لقد تعبنا، فلا نحزن!
د. أسامة الأشقر
1. الحُزَن جبال غِلاظ، والحَزْن أرض مرتفعة غليظة خشنة، والحُزْن غلظة جافّة من الغمّ المركوم الكثيف يمسّ باطنك الطريّ فتجعله خشناً دامياً متشقّقاً كحُزون الأرض وخدودها المحفورة.
2. وكلنا اليومَ حزينٌ تلفّنا تعاسةٌ ظاهرة على وجوهنا وهياكلنا بين بقايا الركام وأحواض الخيام، فليس ثمة بيت ولا شارع ولا مسجد ولا أذان ولا جمعة ولا جماعة ولا مدرسة ولا حيّ ولا جيران ولا ذكريات تحتضنها الأمكنة.
3. ضغطٌ نفسيّ رهيب وتوتّر لا ينتهي، وصدمات ثقيلة تترى بلا انقطاع تزيد الضغط على أجسادنا المهدودة، لقد تعبنا حقّاً، وأصوات الزنانات لا تكف عن الصراخ المزعج والعويل الغليظ، ونحزن لأننا جميعاً مشردون، ومرضى، ومجروحون، ومكلومون، وتائهون، وجائعون، ونعيش في أحضان الموت…
4. لا ننام، فهذه الكوابيس في المنام واليقظة لا تفْتأ تَذْكرنا، أو لأنّ هذا البطن ممغوص دائماً متلبِّك لا يتوقف عن الاستعصاء والتجدُّل، أو أن البردَ يجمّد أطرافنا في الليالي السوداء، أو أن الجيران حولنا لا يكفّ صراخ أطفالهم وبكاؤهم على أحبابهم وألسنة حسراتهم، أو أصابتنا متلازمات القلب المكسور، و أن هذه العصابات التي تقتات على الكوارث باتت ترتع بين خيامنا الملتصقة أكثر من قبل!
5. لم نعد ننكر الكارثة، ولا نوهم أنفسنا بغير الواقع الذي نراه، ولا نحدث أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام، فلسنا بخير، ألا ترى تلك الفجيعة في كل وجهٍ يراك أو تراه، ألا ترى القلوب مهشّمة كقلبك!
6. نحن غاضبون جدّاً الآن، وحسّاسون للغاية، ومزاجنا مخضوضٌ عَكِر، ولا نكفّ عن إلقاء اللوم على كل من تركنا وحدنا، وخذلنا في أمر لا يجوز فيه الخذلان، ولا ينبغي لشريف أو محترم، ونسرف على أنفسنا أحياناً، وقد نرمي اللوم على أنفسنا التي قادتنا إلى ما صرنا إليه، وقد نصرخ بوجع: لقد خسرنا كل شيء، معقول!
7. وصلنا إلى مرحلة كنا نستعد فيها أن نساوم على أي شيء لنخرج من هذه الحال التي أحاطت بنا، لكن شيئاً ما يقول لنا: لا تساوِم فأنت في الطين الآن، وهذه المساومة ستغرقك في أوحال الطين فحسب، فانتظر حتى تكون في الماء ولو كان غريقاً !
8. لا أدري إن كان الاكتئاب قد ضرب أوتاده بيننا، وحكم علينا بمناقشة فلسفة النهاية ووجوب العزلة وانتظار الموت، فثمة مجالسٌ هنا وهناك لا ترى فيها أوتاد هذا الاكتئاب المُحبِط، وما زال قومٌ يشربون شاياً حلواً، ويتسامرون، وكأنّ هامساً يطمئنهم، وأنهم في لذّة القتال التي تنسيهم شهوة التعلّق بحطام الدنيا.
9. ما حدَث قد حدَث، لقد مضى عامٌ وأشهرٌ، ربما أصبحنا أقوى الآن، ونفهم أن التحدي أصبح أكبر أيضاً، وقد ضاقت الفرص أو انفتحت على فضاء آخر لم نعرف مدخله بعدُ، ولكنْ لا مجال أمامك إلا أن تتقبّل هذا الواقع، وتواجهه، أو على الأقلّ قرِّرْ ألا تواصل الانغماس في هذا الحزن!
10. إياك أن تضع صدرك في دخان هذا الحزن، فحُزونة الأيام وغلظُها عليك تمسّ في حقيقة الأمر مساحات الزمن التي تعيشها فحسب، وهي لا تلبث أن تمرّ وتَعْبر وتُنسَى، ولا ينبغي لها أن تمتد إلى ما وراء الحاضر الذي تعيش فيه، فقد وقع وانتهى.
11. وتذكّر أنّك إذا أسرتَ هذا الحزنَ بين أسوار الرضا، واستحضرتَ أمر الله لك: (ولا تهِنوا ولا تحزنوا)، فستعرف معنى: (لا تحزن إن الله معنا).
12. أسباب الحزن لا تنتهي، وبحر الحزن لا ساحل له، والنجاة من بحر الحزن تكون في ركوب سفينة الرضا، وهناك ستسمع نداء السماء ألا تحزن، فقد جعل الله تحت مثال مريم الصديّقة الحزينة سَرِيّاً، وهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.