منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حين حجّت غـــ..ــــزة نيابةً عن أبنائها الممنوعين من الحج

ذ. عبد الصمد فتحي

0

حين حجّت غـــ..ــــزة نيابةً عن أبنائها الممنوعين من الحج

بقلم: ذ. عبد الصمد فتحي

أراد الكيان الصـــ..ــــهيوني أن يحرم أهل غـــ..ــــزة من الحج، فأغلق في وجوههم السبل، وقطع عليهم الطريق إلى البيت العتيق، فلم يفد منهم أحد إلى مكة، ليحرمهم من أداء المناسك ومن احتضان الأمة لهم في موسمها الأعظم، في الشهر الحرام الذي تُصان فيه الدماء والحرمات. غير أن المحتل، الذي لا يعرف للحرمة قداسة، ولا للعهد وفاء، لم يدرك أن منع الغزيين من بلوغ البيت الحرام لا يحرمهم أجر الحجيج، بل لعلهم أدركوا من معاني الحج ومقاصده ما لم يدركه كثير ممن بلغوه. وكيف لا، وغـــ..ــــزة قد أقامت مناسك الحج نيابة عن أبنائها، بل ونيابة عن أمة أثقلتها الجراح، وقيدتها الحدود والأسوار؟

وكيف لا، وهي المحاصرة التي تحولت إلى قبلة لأحرار العالم، يشدون إليها الرحال برا وبحرا، لا طلبا لدنيا ولا سعيا وراء متاع، بل لكسر حصار أراد له الظالمون أن يكون قدرا، فأبى الأحرار إلا أن يجعلوا منه قضية، وأبى الله إلا أن يجعل منه امتحانا للضمائر وميزانا للمواقف.

وكيف لا تكون قد حجّت، وقد أقامت مناسكها بإخلاص وصدق وإقبال قل نظيره؟

فإحرامها كان أكفان شهدائها، تُزفّ في مواكب متتابعة نحو السماء، فاكتست غـــ..ــــزة البياض، وإن خضبته دماء حمراء طاهرة، هي حمرة القلب المؤمن النابض بالحياة واليقين.

وأما هديها وذبيحتها، فكانت ما قدمته قربانا من فلذات أكبادها ودماء أبنائها الزكية. قدمت عشرات الآلاف من الشهـــ..ــــداء قربانا بين يدي ربها، فقدم الآباء أبناءهم، وقدم الأبناء آباءهم، وودعت الأمهات فلذات أكبادهن، واحتسب الأزواج أزواجهم، وكلهم يرفعون أكف الضراعة وقلوب الرضا قائلين: الله أكبر، الله أكبر، هذا منا يا رب حتى ترضى.

وأما تلبيتها، فلم تكن ألفاظا تتردد على الشفاه، بل كانت موقفا وثباتا وصبرا ويقينا. لبّتها القلوب قبل الألسن، والجوارح قبل الكلمات، ولبّاها الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، ولسان حالهم جميعا: لبيك اللهم لبيك، لبيك وإن أثخنتنا الجراح، لبيك وإن ضاق بنا الحصار، لبيك وإن تكالب علينا الأعداء، لبيك وإن خذلنا العالم، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

وأما التكبير، فقد تعالى في سمائها نداءً، وتجسد على أرضها فعلا، حتى أرت العالم كيف يكون الله أكبر في قلوب أبنائها من جبروت المحتل، وأكبر من طائراته ودباباته، وأكبر من حصاره ونيرانه، وأكبر من كل قوة توهمت أن بإمكانها كسر إرادة شعب آمن بالله واستمسك بحبله.

وأما السعي، فقد سعاه أبناء غـــ..ــــزة بين شمالها وجنوبها، فرادى وجماعات، جوعى وعطاشى، يحملون أرواحهم على أكفهم، ويشقون أرضهم المكلومة بحثا عن مأوى آمن، أو جرعة ماء، أو لقمة حياة، في سعي لا بين الصفا والمروة، بل بين الركام والدموع، وبين الخيام والأطلال.

وأما رجم الجمار، فقد رجم أبطالها الشيطان الأكبر براجمات الصواريخ وقاذفات الشواظ، ورجمت نساؤها وأطفالها شياطين الإنس الصامتين عن الحق بما قذفوا به في وجوههم من عار أخلاقي وفضيحة إنسانية كشفت زيف دعاوى الحرية وحقوق الإنسان.

وأما الوقوف بعرفة، فقد وقفت غـــ..ــــزة كلها على صعيد واحد؛ لا فرق بين قائد وجندي، ولا بين غني وفقير، ولا بين رجل وامرأة. جمعتهم المحنة ووحدتهم القضية. فعرفوا الله في الشدة كما يُعرف في الرخاء، وعرفهم الله بصدق التلبية والثبات، وعرفهم العالم بصمودهم الأسطوري، كما عرف العالم نفسه في مرآة عجزه وخذلانه، إلا من بقي من الأحرار أوفياء للحق والإنسانية.

وإذا كان الحجاج يطوفون حول الكعبة سبعة أشواط، فإن غـــ..ــــزة قد طافت منذ السابع من أكتوبر في طـــ..ــــوفان الأقـــ..ــــصى، حول معاني الفداء والتضحية والجـــ..ــــهاد والصبر، في طواف لم ينقطع لأكثر من سبعمائة يوم، قدمت خلاله سبعين ألف شهـــ..ــــيد. لقد طافت أرواح أهلها بالبيت العتيق شوقا وحنينا، وطافت أجسادهم حول الأقـــ..ــــصى رباطا وذودا وفداء، دفاعا عن الأرض المباركة التي يفتدون كل ذرة من ترابها بالأرواح والدماء، ويقبلون ثراها لا تعظيما للحجر والتراب، وإنما تعظيما لمن بارك الأرض ومن حولها، وإجلالا لقدسيتها التي أودعها الله فيها. فلا يرضون التفريط في شبر منها، ولو كان ثمن الثبات عليها المهج والأرواح، ولا يساومون على حبة رمل من ثراها ولو سالت في سبيلها بحار من الدماء. وهم يرددون بلسان الحال قبل المقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

وفي كل جولة من جولات هذا الطواف الممتد، كانت غـــ..ــــزة تجدد العهد مع الله، وتكتب بدماء أبنائها أن للأرض المباركة رجالا يحرسونها، وأن للأقـــ..ــــصى أمة قد تنام، لكنها لا تموت، وقد تُخذل، لكنها لا تستسلم.

فكيف لا يتقبل الله تلبية امتزجت بالدمع والدم، وبالصبر والألم، وباليقين والثبات؟ وكيف لا يتقبل من قوم جعلوا من آلامهم عبادة، ومن صمودهم شهادة، ومن تضحياتهم قربانا يتقربون به إلى الله؟ وكيف لا يتقبل من شعب أثبت للعالم، في كل يوم من أيام محنته، أن غـــ..ــــزة ليست مجرد أرض تقـــ..ــــاوم، بل روح أمة تأبى أن تموت، وقبلة أحرار ما زالوا يؤمنون أن للحق رجالا، وأن بعد العسر يسرا، وأن مع الدم المراق فجرا يوشك أن يولد؟

وكيف لا يتقبل الله منها، وقد علّمت الأمة من جديد أن الكعبة قبلةُ الصلاة، وأن الأقـــ..ــــصى قبلةُ الجـــ..ــــهاد والرباط، وأن طريق تحرير المقدسات يُعبَّد بالتضحيات والبذل، والسعي القاصد في دروب الحق، والوقوف الدائم بين يدي الله صدقا وتضرعا، والرجم المتواصل لشياطين الإنس والجن مقاومة ومجاهدةً، والطواف الشامل على خصال الخير وشُعب الإيمان عدلا وإحسانا.

وكيف لا يتقبل الله من قوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فجعلوا من آلامهم عبادة، ومن صبرهم رباطا، ومن دمائهم نورا يهدي الحائرين إلى طريق العزة والكرامة.

فعسى أن يُفيض الله عليهم من واسع فضله، وأن يرويهم بعد ظمأ الحصار من معين نصره، وأن يسقيهم وإيانا من يد نبيه ﷺ شربة هنيئة مريئة من حوضه الشريف، لا نظمأ بعدها أبدا، يوم يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.