بسم الله الرحمن الرحيم
إنه لمِنْ أفجع الفواجع وأعظم الخطوب أن يرفع الله تعالى إليه سُترَةً كانت تقي المهالك، وموردا سيّالا للخير وللفضل على عبده. ولعلّ من أعظم هذه المنن وأجلّها تلك الأمّ التي جعلها الله سببا لرحمته وسرّا من أسرار كرامته ومشفَّعة في ردّ نقمته. لكنّ هذا الأمر الجليل يقف أمام يقيننا ونحن المتدثرون بالحاجة والفقر إليه سبحانه أن ربَّنا عز وجل تعالى الحليم اتصف لنفسه بالرحمة اللامتناهية والمنّ المتواصل والكرم الدائم، صفات قصرت عقولنا والأفئدة عن لثْم سواحلها بله أن تنفذ إلى حقيقتها وكنهها.
وأثناء جلالة موقف الرحيل وعظمته وبين لوعة الفراق وألمه تتراءى ألطاف رحمة الكريم ومنِّه، فتأبى المبشرات إلا أن تصل تترى غيبا وشهادة، وترِدُ الأدعية والابتهالات المواسية من القلوب الطاهرة غيثا من السماء، وتصل الختمات القرآنية لتربط على القلوب فيضا سيّالا من أبناءٍ وبناتٍ لم تلدهم تلك الأم المرحومة، وإنما جمعتها بهم رابطة قلبية ملؤها الحب في الله وصفاء السريرة وسماحة الطبع.
فما سرّكِ بينكِ وبين ربّك كيْ يصطفيك بريئةُ يوم البراءة مبشّرةً ليلة الجمعة شهيدةً زمن الحجر. وماذا بينك وبين ربك حتى تلتف الأنام الصائمة والقلوب المتبتلة على روحك الطاهرة وينعيك أهل الله ممن تعرفين وتجهلين ويثبّتك الله إلى آخر لحظات الدنيا الفانية؟
هل كان سرّكِ هو صبر الجبال على ابتلاء عظيم في فلذة كبدٍ معاق الجوارح عليل الجسد، وحرص على رعايته قرابة عقدين من الزمن صبرا جميلا واحتسابا للأجر دون ضجر أو تشكٍّ إلاّ للخالق سبحانه؟
هل هو صدق محبةٍ لمصحوبٍ زينتها التعظيم والاتباع، ودوامُ بذلٍ في سبيل دعوته حتى طرقتِ أبوابها وأدركتٍ جوهرها بفطرةٍ نقية وقلب موقن، وكنتِ فيها مهاجرة في صفِّ المؤمناتِ حتى لم يبق بيت في زقاقك وحيك لم تدخله آية العدل والإحسان. ويا جلال شوقك لمحاضن التربية والإيمان وسبْقِك للحضور في مواقف الجهاد دون تعذّر أو تخلف.
أم يا تُرى سرُّك في تعظيمك لأخواتك ولخلق الله أجمعين كبيرهم وصغيرهم غنيهم وفقيرهم، فلم تريْ لنفسكِ فضلا على النّاس ولم تحدثك يوما بالانتصار لها، وإنما كان ديدنكِ تفويض تامّ لله المنّان. أم هو بَذلكِ وإنفاقك من دمك ولحمك ودريهمات وكسوة لم تكوني في غنى عنها.
وقد يكون هو ذِلّتكِ على المؤمنين وعزّتكِ في مواقف الشّرف، وأذكركِ حين وقفت في وجه فيالق الفرقة الوطنية وقد اقتحموا منزلنا وهتكوا حرمته صارخة: “إنه ليس لصا أو مجرما لتفعلوا فعلتكم هذه”، وكنت للمعتقل نعم المعين بالاحتضان والتثبيت والابتسامة الصادقة.
أمْ يا ترى هو رضاكَ بأقدار ربّك حين نزلت الأمراض الفتّاكة بجسمك النحيف قرابة ثلاث سنين، وعجز الطبيب والدواء فقابلتِ الألَمَ بالصبر والمعاناة بالرضى، ولم تقعدك الأمراض عن تبتّلك وقيامك وذكرك، وكانت لازمة قولك: “اللهم هون عليّ حتى لا أَضجر من ابتلائك حتى ألقاك وأنت راض عنّي”. فكانت الكرامة أن من الله عليك بعمرة بعد حجة لتأنسي بربك ومواساة حبيبك صلى الله عليه وسلم.
وأخيرا على روحك الطاهرة السلام وأقر عينك بحبِّك نبينا صلى الله عليه وسلم، في جنات الخلد بإذن الله الكريم حيث النعيم المقيم فلا ألم ولا سهر ولا كدر. ورجاؤنا في الكريم الذي إذا بدأ أتمّ أن يجعل روحك فرطا لنا رفقة أولياءه عز وجل، وبارك الله لنا في أثرك وذكراك لتكون موردا يروي لهفتنا وينير دربنا.
رحمها اللّٰه تعالى رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته،اللهم أكرم ضيافتها يا كريم
تغمدها الله بواسع رحمته وأسكنها فسيح جناته
وانا لله وانا اليه راجعون