منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حين يصير الدم بوصلة… ولا يضلّ الطريق

حين يصير الدم بوصلة… ولا يضلّ الطريق/ د. ابراهيم بومسهول

0

حين يصير الدم بوصلة… ولا يضلّ الطريق

بقلم: د. ابراهيم بومسهول

في تلك الليلة التي ثقل فيها الهواء، لم تكن غزة نائمة، كانت تُصغي.

تصغي لخطواتٍ تعرفها، ولأنفاسٍ مرّت من هنا مرارًا، وحفظت الأمكنةُ أسماءَها دون أن تُكتب. كان الليل مشدودًا إلى السماء كوترٍ ينتظر ضربة، وكانت الأرض تتهيأ لتقول كلمتها القديمة: هنا رجالٌ إذا عاهدوا، صدقوا.

لم يكونوا قادمين من صورةٍ واحدة، ولا من سيرةٍ قصيرة.

كانوا أبناء زمنٍ طويل من الصبر، خرجوا من مدارس الفكرة، ومن خنادق الإعداد، ومن ليالٍ لا تُحصى من الحساب الدقيق. خمسةٌ، لكنهم في المعنى جسدٌ واحد، إذا تألم طرفٌ منه، انتبه القلب كلّه.

الأول:  كان يعرف الطريق قبل أن يُرسم.

يحمل في صدره خرائط لا تراها الأقمار، ويقرأ موازين القوى كما يقرأ الفجرُ جهة الضوء. لم يكن يبحث عن مواجهةٍ عمياء، بل عن لحظةٍ صادقة، حين يلتقي الحقّ مع القدرة. كان يقول: «النصر لا يُستعجل، يُحضَّر«.

والثاني: كان حارس الجنوب، لا لأن الجنوب جهة، بل لأنه اختبار.

هناك، حيث يظن العدوّ أن الخاصرة رخوة، كان الرجل صلبًا كجذع نخلة. يعرف الناس باسمه، ويعرفهم بوجوههم. إذا اشتدّ الحصار، اتسع صدره، وإذا ضاق الأفق، فتح نافذةً من ثبات.

أما الثالث: فكان صديق الحديد.

يفهم لغته، ويعيد ترتيب صمته ليصير فعلًا. لم يكن يرى في السلاح غاية، بل أداةً في يد فكرة. كان يقول: «القوة أخلاق قبل أن تكون معدنًا»، ويغادر الورشة إلى الصلاة كما يغادر الصلاة إلى الورشة، دون أن ينفصل المعنى.

والرابع: كان صانع الاحتمال.

ينفخ في الشرارة حتى تصير قدرة، ويحوّل النقص إلى ابتكار. لا يرفع صوته، لكن أثره كان عاليًا. يعرف أن المعركة ليست فقط في الميدان، بل في النفس الطويل، وفي القدرة على الاستمرار حين يظن الآخر أنك انتهيت.

أما الخامس: فكان صوتًا يمشي على قدمين.

لا ليشرح، بل ليُثبّت. يقول للناس ما يعرفونه، لكنهم يحتاجون أن يسمعوه وقت الشدّة: «لسنا وحدنا… ولسنا طارئين على هذا الطريق». كان صوته جسرًا، يعبر عليه الخوف ليصير طمأنينة.

اجتمعوا على معنى واحد:

أن القدس ليست خبرًا، وأن الأقصى ليس شعارًا، وأن فلسطين لا تُختصر في صورة.

وحين جاءت الساعة، لم يسألوا: لماذا نحن؟

قالوا: لأننا ننتظر منذ زمن.

سمّوا المعركة طوفانًا، لا لأن الماء يغرق، بل لأن الحقّ إذا فاض، كشف العورات.

وفي الطوفان، لا ينجو من كان عاليًا فقط، بل من كان ثابتًا.

تشقّقت صورة القوة الزائفة، وظهر العدوّ هشًّا كما الزجاج حين يواجه الحقيقة بلا وساطة.

وحين ارتقوا، لم تسقط الحكاية.

سقطت الأجساد، نعم، لكن الاتجاه بقي واقفًا.

غابوا عن النداء اليومي، وحضروا في كل نداءٍ قادم.

صار كل واحدٍ منهم مدرسةً بلا جدران:

في القيادة،

وفي التخطيط،

وفي الإخلاص الذي لا يطلب شهادة.

قالوا: بالاغتيال نُنهي الفصل.

فأجابت المدينة: بالدم الصادق نفتح كتابًا جديدًا.

قالوا: سيصمت الصوت.

فردّت الأزقة: الأصوات إذا صارت معنى، لا تُغتال.

في البيوت، لم تُعلّق صور حدادٍ فقط،

بل عُلّقت وصايا غير مكتوبة:

أن الطريق طويل،

وأن الثبات عبادة،

وأن النصر ليس موعدًا، بل مسارًا.

وفي الليل التالي، لم تبكِ غزة كما يتوقعون.

رفعت رأسها، وعدّت أبناءها، ثم قالت:

هؤلاء أحياء، لأنهم تركوا لنا ما نكمل به السير.

هكذا صار الدم بوصلة.

وهكذا لم يضلّ الطريق.

وهكذا بقي الفصل الأخير مفتوحًا على جملةٍ واحدة، لا تتغيّر:

جهادٌ… إمّا نصرٌ،

وإمّا استشهاد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.