا تركه سقط إلى رتبة البهيمة”.
ومن ثم، فإن الحديث عن قيم مثل “الإنسانية” في الحداثة الغربية دون مراجعة جذرية تعيد صياغة المنظومة الأخلاقية، لم يعد إلا ضربا من العبث، فإعادة بناء مفردات الأخلاق غدت ضرورة حضارية ملحة، لا مجرد ترف فكري أو لغوي.
نحو مفهوم بديل للإنسانية
في ظل الفشل القيمي لمفهوم “الإنسانية” تبرز الحاجة إلى صياغة مفهوم جديد، يربط الإنسانية بالفعل الأخلاقي لا بالانتماء البشري البيولوجي؛ هذه المفارقة تُعيدنا إلى ما يحيل إليه الخطاب القرآني من صفات سلبية عن الإنسان حين يذكر بصيغة مطلقة، منقطعة عن هدي الوحي الإلهي، منها:
صفة الهلع والجزع التي تشير إلى هشاشة الإنسان الطبيعي في مواجهة الشدائد، وسرعة تقلبه بين الأنانية والجزع، مما يجعله عرضة لأن يسلك سلوكا غير متوازن أخلاقيا، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19–21]، ومنها قابلية الإنسان لوصف الظلم والجحود عند تجرده عن الإيمان، وهي صفات تدمر مبدأ “الإنسانية” في بعدها الأخلاقي والحقوقي، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]، ومنها الطغيان عند الاستغناء وهي صفة كامنة في الإنسان، تُستفز عند الشعور بالقوة والهيمنة والترف، وهو ما يفسر كيف يُمكن لأمم تدّعي الحداثة وحقوق الإنسان أن تتحول إلى كيانات استعمارية قاتلة إذا استغنت ماديا أو عسكريا، يقول الحق تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6–7].
انطلاقًا من هذه الدلالات القرآنية، يتضح أن “الإنسانية” حين تُفصل عن الإيمان والتزكية، تُصبح خطابا أجوف لا يحمل مضمونا أخلاقيا حقيقيا، بل قد يُستعمل لتبرير الظلم تحت غطاء أخلاقي، وهو ما يدعو إلى الاستعاضة عن اللفظ الذي فقد معناه بمفهوم أكثر أصالة وصدقًا، يتضمن البعد التوحيدي والوجداني معا، ويجسد علاقة العبد بربه، وعلاقة الخلق ببعضهم البعض على أساس واجبات التراحم التي يقتضيها الاشتراك في “الرحم الآدمية”، مفهوم يستعيد الفعل الأخلاقي في المجال الإنساني، ويرتقي به من “الإنسانوية العلمانية” إلى إنسانية مؤمنة رحيمة، مسؤولة أمام الله، ومتصلة بأفق الغيب.
خاتمة: من نقد المفهوم إلى مساءلة الضمير
إن ما يحدث في غزة ليس فقط مأساة إنسانية، بل هو مأزق لمفهوم “الإنسانية” ذاته؛ إنه اختبار قاسٍ يكشف زيف الشعارات، وتهافت الادعاءات، ويطرح بإلحاح السؤال الأخلاقي: ماذا يعني أن نكون بشراً في عالم يسمح بتجويع الأطفال على الهواء مباشرة؟
إنه سؤال لا يبحث فقط عن إجابة لغوية أو فلسفية، بل يستنهض ضميرًا عالميًا نائمًا، أو ربما مات.