منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أصبحنا وأمسينا

أصبحنا وأمسينا/ فيحاء النابلسي

0

أصبحنا وأمسينا

بقلم: فيحاء النابلسي

ذُكر في التاريخ أنّ المصريين القدماء هم أوّل من قسم اليوم إلى 24 ساعة. 12 في النهار و12 في الليل، ولكن التوقيت المتداول الآن، بذكر التوقيت كرقم ” السابعة \ الثامنة ….،لم يكن شائعاً في العالم كما هو الآن قبل خمسة قرون .
لا أعلم الكثير عن أسماء الأوقات في الحضارات الأخرى، ولكني أعرف أسماء ساعات اليوم في الحضارة العربية، والتي أعطت اسما لكل وقت من اليوم حسب حركة الشمس وحالة السماء، وأغلب تلك الأسماء ظلت متداولة في الأحاديث اليوميّة إلى وقت قريب، قبل أن تطغى أرقام الساعة الرقميّة على عبارات الزمن والتوقيت.
الشروق، البكور، الغدوة، الضحى، الهاجرة، الظهيرة، الرواح، العصر، القصر، الأصيل، العشي، الغروب، الشفق، الغسق، العتمة، السدفة، الفحمة، الزلة، الزلفة، البهرة، السحر، الفجر، الصبح، الصباح.
ربما يبدو الأمر مضحكاً للجيل الجديد لو قلت له :” نلتقي عند الأصيل ! أو عند الغسق .” وفي الغالب عليه أن يعود إلى محرك البحث ليستعين به على فهم العبارة.
لم يكن الأمر كذلك قبل 50 سنة، أذكر كبار السن كانوا يتداولون عبارات مثل ” عند الضحى، أو عند الغروب.” دون ذكر توقيت رقمي.
الآن أفكّر، أن استخدام تلك العبارات يحمل الكثير من الاحساس الذي افتقدناه مع الأرقام . الرقم غالبا يُجرّد اللحظة من شاعريتها ويجعلها جامدة، بينما تجد استخدام أسماء الأوقات يجعل العبارة حيّة مليئة بالاحساس.
فرق كبير أن تقول ” استيقظت فجراً ” وأن تقول ” استيقظت في الخامسة”
في الشعر، لا مجال لاستخدام الأرقام ، وإلا سيبدو النص تقريراً .
” غداة دعاني والرماح تنوشه كوقع الصياصي في النسيج الممدّدِ”
في القرآن الكريم، نجد ذكر الأوقات بأسمائها، وبعضها محل قَسمٍ، لعِظَمِ شأنها عند الله .
” والضحى”، ” والفجر”، ” فلا أقسم بالشفق”
الوقت الرقمي جامد، بينما الوقت الاسمي متحرك، ينبض بالحياة والانفعال بالطبيعة والمحيط، مع ذلك لا يمكن الآن لعالم الصناعة والعمل حيث الوقت يعني المال، ولكل جزء من الثانية ثمن، أن يتعامل بأسماء الأوقات .
ولكن لا مانع من استخدام هذه العبارات المشحونة بالعاطفة والحياة في عباراتنا اليومية، لنستعيد شيئا من الاحساس الذي سلبه منّا عالم الأرقام .
تصبحون وتمسون على خير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.