استقبال العام الجديد؛ محاسبة للنفس وتجديد للتوبة.
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي
أولا: الاعتبار بمرور الأيام:
أمرنا الله تعالى بالاعتبار في كل شيء، فقال سبحانه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾. (الحشر:2). ومع بداية عام جديد يجمل بنا التذكير في أن نعتبر فيما مضى من أيامنا، وأن يكون لنا منهجٌ سليم وخطوات مدروسة فيما يتعين علينا فعله ونحن نستقبل هذا عاما جديدا.
لذا يتبغي أن نتفكر في الأيام والليالي التي مضت من عُمرنا؛ فإنها مراحل نقطعها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم وإنّ كل يوم يمر بنا، بل كل لحظة تمر بكم فإنها تبعدكم من الدنيا وتقربكم من الآخرة وإن هذه الأيام والليالي خزائن لأعمالكم محفوظة لكم شاهدة بما فيها من خير أو شر، فطوبى لمن اغتنم فرصها فيما يقربه إلى الله، وطوبى لعبد شغلها بالطاعات واجتناب العصيان وطوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال قال تعالى ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. (النور:44).
كما أن محاسبة النفس أمر ضروري، تعود بالنفع على صاحبها في الدنيا والآخرة، وهكذا كان هدي الصحب الكرام والتابعين والسلف الصالح، يقول الحسن البصريرحمه الله: “إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته”. والنبي صلى الله عليه وسلم يحث على محاسبة النفس فيقول : (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله)[1].
إن المؤمن الكيس الفطن يسير في الدنيا ويسعى في فكاك رقبته، فلا يأمن شيئا من هذه الدنيا حتى يلقى الله تعالى وهو عنه راض، ويعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، ومحاسب على كل ذلك.
ثانيا: أقوال الصالحين في محتسبة النفس على ما مضى.
– قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم” مذكراً بقول الله عز وجل: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} (الحاقة:18)، أي تعرضون على الله تعالى، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر.
– قال ميمون بن مهران: “لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه”، ولهذا قيل : النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك.
– قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يا ابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك).
– قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله و إنا إليه راجعون.
– قال الحسن البصري: المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
– قال الفضيل: إن من علم أنه لله عبد وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف، فليعلم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابا، فلما سئل ما العمل؟ قال: “تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي، أُخذت بما مضى وما بقي والأعمال بالخواتيم”.
ثالثا: كيف نستقبل العام الجديد؟
أول ما نستقبل به العام الجديد؛ هو التوبة والاستغفار، وتجديد العزم على اسغلال الوقت في العبادة والطاعة وكل أعمال البر.
1- الاستفادة مما مضى:
فقد أنّب الله تعالى الكفار لما أعطاهم العمر المديد، فلم يستفيدوا منه، فقال عز وجل: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. (فاطر:37).
2- التوبة والعزيمة الصادقة:
حيث نعزم على استغلال أيام هذا العام ولياليه في فعل الخير ونفع الناس، إنّ اتصاف المرء بالعزيمة والطموح في ضوء نور معرفته لهدفه وسبيله، هو أقوى ما يمكن أن يتصف به المسلم الفاعل والمؤثر، والمؤمن الكيس الفطن، فالعزيمة تدفع وتقوّي، والطموح يُبشّر ويتفاءل، لأن الكثير من المتساقطين في هذه الحياة إنما يعود سبب سقوطهم لضعف عزائمهم وصدق الله إذ يقول: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.(آل عمران: 159).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يثبته على ما تحقق من إنجاز، وأن يعطيه العزيمة على إكمال السبيل، سائلاً ربه أن تكون عزيمة رشيدة نافعة حكيمة. وكان عليه الصلاة والسلام يُـقـوي العزائم في نفوس أصحابه وأمته، وحاول أن يجعل لهم طموحاً متدرجاً نحو معالي الأمور، وكان كثيراً ما يقول في صلاته هذا الدعاء “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.
3- اغتنام الأوقات بالطاعات:
فقد مدح المؤمنين، لأنهم استفادوا من أعمارهم، واغتنموا أوقاتهم، فقال عز وجل: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (الحاقة: 24)، فمدح هؤلاء؛ لأنهم اغتنموا الأيام الخالية، اغتنموا العمر في طاعة الله تعالى، وهذا المبدأ مهمٌ للغاية – أيها الأحبة – أن يعلم الإنسان قيمة عمره وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه (لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).
خاتمة:
إن الحكماء من الناس يتبصرون في مضي الدقائق والساعات والليالي والأيام، والعقلاء يعتبرون بما فيها من مواعظ وأحداث، فيجددون التوبة، ويقررون استغلالها فيما ينفعهم، فإن كل ماضٍ قد يُسترجع إلا العمر المنصرم، فإنه نقص في العمر، ودنٌّو في الأجل.
روى الإمام أحمد عن وهب أنه قال: مكتوب في حكمة آل داود : “حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب”.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله : “حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته، وشغله أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة”.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – الحديث رواه البيهقي والترمذي وابن ماجه.