منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالعاشر – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزءالعاشر – (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

د.فاطمة الزهراء دوقيه

وما زالت حركات الصلاة وهيئاتها التي علمت ألا يمكن أن تكون أشكالا وقوالب فارغة من المعاني، بل هي أفكار وقيم، وبلاغات وتدريبات للحياة والرسالة ..

الركوع والسجود ..

هيئتان مهيبتان في صلاتك لله

في الركوع خفض للرأس وجزء من الجسم، ينحني معه جزئيا بالشكل الذي تعلمه..

وفي السجود، خفض كامل، انحناء وهوِّي الجسم كليا بالشكل الذي تعلمه ..

هي علامات للخضوع والاستسلام، وإقرارات بالافتقار والاحتياج، وتدريبات على الانضباط بالقيود والحدود، والأهم: تشكُّلٌ على حفظ المقامات: مقام الربوبية والألوهية؛ مقام العلي الغني القاهر فوق عباده، ومقام العبودية؛ مقامك أيها المخلوق الفقير إلى ربه ..

يا عبد الله .. ركوعك وسجودك يدربانك على الالتزام بحدودك وقيودك، ويذكرانك بالعهد الذي بينك وبين من هو القاهر فوقك..

يدربانك أن تحفظ لقبك فلا تنساه، وأن ترجو لله وقاراً فلا تغفل، ولا تفسد ولا تطغى، لأنك حين تكون في حالة القيام والنهوض، حالة النشاط والقوة، وما يتبعها من إنجازات ومتحققات، قد تتوهم أنك استغنيت:﴿كَلَّاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَیَطۡغَىٰۤ* أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰۤ﴾ العلق:٦-٧، وقد حذرك أن تقول كما قال قارون:﴿قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚأَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰا﴾ القصص:٧٧-٧٨. تأمل قوله:﴿إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤ﴾، لا بد أنه يشعر بالاستغناء بما عنده من علم.

وفي موضع آخر قوله تعالى:﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَـٰهُ نِعۡمَةࣰ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِیَ فِتۡنَةࣱ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ الزمر:٤٩، يا لغرور الإنسان بعقله، وهو أول المعترفين بالعجز والحدود، حين يحني الرأس في الركوع!! ..

هنا يطرح التساؤل لم تركز هذه الهيئة على الرأس بالذات؟؟ ليتوصل صاحبه إلى أن القضية متعلقة بما يرمز إليه، في شيء يستخدم العدة الموجودة داخل هذا الرأس، يكون مما هو أعمق من أن يحد بالرأس .. إنه “العقل”!!! أهم ما في الإنسان، وأكثر ما يميزه من غيره من المخلوقات، يعلن عبر الركوع، أنه خاضع لله.. هذا العقل لا يمكنه أن يركع إلا لله، لأنه ببساطة يمكنه أن يسبر أغوار الكون كله، والمخلوقات كلها، يفتح أسرارها كلها، ويغوص في أعماقها، ينقب في مغاورها وفي مجاهلها.. كل كتاب مغلق يمكن أن يفتح بواسطة هذا العقل.. لا حد لهذا العقل، إلا حد واحد، يقف عنده: هنا لا أستطيع أن أعمل، هنا لا أستطيع أن أفتح ما هو مغلق، هنا لا مجال لي ولا أدوات.. إنه ذلك الغيب الإلهي الذي لا مجال لمعرفته إلا عبر ما صدر عن هذا الغيب، عليه أن يخضع أمامه، عليه أن يقر أنه سيكون عاجزًا أمامه. سيحني الرأس تجاهه، علامة الخضوع والاستسلام، استسلام من لا يود أن تنفد طاقته في مهمة لم يصمم أصلا على الدخول فيها، بل يركز في المهمة الأصل، مهمة الاستخلاف في الأرض.. هذا هو المعنى وراء “هيئة الركوع”[1]..

فعلام الطغيان يا عبد الله، وأنى لك الاستغناءُ وعقلك مقر بعجزه غير مستغنٍ ..

ويكتمل الركوع بالسجود للوصول إلى حالة الخضوع الكامل والكلي بأن تهوي إلى الأرض بكامل جسدك، فتضع جبهتك على الأرض، وتستند بيديك وركبتيك وقدميك وكل شيء فيك فالكل والجزء والبعض خاضع لله، لِأنه في الحقيقة كل شيء ملكه، ولا شيء ملكك ..

وفِي السجود بوضع الجبهة وكل الجوارح على الأرض تأكيدٌ لك وتذكيرك بالتحامك معها، وبالمهمة المنوطة بك فيها، وأن قيامك بمهمتك هو في هذه الأرض، يجب أن يكون قياماً ساجداً عابداً لله، خاضعاً لحكمه، لا مجال للطغيان والفساد في أبسط الصور وأدنى المستويات .. لا تتوهمن أن الطغيان خاص ومتعلق بأعلى الأمور والفوقيات .. بل إنما هو مبثوث ومسكون في التفصيلات والدنيويات ..

وإذاً، تذكر دوما حين ركوعك وسجودك أن تحفظ مقامك ولا تطغَ! وابغ الإحسان في الأرض! .. وارج لله وقاراً ! وإياك.. إياك وتوهم الاستغناء! وإياك ونسيان هذا الدرس !! فهو الأهم!!!

وعليه، ما مر من الأفكار إنما هي جزء بسيط مما تعلمك إياه الصلاة، وكل مرة تؤكد لك أنها من أجل رقيك الإنساني، واستخراج أفضل ما فيك، ودفعك أن تكون أفضل لكي تبني عالماً أفضل، وتصيغ حياة أسمى.. فعجباً لأمر هذه الشعيرة الصلاة، ولكل ما ارتبط وحف بها شروط ومقدمات وحركات وهيئات!!! دروسها غزيرة ومعانيها عميقة.

يتبع


 

[1]– خيري العمري، فيزياء المعاني، سلسلة كيماء الصلاة (٤)، ص ٥٤-٥٥.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.