الحرب على إيران؛ وضرورة اتخاذ المغرب لتدابير اقتصادية فعّـالة
الدكتور أحمد الإدريـسي
الحرب على إيران؛ وضرورة اتخاذ المغرب لتدابير اقتصادية فعّـالة
بقلم: الدكتور أحمد الإدريـسي
مع استمرار الحرب على إيران تتسارع التداعيات الاقتصادية عالميا، حيث تفتح احتياطات نفطية، وتراجعت الأسواق وسط تحذيرات من أزمة ركود صناعي واسع، وتفاقمت أزمة الطاقة.
ومنذ أربعين سنة، ظهر أن العولمة عاجزة عن تأمين سلاسل الإنتاج والتجارة وضبط الأسعار. ودعت وكالة الطاقة الدولية من جنيف الحكومات، والشركات، والأسر إلى تقليص استهلاك الطاقة، وتقليل السفر غير الضروري، وتشجيع العمل عن بُعد.
أولا: أزمة صناعية شاملة، وتحذير من منظمة التجارة.
تواصل انعكاسات الحرب على إيران الضغط على أسواق الطاقة والاقتصادات العالمية، وسط إجراءات حكومية عاجلة وتحذيرات من أزمة قد تتجاوز حدود القطاع النفطي إلى ركود صناعي أوسع.
وحذّر الأمين العام لغرفة التجارة الدولية من أن النزاع قد يتسبب في أسوأ أزمة صناعية. كما حذّر مدير وكالة الطاقة الدولية من أن العالم يواجه أزمة طاقة أشدّ وطأة من أزمات النفط التي شهدها في سبعينات القرن الماضي.
وقال جون دينتون: “من منظور شركات الأعمال، نعتقد أن هذه الأزمة قد تصبح بالفعل أسوأ أزمة صناعية في الذاكرة الحديثة”.
ثانيا: تدابير اقتصادية احترازية لعدد من دول.
1- اجتماع اقتصادي طارئ لمجموعة السبع:
أعلن رولان ليسكور لإذاعة “آر تي إل”، أن فرنسا التي تتولى رئاسة مجموعة السبع،
استضافت فرنسا اجتماعا هاما يضم وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية في المجموعة. وتناول الاجتماع، حسب تصريح وزير المالية الفرنسي ليسكور بأنه؛ “تداخل بين قضايا الطاقة والاقتصاد والتضخم”.
2- اليابان تُفرج عن احتياطها النفطي:
تعتبر اليابان خامس أكبر مستورد للنفط، وتستورد أكثر من 90% من النفط من الشرق الأوسط.
وقد أعلنت اليابان أنها بدأت بالإفراج عن جزء آخر من احتياطها النفطية الاستراتيجي، سعيا للتخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب.
3- كوريا الجنوبية تُعدّ ميزانية لأوقات الحرب:
أعلنت حكومة كورية الجنوبية، منذ الأيام الأولى للحرب، أنها ستُفرج عن 17 مليار دولار إضافية الشهر المقبل، وستُمدد التخفيضات على ضريبة الوقود، وذلك لمواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.
وقالت الحكومة في بيان إنها ستُقدم “ميزانية إضافية بقيمة 25 تريليون وون الشهر المقبل، ممولة من فائض الإيرادات الضريبية، استجابة للصراع الدائر في الشرق الأوسط”.
4- اسبانيا تتخذ مجموعة من التدابير الاقتصادية الفعّـالة.
أطلقت الحكومة الإسبانية مجموعة من الطوارئ لمواجهة التداعيات الاقتصادية لحرب إيران، والتي تهدف إلى امتصاص صدمة الطاقة والحد من التضخم المرتفع، وتركز أساسا على دعم الأسر والقطاعات الحيوية.
ومن أهم التدابير الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة الإسبانية:
– دعم القطاعات الإنتاجية، وذلك بتوفير السيولة ودعم مالي مباشر لقطاعات النقل والصيد والزراعة، لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود.
– تيسير تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم إعفاءات ضريبية، وتحسين كفاءة الطاقة في المباني.
– تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء إلى 10%.
– دعم الطاقة، وتجميد أسعار غاز البوتان والبروبان.
– تمديد حظر قطع الخدمات الأساسية (الماء والكهرباء) عن الأسر الهشة.
– تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة (مثل الألواح الشمسية وشحن السيارات الكهربائية) لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ثالثا: امتيازات الاقتصاد المغربي؛ وجب استثمارها.
1- المغرب بديل لتخزين النفط والغاز الخليجي:
يسابق المغرب الزمن -خاصة مع استمرار هذه الحرب- لاستكمال بناء “ميناء الناظور شرق المتوسط”، وهو ثاني أكبر مرفأ (مياه عميقة) يتم بناؤه على البحر الأبيض المتوسط. ومن المنتظر أن يتم تشغيله خلال الربع الأخير من السنة الجارية. وحسب تصريح للسيد محمد جمال بنجلون، المدير العام لشركة “الناظور غرب المتوسط”، فإن هذا المشروع سيتضمن أول محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في البلاد، يتوقع أن تكون جاهزة خلال النصف الأول من عام 2027م.
2- ارتفاع تكلفة واردات المغرب من الطاقة:
سبق لصندوق النقد الدولي أن قدم توقعات متفائلة لاقتصاديات دول المغرب العربي عام 2026، مدفوعة بتعافي القطاع الزراعي وعودة موسم الأمطار، وانتعاش القطاع السياحي، وتحسن الطلب المحلي، وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الصادرات غير النفطية. وقال صندوق النقد “إن الناتج المحلي الإجمالي في دول جنوب البحر المتوسط (وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر)، لكن تداعيات الحرب قد تغير هذه الفرضيات، حيث يتوقع ارتفاع تكلفة وارداته من الطاقة.
3- المغرب يتوقع نموا استثنائيا:
توقع بنك المعرب أن يحقق الاقتصاد المغربي، في نهاية 2026، نموا بنحو 5.6 في المئة، وتضخما بنسبة 0.8 في المئة، وعجزا في الموازنة العامة بـ 3.5 في المئة.
كما أفاد مكتب الصرف بأن صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغ نحو 28.4 مليار درهم خلال عام 2025، مسجلا نموا قويا بنسبة 74.3 في المئة مقارنة بعام 2024. وتجاوزت تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج 122 مليار درهم في نهاية عام 2025، وزادت إيرادات السياحة إلى 14.7 مليار دولار.
4– ظهر ميناء طنجة المتوسط كبديل استراتيجي لتوجه السفن، مما يعزز مناولته للحاويات بزيادة بـ 8.4%، ويدعم الاقتصاد الوطني رغم التوترات الاقتصادية التي سببتها الحرب. مع امتلاك احتياطات دولية من العملة الصعبة تغطي خمسة أشهر من الواردات.
رابعا: كيف يتعامل الاقتصاد المغربي مع تداعيات الحرب على إيران؟
1- تدابير عاجلة غير كافية لحماية المواطن المغربي
في حال تواصل ارتفاع الأسعار فإن فاتورة الطاقة ستكون مكلفة للمغرب، وترفع التضخم من جديد، لكن وفي المقابل، سيُعزز ارتفاع أسعار الأسمدة موقع المغرب كأحد أكبر المصدرين عالميا، خصوصا في الأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب كبار المنتجين مثل روسيا والصين والسعودية.
نعم؛ تعامل الاقتصاد المغربي مع تداعيات الحرب على إيران (2026) عبر مزيج من الإجراءات الاستباقية لدعم القدرة الشرائية، والتحكم في التضخم، وتعزيز المرونة الطاقية. تشمل التدابير دعم مهنيي النقل، مراقبة أسعار المحروقات، والاستفادة من ميناء طنجة المتوسط كمركز لوجستي بديل، مع الاعتماد على احتياطي عملة صعبة يقدر بـ 48 مليار دولار.
وللإشارة فإن المغرب يملك نحو 70 في المئة من الاحتياطيات العالمية من الفوسفات، تمنحه أفضلية إستراتيجية طويلة الأمد، في تصنيع وتصدير الأسمدة الفوسفاتية للتخصيب الزراعي بلغت 10.7 مليارات دولار عام 2025، قد تعوض جزءا من تكلفة فاتورة الطاقة.
لكننا وبناء على المعطيات والإحصائيات السالفة، نسائل:
هل هذه التدابير كافية لحماية المواطن المغربي من لهيب الأسعار التي شملت جل المواد الحيوية؟
2- اقتراح آليات وتدابير أكثر فعالية للتعامل مع الأزمة:
– مزيد من التحوط الاقتصادي، وتقديم إعفاءات ضريبية.
– تسريع التحول نحو الطاقات المتجددة لتقليل الاعتماد على الواردات النفطية، خاصة في ظل اضطراب الإمدادات.
– توفير السيولة ودعم مالي مباشر دعم للقطاعات الإنتاجية، ومنها قطاعات النقل والزراعة، لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود.
– تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء إلى 10%.
– تفعيل صناديق الاحتياط والموازنة، ومنها صندوق الإيداع والتدبير.
– إدارة جيدة للسياسة النقدية، والبحث عن حلول اقتصادية تُوازن بين التحكم في التضخم ودعم النمو.
خاتمة:
أحدثت الحرب على إيران تهديدا غير مسبوق لأمن الطاقة العالمي، وسلاسل التوريد الصناعي. وسيتحوّل إلى أزمة متعددة الأبعاد، تشمل الأسعار والغذاء والإنتاج والمعابر، وقطاع الطيران والسياحة، والشحن البحري، والعقار، والزراعة.
فهل من تدابير أكثر فعالية لحماية المواطن المغربي من لهيب الأسعار خاصة بعد تواصل ارتفاع أسعار النفط؟
وأمامنا مجموعة من الدول، نرجو أن نستفيد من خططها الاقتصادية لمعالجة الأزمة، حيث اتخذت مجموعة من التدابير الجادة والفعّالة، من أجل دعم القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم الفئات الهشة، والتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود على الأسعار النهائية للمواد الأساسية.