منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سدرة العافية

0
هل كان تكرارها عن نسيان أم عن توكيد؟
هذه القصة لطاما حكاها لي والدي وأعادها على مسامعي بشكل مقتضب وجيز أحاول اليوم حكيه لنفسي أولا.. ولمن يقرأ، فقد قيل: ما كُتِب قرَّ وما حُفِظَ فر!
كان يا ما كان.. أنه ترافق رجلان..
انطلق زيد وعمرو في سفر سيرا على الأقدام، لا ندري في أي زمان، والمكان لا يهم. قد يكون ذلك موغلا في غابر التاريخ وقد يكون الآن، الآن، فما برح الانسان يشد الرحال وحيدا مكتفيا برفقة نفسه لنفسه أو في رفقة غيره وقد قيل الرفيق قبل الطريق والجار قبل الدار ولا تجدي مع القضاء النازل شجاعة المغوار. مع أن الشجاعة قدر من القدر وللجيلاني حظ منها وافر إذ يقول “العارف هو من يصارع أقدار الحق بأقدار الحق للحق!” لا لغرض النفس وحظوظها..
حين تنصاع لك الأقدار تباعا وفي اطراد وأنت فقط في غرض نفسك وغشاوة غفلتها فاحذر الاستدراج..
انطلقا حتى وصلا صحراء لا ندري ولا تذكر القصة إن كان عليها نزاع أم لا، كحال صحاري العرب منذ القديم. وحتى إن كان فإن المتنازعين لم يكونوا يظهرون في بحر رمالها وسهوبها  المترامية، وأنى لهم وهم صغار الحجم، مهملون، غير ذوي طول ولا عرض، كحبات الرمال. يموت المتنازعون ويمضون وتبقى أحاديث نزاعهم على الرمل الذي سقته دماؤهم ووارى أجسامَهم وأكلت ملوحته لحمهم ونخرت عظمهم دون طائل وقد يوَرِّثون أضغانهم قوما آخرين..
بلا منازع اقتحم الرجلان الصحراء بزاد مهما كثر فهو قليل وبماء مهما توفر فهو يسير بالنظر إلى عطش الرمال الأبدي المحيط وجوعها. كان زيد جادا يريد الوصول بأخصر الطرق وكان عمرو فيه شيء من لهو يصل حد الاستهتار. لم يكن يستعجل الوصول آمنا من غوائل المسير ومن أن الصحراء قد تقتل بنيران صديقة وحرٍّ صديق وعطشٍ صديق وتيهٍ صديق في فيافيها..
كانت الطريق ذلولا في البداية إذ غالبا ما يُسعف الحظ المبتدئ، لكن ما إن توسطوها حتى بدت بعض كثبان الرمل الماكرة الزاحفة. ساروا على جانبها دون الدخول في أمواجها الواقفة. إلى حين. ثم ما لبث أن هبت ريح شديدة اضطرتهم للتمسك بنخلتين كأنما ساقهما القدر ونصبهما عاصما من الرمل ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم. استمسكا بجذعي النخلتين، بينما الريح تنقل كثيب الرمل تِجاههُما وتراكمه وتكدسه عليهما رويدا رويدا، كأنما وقعا في الحجرة السفلى لساعة رملية، فلم يتبق منهما ظاهرا إلا الرأس. وسكنت الريح. صارا دفينين في رمال دافئة ملتصقين بجذعي النخلتين وجها لوجه. لو كانا في مرزوﯕة لهان الأمر ولقالا بها ونِعمتْ. بالشفاء والعافية من التهاب المفاصل والبرد وعِرق النَّسا وما شئت. لكن متعة مرزوﯕة هي أن تأتيها أنت لا أن تأتيك هي وتعجَلَ عليك وتعاجلك..
كان زيد صامتا يتأمل القدَرَ النازل ويبحث فيه عن تأويل الأحاديث، بينما عمرو لم يفتأ يضحك مما بدا له وجوما على وجه صديقه ومن صمته أمام هول ما وقع. هل مِن يد عملاقة ستمتد لتقلب الساعة الرملية فتنزاح الرمال عن جسديهما ليكملا السفر أم هو الموت صبرًا. ما لبثا أن هبت ريح من جديد، أخفَّ من الأولى، بالقدر الذي تحرك غثاء الفلاة وما خف وطاش. مكثت تهب حتى أتت بشبكة من عروش رقيقة من شجرة سِدر خاوية تتدحرج وتتدحرج في اتجاههما. زيد كان يسأل الله اللطف من قرب تلك الرزمة الشائكة، وعمرو لا يفتأ يضحك وقد بدا له اتجاه الريح وعلم أنها قاصدةٌ رأس صاحبه حتى تلبست فعلا بزيد – الزغبي بادي الرأي –  كالخوذة وغطته جميعا وزادها ثباتا تعلقها بنتوءات جذع النخلة جارة الوادي ولبثت هناك. اختفى وجه زيد وراءها ولم يعد يُسمع إلا أنينه الخافت الصابر المحتسب كلما تحركت ذات اليمين أو ذات الشمال وهي تحدث خدوشا في خديه وجبهته. أما عمرو فكان سادرا في ضحكه من صديقه الذي زاده شوكُ السِّدر محنةً إلى محنته..
ورب محنة في طيها منحة!
مضى زمن غير يسير وهما على تلك الحال وعمرو لا يفتر من ضحكه واستخفافه حتى بدا في أفقهما السماوي طائر قد لفَتَهُ سوادهما في أفقه الأرضي. لما وصل مكانهما لم يجد لزيد سبيلا وأتعبه الحومان حول شبكة السدر التي انقلبت ذِرعا واقيا بلطف لطيف، ثم ما لبث الطائر أن التفت فوجد وجه عَمْرٍو الضحوك اللعوب بارزا متبرجا يقول لمنقاره الجائع الجارح هيتَ لك. فما كان إلا أن اقترب منه وأخذ ينقر في كل مكان ومن كل مكان ويقتات من لحم الرأس مُزَعا مُزَعا حتى تعرت الجمجمة، وعمرو لا يستطيع الدفاع عن نفسه وقد صار ضحكه صراخا وبكاء ونحيبا واحتضارا..
حين مرت قافلة – إذ لا بد أن تمر قافلة كما تقتضي القصص والعِبر – وسمعوا أنينا تحت كومة سدر، هرعوا للمكان واستخرجوا الرجل المنهك المخدوش وحملوه إلى بر الأمانْ، وأهالوا التراب على صاحبه وصَلَّوْا عليه حيث كانْ..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.