منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تحقيق القول في الترجيح بقوة الدليل وبكثرة القائلين به عند الإمام مالك

ذ. حفيظ بوردلة

0

تحقيق القول في الترجيح بقوة الدليل
وبكثرة القائلين به عند الإمام مالك

Favouring the Talk Due to Strong Argument
and Frequent Use in Imam Malik Jurisprudence

ذ. حفيظ بوردلة

جامعة سيدي محمد بـن عبـد الله

كلية الآداب والعلوم الانسانية سايس –  فاس- المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)

 

ملخص:

يتناول هذا البحث مسألة الترجيح بالقوة والترجيح بالكثرة عند الإمام مالك، -رحمه الله- وأيهما يقدم عند تعارضهما.

ويهدف هذا البحث إلى التحقق من نسبة الترجيح بقوة الدليل، والترجيح بكثرة القائل للإمام مالك -رحمه الله- وأيهما يقدم عند التعارض، وقد سلكت لتحقيق هذا الهدف المنهج الاستقرائي، -في حدود كتاب « المدونة»  لسحنون، و»الموطإ»  للإمام مالك- والتحليلي.

وقد خلص هذا البحث إلى التفرقة والتفصيل بين ثلاثة مجالات:

في مجال الرواية يرجح الإمام مالك رحمه الله عند التعارض أحد الخبرين على الآخر بكثرة القائلين، بشرط أن يستوي رواة الخبرين في العدالة، فيقدم الذي رواته أكثر على الذي رواته أقل، وألا يصحب أحد الخبرين عمل أهل المدينة، وألا يكون في أحد الجانبين الخلفاء الراشدون أو أحدهم.

في مجال الشهادات والأقضية تقدم القوة على الكثرة على الرأي الراجح، وهو الذي رواه عنه ابن القاسم في المدونة، وعَمَلُ أكثر أتباعه على هذا، كما تشهد بذلك كتب النوازل والأحكام.

في مجال الرأي والاجتهاد، اختلف عنه في هذا المجال، فتارة يميل مع قوة الرأي والاجتهاد، وتارة يميل مع كثرة القائلين، وما أثر عنه من الأمثلة في هذا الشأن لا تكاد تسير على نسق واحد، فمنها ما مرده قوة الدليل، ومنها ما مرده كثرة القائل.

كلمات مفتاحية:

اجتهاد – ترجيح – تواتر – فقه – دليل – سنة – الإمام مالك.

Abstract:

This research aims to verify the weighting ratio based on the strength of evidence and frequent use, so that one should be preceded when they are opposed. It adopts the inductive approach in cooperation with the Mudawana and Al-Muwatta. This research results to differentiating between three areas. First, in the field of narration, Imam Malik supports one on the condition that the narrators are equal in justice and gives precedence to those whose version is widely spread. Second, in the field of testimony and judgments, power is favored and preceded. This is what Abu Qasim narrated in the Mudawana. Finally, the field of opinion and interpretative judgement has not been agreed upon because the strength of control may differ from time to time.

Keywords:

  Weighting, Jurisprudence, Argument, Frequency, Talk, Use, Imam Malik.

مقدمة:

الحمد لله الذي أنعم على خلقه بهدايته، وأتم عليهم نعمته، أحمده وأستعينه، وأستغفره وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى كافة خلقه، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد فإن أقوال العلماء وآرءهم، ونصوص الشريعة قد تختلف وتتعارض حول المسألة الواحدة، فيذهب هذا إلى غير ما يذهب إليه الآخر، متبعين في ذلك ما أداهم إليه اجتهادهم، وقد أجمع علماء الأمة على أن الأدلة وما يؤدي إليه النظر السديد هو المتبع، وأن العدول عن ذلك وتركه لغير مسوغ ممنوع، فشرع الله في حق المجتهد هو ما يؤديه إليه اجتهاده، فإما أن يثاب مرة إن أخطأ، أو مرتين إن أصاب، ولا يمكنه نصب الخلاف حجة وذريعة لترك موجبات نصوص الشريعة، وإلا تم الخروج عن الشريعة روحا وجوهرا، بتركه مؤدى اجتهاده لقول غيره، وذلك لكثرة الخلاف في المسائل الفقهية.

وبناء على هذا فالفقهاء المجتهدون مضطرون للموازنة بين الروايات والأقوال المتعارضة، وترجيح بعضها على بعض بالطرق المعروفة عندهم، ومن بين هؤلاء الفقهاء الأعلام إمام دار الهجرة رضي الله عنه، فقد كان يسلك مسلك الترجيح عند اختلاف الصحابة في اجتهاداتهم وآرائهم، أو في ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إشكالية البحث:

لا تنكر أهمية الترجيح بالكثرة والترجيح بالقوة ضمن أدوات الترجيح في مجال الاجتهاد الفقهي، وخصوصا عند التعارض بين الأقوال بعضها مع بعض، وكذا الروايات، وقد تضاربت آراء فقهاء المذهب المالكي حول نسبة الترجيح بقوة الدليل، وكثرة القائل للإمام مالك رحمه الله، مما جعل إشكال هذا الموضوع قائم، والسؤال حوله مطروح، وهو ما موقف الإمام مالك رحمه الله من الترجيح بقوة الدليل؟ والترجيح بكثرة القائل؟، ومتى يقدم الكثرة على القوة؟ والقوة على الكثرة؟

أهمية البحث:

إن مصطلح المشهور كثيرا ما تحيل عليه القوانين العامة والخاصة للدولة المغربية التي يعد المذهب المالكي مرجعا أساسا لها داخل المنظومة التشريعية، كما في المادة الأولى من القانون رقم: 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، حيث أحالت هذه المادة على العمل بالراجح والمشهور وما جرى به العمل فيما لا يوجد فيه نص قانوني، كما ألزمت الدولةُ المجامعَ الفقهية والهيئات والمجالس العلمية بضرورة التقيد بالمتفق عليه والراجح والمشهور وما جرى به العمل، ومن هنا دعت الضرورة ومست الحاجة إلى تحديد مصطلح مفهوم المشهور، وإزالة ما به من غموض بغية التوصل إلى المفهوم المحدد لهذا المصطلح، الذي فسر بما كثر قائله، كما فسر بما قوي دليله، ورصد ما طرأ عليه من مفاهيم ودلالات، فجاء هذا البحث ليشكل أرضية أساسية مساعدة على معرفة مرد مصطلح المشهور في مجال الفقه المالكي، هل يرجع معناه إلى قوة الدليل، أو إلى كثرة القائل؟

الهدف من البحث:

يهدف هذا البحث إلى الكشف عن منهج الإمام مالك رحمه الله في الترجيح بقوة الدليل، والترجيح بكثرة القائل، وكيفية التعامل مع هذين المرجحين عند تعارضهما، ومتى تقدم الكثرة على القوة، والقوة على الكثرة؟

ولتحقيق هذا الهدف قسمت هذا الموضوع إلى أربعة مباحث وخاتمة:

المبحث الأول: موقف الإمام مالك من التصويب والتخطئة في الاجتهاد.

المبحث الثاني: التحقيق في نسبة الترجيح بقوة الدليل لمالك.

المبحث الثالث: التحقيق في نسبة الترجيح بكثرة القائل لمالك.

المبحث الرابع: مجالات إعمال الترجيح بالقوة والكثرة عند مالك.

خاتمة: وفيها أهم النتائج المستخلصة من البحث.

المنهج المتبع في البحث:

فيما يتعلق بالمنهج العام الذي سلكته في هذه الرسالة؛ فقد جمعت فيها بين المنهج، والاستقرائي، والتحليلي،

أولا المنهج الاستقرائي: وكان هذا الاستقراء في حدود موطإ الإمام مالك رحمه الله والمدونة لسحنون رحمه الله.

ثانيا المنهج التحليلي: وقد لجأت إلى هذا المنهج لدراسة الأقوال، وإزاحة بعض الإشكالات التي قد ترد على بعض المعطيات، وتعليل بعض التوجيهات، واستخلاص بعض النتائج.

المبحث الأول: موقف الإمام مالك من التصويب والتخطئة في الاجتهاد

ذهب إمام دار الهجرة -رحمه الله- إلى أن المصيب من المجتهدين عند الاختلاف واحد، وقد نسب إليه القول بأن كل مجتهد مصيب، لكن هذا لم يثبت عنه في رواية صحيحة، وقد أورد ابن عبد البر رحمه الله -في كتابه جامع بيان العلم وفضله- عدة روايات بسنده إلى الإمام رحمه الله تثبت له نسبة القول إن المصيب من المجتهدين عند الاختلاف واحد، من ذلك قوله: «أخبرنا عند الرحمن بن يحيى، ثنا أحمد بن سعيد ثنا محمد بن زيان، ثنا الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، أنه فال: «في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد»[1]وقد نقل ابن عبد البر عن المزني رحمه الله قوله: «ولا أعلم اختلافا بين الحذاق من شيوخ المالكيين ونظرائهم من البغداديين مثل إسماعيل بن إسحاق القاضي وابن بكير وأبي العباس الطيالسي ومن دونهم مثل شيخنا عمرو بن محمد بن أبي الفرج المالكي، وأبي الطيب محمد بن محمد بن إسحاق بن راهويه، وأبي الحسن بن المنتاب وغيرهم من الشيوخ البغداديين والمصريين المالكيين، كل يحكي أن مذهب مالك رحمه الله في اجتهاد المجتهدين والقياسيين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام أن  الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم»[2]وقول الإمام رحمه الله: «فعليك بالاجتهاد» كما في رواية ابن عبد البر دعوة صريحة منه إلى الموازنة والترجيح بين الروايات والآراء المختلف فيها بين الصحابة رضوان الله عليهم.

وبناء على أن الصواب والحق واحد عند الاختلاف، فقد كان الإمام مالك وهو المجتهد المطلق يلجأ إلى الترجيح عند اختلاف الصحابة في الرواية أو الرأي، وله في ذلك مسالك معروفة، وأدوات متبعة، كترجيح ما صحبه العمل على ما لم يصحبه عمل، وغير ذلك، ومما نسب إليه الترجيح به رحمه الله تعالى قوة الدليل، كما نسب إليه الترجيح بكثرة القائل، وهذا ما سيطلق عليه في مرحلة لاحقة مصطلح المشهور الذي اختلف مرده هل هو قوة الدليل؟ أم كثرة القائل؟

ومن خلال تتبعي لأقوال مالك -رحمه الله- وآرائه في كتابه الموطأ والمدونة لم أجد ما يشير إلى تحديد مصطلح المشهور كمصطلح له دلالته ومفهومه الخاص، أما من حيث الاستعمال، فإن الإمام -رحمه الله- كان يستعمل ويرجع إلى أحد مفهومي هذا المصطلح في الموازنة والترجيح بين الأقوال والآراء والروايات، فتارة يرجح بكثرة القائلين، وأخرى بقوة الدليل من غير التفات للقائلين

وهذه المسألة قد اختلفت فيها أنظار الفقهاء والأصوليين في أيهما يقدم عند التعارض؟، ولمن منهما تكون الغلبة؟، فذهب فريق منهم إلى الترجيح بقوة الدليل من غير التفات إلى كثرة القائلين وقلتهم، وذهب  البعض الآخر إلى الترجيح بكثرة الرواة والقائلين، وإن لم تتجاوز قوتهم في حال انفرادهم قوة من هم أقل منهم عددا، ولكل فريق من هذين الفريقين أدلة في نصرة مذهبه تذكر في باب التعارض والترجيح من كتب أوصول الفقه، لكن ما يُهمنا هنا هو رأي الإمام مالك ومنهجه عند تعارض الأقوال والروايات المتساوية في الحجية بأي اعتبار يكون؟ أبقوة الدليل؟ أم بكثرة القائل؟

المبحث الثاني: التحقيق في نسبة الترجيح بقوة الدليل لمالك

ذهب ابن عبد السلام الـهَوَّاري التونسي، ونسب لابن خويز منداد وابن بشير إلى أن المراعى والمتَّبَع عند الإمام مالك رحمه الله  هو قوة الدليل، من غير التفات إلى عدد الرواة، ما لم يبلغوا حد التواتر، قال ابن عبد السلام: «والذي ينبغي أن يعتقد من ذلك، وهو الذي تدل عليه مسائل المذهب أن الإمام -رحمه الله- إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله»[3] واستدل هو وغيره على ذلك بمسألة تجويز الإمام مالك رحمه الله الصلاة على جلود السباع المذكاة، وبيع الشيء قبل قبضه من غير الطعام، وأكل المصيد الذي أكل منه الكلب، متبعا في ذلك قوة الدليل، من غير مراعاة كثرة المخالفين له في هذه المسائل، قال ابن عبد السلام -ونسب لابن خويز منداد-: «وقد أجاز رحمه الله الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه، وأباح بيع ما فيه حق توفية من غير الطعام قبل قبضه، وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، إلى غير ذلك من المسائل، ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور، وهذا مما يدل على أن المراعى عنده إنما هو الدليل لا كثرة القائل»[4]، وليس هذا تصريحا من الإمام مالك رحمه في اعتماد قودة الدليل عند الاختلاف والتعارض، بل هو تخريج استند فيه ابن عبد السلام على ما ساقه من الأمثلة التي لم يراع فيه الإمام رحمه الله كثرة المخالفين له فيها.

المبحث الثالث: التحقيق في نسبة الترجيح بكثرة القائل لمالك

وذهب فريق آخر إلى أن المراعى عند الإمام مالك رحمه الله هو كثرة القائلين، قال ابن العربي رحمه الله: «ترجيح الأخبار بكثرة الرواة لها أو مزيد عدالتهم فيها، وهو مذهب مالك والشافعي»[5]،  وقال ابن تيمية رحمه الله نقلا عن ابن برهان: «يرجح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة نص عليه وبه قال مالك»[6] وقال الوانوغي معلقا على قول البرادعي في تهذيبه: «وإن ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الإحرام، فإن كان كبر للركوع ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته، وإن كان كبرها ولم ينو بها ذلك تمادى مع الإمام وأعاد الصلاة احتياطا، لأنها لا تجزئه عند ربيعة، وتجزئه عند ابن المسيب»[7]حيث قال: «هذا نص من مالك على مراعاة الخلاف، وظاهره أنه التفت إلى القائلين دون النظر في وجه قولهم، هل فيه قوة استدلال أم لا؟»[8].

وقال القاضي عبد الوهاب: «كثرة رواة الخبر مما يرجح به على ما هو أقل رواة منه»[9]، وقال الباجي رحمه الله في أثناء حديثه عن أوجه ترجيح الأسانيد بعضها على بعض: «والضرب الثالث أن يكون رواة أحد الخبرين أكثر من رواة الآخر…. وقد ذهب بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا ترجيح بكثرة الرواة. وهذا ليس بصحيح»[10]المبحث الرابع: مجالات إعمال الترجيح بالقوة والكثرة عند مالك

لا شك أن المتتبع لاجتهادات الإمام مالك رحمه الله وطرق ترجيحه بعض الأقوال والروايات على بعض، وما روي عنه في ذلك، سواء كان هذا الترجيح بقوة الدليل أو بكثرة القائل، سيلحظ أنه رحمه الله يفرق بين ثلاثة مجالات في هذا الباب: مجال الرواية، ومجال الاجتهاد والدراية، ومجال الأقضية والشهادات، ولتفصيل القول في هذه المجالات الثلاث، قسمت هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب.

المطلب الأول: الترجيح عند الإمام بالكثرة والقوة في مجال الرواية

معلوم أنه إذا كان أحد الحديثين قوي والآخر ضعيف، فلا يُعَارِضُ الحديثُ الضعيفُ الحديثَ القويَّ، وإن كثر القائلون به، ففرض الحديث فيما استوت درجتهما من حيث القوة والاحتجاج، وزاد أحدهما على الآخر بكثرة رواته، ففي هذه الحالة قد سلك الإمام رحمه الله في الترجيح بين الروايات المتعارضة مسالك متعددة، بغية التوصل إلى الراجح من الخلاف، ومن هذه المسالك مسلك الترجيح بكثرة الرواة، وقد نَسب غير واحد من الفقهاء والأصولين هذا المنهج إلى الجمهور، ولم يخالف في ذلك إلا الكرخي من الحنفية رحمه الله، قال الإمام الشوكاني رحمه الله: «… يرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل، لقوة الظن به، وإليه ذهب الجمهور.

وذهب الشافعي في القديم إلى أنهما سواء وشبهه بالشهادات، وبه قال الكرخي»[11].

وقال ابن النجار الحنبلي رحمه الله: « اعلم أن الذي عليه الأربعة والأكثر: أن السند «يرجح بالأكثر رواة» وهو بأن تكون رواته أكثر من رواة غيره؛ لأن العدد الكثير أبعد عن الخطإ من العدد القليل؛ لأن كل واحد من الكثير يفيد ظنا. فإذا انضم إلى غيره قوي، فيكون مقدما لقوة»[12].

وقد أورد ابن قدامة المقدسي رحمه الله عدة وقائع سلك فيها الصحابة رضوان الله عليهم مسلك الترجيح بالكثرة، حتى ادعى أن هذا إجماعا منهم على الترجيح بكثرة العدد،[13] وذلك لبعد الغلط والسهو عن العدد الكثير، وقد سبق بيان نسبة ابن العربي رحمه الله هذا القول إلى الإمام مالك.

وقد جاء عن القاضي عياض رحمه الله قوله: «وفي رواية إن المنصور قال له: يا أبا عبد الله ضم هذا العلم ودون كتباً وجنب فيها شدائد ابن عمر، ورخص ابن عباس، وشواذ ابن مسعود، وأقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة»[14] فيؤخذ من قوله: «وشواذ ابن مسعود» عن طريق مفهوم المخالفة أن الإمام مالكا اتبع في موطئه المعروفَ والمشهورَ عن الصحابة، وجانب الشاذ الذي تفرد به ابن مسعود فلم يلتفت إليه.

ومما يقوم عنده أيضا مقام الكثرة وجود الخلفاء الأربعة أو أحدهم في جانب، وإن قل عدد هذا الجانب بالنسبة للجانب الآخر، فإن الكفة التي فيها الخلفاء الأربعة، أو أحدهم، ترجح على الكفة الأخرى، وذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «…. وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ»[15]. قال ابن العربي في عارضة الأحوذي شارحا هذا الحديث: «أمر بالرجوع إلى سنة الخلفاء، وهو يكون على أمرين:

الأول: التقليد لمن عجز عن النظر أي كتقليد غيرهم.

الثاني: الترجيح عند اختلاف الصحابة فيقدم الذي فيه الخلفاء الأربعة أو أبو بكر وعمر، وإلى هذه النزعة كان ينزع مالك، ونبه عليها في الموطأ»[16].

ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام، هو أن الإمام مالكا رحمه الله إذا تعارض عنده خبران واستوت درجتهما من حيث الحجية، فإنه يفزع إلى ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة مالم يصحب أحد الخبرين عمل، فإن صحب أحد الخبرين عمل أهل المدينة، فإنه يقدمه على الخبر الآخر وإن كثر رواته، وهذا منهج معروف عنده؛ وذلك لقيام العمل مقام التواتر، فيقدم المتواتر على الخبر المشهور الذي كثر رواته.

ومن الأمثلة التي قدم فيها الإمام رحمه الله الكثرة على القلة، ما جاء في مسألة الوضوء مما مست النار، قال ابن عبد البر: «قال أبو عمر لقوة الاختلاف في هذه المسألة بالمدينة بين علمائها، أشبع مالك رحمه الله في موطئه في هذا الباب وشده وقواه فذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس وسويد بن النعمان وهما إسنادان صحيحان، وذكر فيه عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن عباس وعامر بن ربيعة وأبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله وأبي بن كعب أنهم كانوا لا يتوضؤون مما مست النار»[17].

ومن أمثلة ذلك مسألة الوضوء من مس الذكر، فقد روى فيها عن بسرة بنت صفوان، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وهشام بن عروة عن أبيه.

وكذا الوضوء من قبلة الرجل امرأته، وكذا مسألة المسح على الخفين، ومسألة إفراد الحج، وغير ذلك من المسائل التي عول فيها الإمام رحمه الله على كثرة الرواة، وإلى هذا جنح كثير من أتباعه في الترجيح بكثرة الرواة، من ذلك ما استدل به القاضي عبد الوهاب على أن الكفارة في الصيام على التخيير حيث قال: «فإن قالوا: خبرنا أولى؛ لأن من روى الترتيب أكثر ممن روى التخيير؛ لأن الذي روى التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج، والذين رووا الترتيب: سفيان بن عيينة ومعمر والأوزاعي، والخبر يترجح بكثرة الرواة؛ لأن ذلك أبعد من الغلط، وأقرب إلى التواتر.

قلنا: الأمر على ما قلتم في أن كثرة رواة الخبر مما يرجح به على ما هو أقل رواة منه، لكن هذا قد أخطأتم في قولكم إن رواة التخيير عن الزهري: مالك وابن جريج فقط؛ لأن رواة التخيير عنه أكثر من رواة الترتيب؛ وذلك أن التخيير رواه عنه: مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو أويس، وعمر بن عثمان المخزومي»[18].

ومن ذلك أيضا ما رجح به ابن يونس ما ذهب إليه مالك في كيفية صلاة الخوف على ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، حيث قال: « فالكلام بيننا وبينه في ترجيح الأخبار، فالمصير إلى ما رويناه أولى؛ لأنها عن ثلاثة من الصحابة، وما رووه عن واحد»[19].

وخلاصة ما في هذا الأمر هو أن الإمام رحمه الله في مجال الرواية يرجح أحد الخبرين على الآخر عند التعارض واستوائهما من حيث الحجية والقوة بكثرة القائلين، ما لم يصحب أحد الخبرين عمل أهل المدينة، أو يكون في أحد الطرفين الخلفاء الراشدون أو بعضهم، فيقدم ما به العمل وما صار إليه الخلفاء على الآخر بصرف النظر عن الكثرة.

المطلب الثاني: الترجيح عند الإمام بالكثرة والقوة في مجال الاجتهاد

اختلف عن الإمام مالك رحمه الله في أي المُرجِّحَيْن يتبع عند اختلاف الصحابة والتابعين في الرأي والمسائل الاجتهادية، هل يرجح بكثرة قائل؟، أم بقوة الرأي والدليل، ولا يلتفت إلى كثرة القائلين وقلتهم.

وللإمام في هذا الباب قاعدة وهي أنه متى ما جزم برجحان أحد الرأيين، وتحقق من ذلك أشد التحقق، فإنه في هذه الحالة يتبع ما أداه إليه اجتهاده وما ترجح عنده، ولا ينظر إلى عدد الخصم المخالف قلوا أوكثروا.

قال الإمام القباب -رحمه الله- في أجوبته عن بعض الأسئلة التي وجهها إليه الإمام الشاطبي-رحمه الله-: «الأدلة الشرعية منها ما تتبين قوته تبيينا يجزم الناظر فيه بصحة أحد الدليلين، والعمل بإحدى الأمارتين فها هنا لا وجه لمراعاة الخلاف، ولا معنى له»[20].

وقال ابن رشد الحفيد رحمه الله مبينا العلة فيما يفسخ من الزواج وما لا يفسخ بعد الدخول وقبله عند الإمام: «هذا راجع عنده إلى قوة دليل الفسخ وضعفه، فمتى كان الدليل عنده قويا فسخ قبله وبعده، ومتى كان ضعيفا فسخ قبل ولم يفسخ بعد، وسواء أكان الدليل القوي متفقا عليه أو مختلفا فيه»[21]، فعدم فسخه بعد الدخول ليس من باب العمل بالضعيف، أو ترك المجتهد اجتهاده لاجتهاد غير بل هناك أمور أخرى طرأت على الاجتهاد فتغير لتبدل الأحوال، فحال ما قبل الوقوع في الورطة، ليس كحال الوقوع فيها، فهنا اعتبارات ومصالح ومآلات تصير ما كان مرجوحا قويا، وما كان قويا مرجوحا، كما قال الشاطبي رحمه الله: فيرجع الأمر إلى أن النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع، لما اقترن به من القرائن المرجحة»[22].

ويتجلى هذا المنهج أكثر في إعماله رحمه الله أصل مراعاة الخلاف الذي انبثق عنه -في مرحلة لاحقة من مراحل تكون المذهب المالكي- الاختلاف في مرد مصطلح المشهور هل هو ما قوي دليله؟ أو ما كثر قائله؟، فمالك إذا قطع برجحان أحد الرأيين أو الدليلين، لم يُلق لرأي المخالف أي اعتبار؛ إذ ليس كل خلاف معتبر، وإن كان البعض قد ذهب إلى أنه يراعي من الخلاف المشهور والشاذ، لكن ما حكاه عنه ابن خويز منداد وابن بشير وابن عبد السلام الهواري وغيرهم، وما أثر عنه من الأمثلة في هذا الشأن تُرجح أن الإمام يتبع القوة لا الكثرة، شريطة القطع بصحة ما أداه إليه اجتهاده.

وذهب بعضٌ آخر كما في المعيار للونشريسي -وهو تفصيل حسن- إلى التفرقة بين إنشاء الأحكام  فلا يراعى فيها من الخلاف إلا الخلاف القوي، وبين التصحيح الكلي أو الجزئي للفعل بعد الوقوع فإنه يراعى فيه ما دون المشهور وأحرى المشهور، وبين درء الحدود فيراعى فيها كل خلاف،[23] عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم»[24]، وقول عمر: «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات»[25].

وقد بين رحمه الله منهجه في الترجيح بالكثرة حين سئل عن مفهوم بعض المصطلحات التي يُكثر من استعمالها، فقال: «أما أكثر ما في الكتاب «فرأي» فلعمري ما هو رأيي ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة المقتدى بهم الذين أخذت عنهم، وهم الذين كانوا يتقون الله فكثر علي فقلت:  «رأيي» وذلك إذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم عليه، وأدركتهم أنا على ذلك»[26]، فقوله من من غير واحد وقوله: فكثر علي إشارة صريحة منه رحمه الله في اعتماده رأي الأكثر، لكن هذا لا ينفي عنه أنه لا يرجح ما قوي دليه على ما كثر قائله، فالإمام تارة يغلب قوة الدليل على كثرة القائل، وتارة يغلب كثرة القائل على قوة الدليل، وفي الفقه المالكي من هذا الشي الكثير.

ومن الأمثلة التي راعى فيها الإمام القوة ولم يلتفت إلى الكثرة ما أورده ابن عبد السلام فقال: «وقد أجاز رحمه الله الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه، وأباح بيع ما فيه حق توفية من غير الطعام قبل قبضه، وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، إلى غير ذلك من المسائل ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور، وهذا مما يدل على أن المراعى عنده إنما هو الدليل لا كثرة القائل»[27].

ومن الأمثلة التي راعى فيها الكثرة: مسألة توريث الجدات، فقد ذهب رحمه الله إلى عدم توريث أكثر من جدتين: أم الأب وأم الأم وأمهاتهما متبع في ذلك ما عليه الأكثر، خلافا لما روي عن زيد بن ثابت وعلي بن ابي طالب وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم ورثوا ثلاث جدات، وابن عباس وجابر بن زيد اللذَيْنِ ذهبا إلى توريث أربع جدات[28]، ومن هذا الباب أيضا: ما جاء في المدونة: «قلت: ما قول مالك إذا اجتمع الأضحى والجمعة أو الفطر والجمعة فصلى رجل من أهل الحضر العيد مع الإمام ثم أراد أن لا يشهد الجمعة، هل يضع ذلك عنه شهوده صلاة العيد ما وجب عليه من إتيان الجمعة؟

قال: لا وكان يقول: لا يضع ذلك عنه ما وجب عليه من إتيان الجمعة، قال مالك: ولم يبلغني أن أحدا أذن لأهل العوالي إلا عثمان، ولم يكن مالك يرى الذي فعل عثمان»[29] وكذا مسألة رضاع الكبير، وغير ذلك من المسائل التي كان البعض منها مرده قوة الدليل، والبعض الآخر كثرة القائل.

وخلاصة ما في الباب هو أن الإمام اختلف عنه في هذا الأمر، فنسب إليه البعض من اتباعه الترجيح بقوة الدليل، ونسب إليه البعض الآخر الترجيح بكثرة القائل، وما ورد عنه من الأمثلة تشهد لكلا الطرفين، وذهب آخرون إلى التفصيل، فقالوا لا يراعى من الخلاف قبل الوقوع إلا الخلاف القوي، وبعد الوقوع والإقدام على المنهي عنه، أو عدم الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب، سواء كان ذلك في العبادات أو في المعاملات، يراعى المشهور ومن هو دونه في الشهرة، وفي باب الحدود والجنايات يراعى كل خلاف وإن كان شاذا.

وبناء على هذا الاختلاف، عن مالك في التحول بين مراعاة القوة، وبين مراعاة الكثرة في المسائل الاجتهادية، فإن هذا الموضوع لايزال محتاجا إلى مزيد بحث وتتبع واستقراء، ورصد السبب الذي كان وراء اتباع مالك لقوة الدليل تارة، واتباع كثرة القائل تارة أخرى، حتى يظهر الفرق بين المعنيين، وتنضبط عنه المواضع التي يراعي فيها القوة، والمواضع التي يراعي فيها الكثرة.

المطلب الثالث: الترجيح عند الإمام بالكثرة والقوة في مجال الشهادات والأقضية

اختلف أصحاب مالك في هذه المسألة فمنهم ذهب إلى الترجيح بقوة العدالة، ومنهم من ذهب إلى الترجيح بكثرة العدول، والأكثر على أن الترجيح يكون بقوة العدالة لا بكثرة العدد، وهذا ما توصلت إليه من خلال تتبعي لمسائل المدونة حيث لم يعتبر الكثرة في مجال تعارض البينتين، فالحكم عنده لأقوى البينتين.

روى ابن القاسم رحمه الله في المدونة عن مالك أنه يأخذ بالأقوى والأعدل من البينتين في باب القضاء والشهادة، ولا يلتف إلى كثرة الشهود إن كانوا من هم أقل منهم عددا أعدل، حيث قال مجيبا عن سؤال سحنون رحمه الله: «قلت: أرأيت التكافؤ في البينة، أهو في العدد عند مالك أو في العدالة؟

قال: ذلك عند مالك في العدالة وليس في العدد.

قلت: فرجلان عدلان في هذه الشهادة ومائة رجل سواء عند مالك، إذا كانت عدالة الرجلين وعدالة المائة سواء؟ قال: نعم»[30]

ومن أمثلة ذلك ما جاء المدونة قوله: «بلغني عن مالك، أنه سئل عن الرجل يدعي الشيء ويأتي غيره يدعيه، وليس هو في يد واحد منهما فيأتي هذا ببينة وهذا ببينة؟

قال: قال مالك: ينظر إلى أعدل البينتين وإن قلوا فيقضي بالحق لصاحبهم، فإن كانوا سواء، وكان الذي شهدوا فيه مما يرى الإمام ومنعهم إياه، منعهم حتى يأتوا ببينة أعدل منها»[31].

فهذا ما رواه عنه ابن القاسم رحمه الله ولم يختلف قوله في المدونة أن مالكا رحمه الله يرجح في باب الشهادة بقوة العدالة، قال ابن رشد رحمه الله: «هذا معلوم من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها أن الترجيح بين البيتين إنما يكون بكثرة العدالة لا بكثرة العدد»[32]ونقل ابن رشد عن مطرف وابن الماجشون -رحم الله الجميع- أنهما رويا عن مالك أن الترجيح في باب الشهادة يكون بكثرة العدد، حيث قال: « وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك: أن البينتين إذا استوتا في العدالة، وإحداهما أكثر من الأخرى، قضى بالأكثر عددا»[33]وبالجملة فالمسألة مختلف فيها، والذي أثر عن مالك في هذا الباب أنه يرجح بقوة العدالة ولا اعتبار عنده للكثرة إذا كانت بينة الطرف الآخر أقوى وأعدل.                         

خاتمة ونتائج البحث:

تضاربت الآراء حول مسألة الترجيح بالقوة والترجيح بالكثرة وأيهما يقدم عند التعارض لدى الإمام مالك رحمه الله، فمن الفقهاء من نسب إليه الترجيح بالقوة، ومنهم نسب إليه الترجيح بالكثرة، ولكل فريق من هؤلاء أدلة على ما ادعاه، لكن ما خلص إليه البحث هو أن المسألة فيها تفصيل وتفرقة بين ثلاثة مجالات:

في مجال الرواية يرجح الإمام مالك رحمه الله عند التعارض أحد الخبرين على الآخر بكثرة القائلين، بشرط أن يستوي رواة الخبرين في العدالة، فيقدم الذي رواته أكثر على الذي رواته أقل، وألا يصحب أحد الخبرين عمل أهل المدينة، وألا يكون في أحد الجانبين الخلفاء الراشدون أو أحدهم.

في مجال الشهادات والأقضية تقدم القوة على الكثرة على الرأي الراجح، وهو الذي رواه عنه ابن القاسم في المدونة، وعَمَلُ أكثر أتباعه على هذا، كما تشهد بذلك كتب النوازل والأحكام.

في مجال الرأي والاجتهاد، اختلف عنه في هذا المجال، فتارة يميل مع قوة الرأي والاجتهاد، وتارة يميل مع كثرة القائلين، وما أثر عنه من الأمثلة في هذا الشأن لا تكاد تسير على نسق واحد، فمنها ما مرده قوة الدليل، ومنها ما مرده كثرة القائل، لكن هناك ملامح تشير إلى منهجه في هذا الباب وهي أن ما كان الحق فيه لله كالمسائل التعبدية وغيرها مما لا يعقل معناه، لا ينظر فيها إلا لقوة الدليل، شريطة القطع التام بما استدل به وبدلالته، وما جاء من التصحيحات لبعض العبادات بعد الوقوع، فهو راجع إلى عدم القطع بدلالة الدليل أو بالدليل نفسه.

وما كان الحق فيها للآدمي كالمعاملات وبعض أحكام الأسرة مما يعقل معناه، فإن يلتفت فيه إلى القائل المخالف، ومن هنا جاءت تصحيحاته لبعض البيوعات الفاسدة بالفوات، وبعض أنواع الأنكحة الفاسدة بالدخول، مراعاة للمصلحة، فما بعد الدخول ليس كقبله؛ لما قد يترتب عن ذلك من مفسدة تفكيك الارتباط الأسري، فمحافظة المجتهد على هذه الحالة على ما هي عليه، – وذلك بتنازله عن لازم دليله للازم دليل خصمه مراعاة للمصالح ودرءا للمفاسد – أولى من طرد دليله والسير على نسق واحد.

ويبقى هذا انطباع غير محرر، مما يستدعي تعميق البحث في هذا الأمر واستقراء أكبر قدر ممكن من الوقائع والأمثلة التي وردت عن الإمام، قصد التوصل إلى قاعدة ضابطة لمرد الاعتماد على القوة، ومرد الاعتماد على الكثرة عند الإمام في مجال الاجتهاد والرأي.


المصادر والمراجع:

– ابن أبي شيبة، المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، ط:1، 1409هـ.

– ابن رشد (الجد)، محمد بن أحمد، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، تحقيق: محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط:2، 1408هـ – 1988م.

– ابن رشد (الحفيد)، أبو الوليد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق: عبد الله العبادي، دار السلام للطابعة والنشر والتوزيع، ط:1، 1416هـ – 1995م.

– ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ.

– ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط:1، 1414هـ – 1994م.

– الهواري، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي، شرح جامع الأمهات، تحقيق: أحمد نجيب الشريف، مركز نجبويه، ط: 1، 1440هـ – 2019م.

– ابن العربي، أبو بكر، أحكام القرآن، تعليق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط:3، 1424هـ – 2003م.

– ابن العربي، أبو بكر، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، التحقيق: بدون، دار الكتب العلمية.

– ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر، التحقيق: بدون، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ط:2، 1423هـ – 2002م.

– ابن النجار، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد الحنبلي، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير، تحقيق: محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، ط:2، 1418هـ – 1997م.

– ابن يونس الصقلي، الجامع لمسائل المدونة، تحقيق: مجموعة باحثين، معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي – جامعة أم القرى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط:1، 1434 هـ – 2013م.

– آل تيمية، المسودة في أصول الفقه، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي.

– الباجي، أبو الوليد، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق: محمد عبد الله الجبوري، مؤسسة الرسالة، ط:1، 1989م.

– الباجي، أبو الوليد، المنهاج ترتيب الحجاج، تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، ط:3، 2001م.

– البراذعي، خلف بن أبي القاسم، التهذيب في اختصار المدونة، تحقيق: محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، ط:1، 1423 هـ – 2002 م.

– الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي، تحقيق بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1998م.

– سحنون بن سعيد، المدونة، التحقيق: بدون، مطبعة السعادة، مصر، د. ت.

– الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تحقيق: عبد الله دراز، دار الفكر العربي.

– الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق: أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، دمشق، كفر بطنا، ط:1، 1419هـ – 1999م.

– القاضي عبد الوهاب البغدادي، شرح الرسالة، إخراج: أبو الفضل الدمياطي أحمد بن علي، دار ابن حزم ط:1، 1428هـ – 2007م.

– القاضي عياض، أبو الفضل بن موسى اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق: محمد بن تاويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ط: 2، 1983م.

– الوانوغي، أبو عبد الله، تعليقة على تهذيب المدونة، تحقيق: أحمد بن عبد الكريم نجيب وحافظ بن عبد الرحمن خير، ط:1، 2014م.

– الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، أخرجه جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف المغربية، ط:1.


[1] ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق أبي الأشبال الزهيري، نشر دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط1، 1994م، ج2، ص906.

[2] ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، م. س، ج2، ص 885.

[3] الهواري، أبو عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي، شرح جامع الأمهات، تحقيق أحمد نجيب الشريف، مركز نجيبويه، ط 1، 2019م، ج1، 261.

[4] الهواري التونسي، شرح جامع الأمهات، م. س، ج1، ص261.

[5]   ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، تعليق محمد عبد القادر عطا، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1424هـ – 2003م، ج1، ص 621.

[6] آل تيمية، المسودة في أصول الفقه، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، ص 305.

[7] البراذعي، خلف بن أبي القاسم، التهذيب في اختصار المدونة، تحقيق محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، ط1، 1423 هـ – 2002 م، ج1، ص 233.

[8] الوانوغي، أبو عبد الله، تعليقة على تهذيب المدونة، تحقيق أحمد بن عبد الكريم نجيب وحافظ بن عبد الرحمن خير، ط1، 2014م، ج1، ص 177.

[9] القاضي عبد الوهاب، البغدادي، شرح الرسالة، إخراج أبو الفضل الدمياطي أحمد بن علي، دار ابن حزم، ط1، 1428هـ – 2007م، ج1، ص 290.

[10] الباجي، أبو الوليد، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق محمد عبد الله الجبوري، مؤسسة الرسالة، ط1، 1989م، ص 743. ينظر الباجي، أبو الوليد، المنهاج في ترتيب الحجاج، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، ط3، 2001م، ص 223.

[11] الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، دمشق، كفر بطنا، ط1، 1419هـ – 1999م، ج2، ص 264.

[12] ابن النجار، تقي الدين أبو البقاء محمد بن أحمد الحنبلي، مختصر التحرير شرح الكوكب المنير، تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد، مكتبة العبيكان، ط2، 1418هـ – 1997م، ج4، ص 628.

[13] ابن قدامة، المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 2002م، ج2، ص 392.

[14] القاضي عياض، أبو الفضل بن موسى اليحصبي، ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تحقيق محمد بن تاويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ط 2، 1983م، ج2، ص73.

[15] الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى، سنن الترمذي تحقيق بشار عواد، ج4، ص 341.

[16]   ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، دار الكتب العلمية، ج 10، ص 147.

[17] ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ، ج3، ص 338.

[18] القاضي عبد الوهاب، شرح الرسالة، م. س، ج1، ص 290.

[19] ابن يونس الصقلي، أبو بكر محمد بن عبد الله، الجامع لمسائل المدونة، تحقيق مجموعة باحثين، نشر معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2013م، ج3، ص 915.

[20] الونشريسي، أبو العباس أحمد بن يحيى، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمغرب، أخرجه جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف المغربية، ط1، 1981م، ج6، ص 388.

[21] ابن رشد (الحفيد)، أبو الوليد محمد بن أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق عبد الله العبادي، دار السلام للطابعة والنشر والتوزيع، ط1، 1995م، ج3، ص 1374-1375.

[22] الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تحقيق عبد الله دراز، دار الفكر العربي، ج 5، ص 190.

[23] الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب، م. س، 38/ 12.

[24] الترمذي، سنن الترمذي، م. س، ج 3، ص 85.

[25] ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن إبراهيم، المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، ط1، 1409هـ، ج5، ص 511.

[26] القاضي عياض، ترتيب المدارك، م. س، ج2، ص 74.

[27] الهواري التونسي، شرح جامع الأمهات، م. س، ج1، ص261.

[28] ينظر: ابن يونس الصقلي، الجامع لمسائل المدونة، م. س، ج21، ص 469.

[29] سحنون بن سعيد، المدونة، مطبعة السعادة، مصر، د. ت، ج1، ص 233.

[30] سحنون، المدونة، م. س، ج4، ص 46.

[31] م. ن، ج4، ص 45.

[32] ابن رشد (الجد)، محمد بن أحمد، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، تحقيق محمد حجي وآخرون، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، ط2، 1408هـ – 1988م، ج10، ص 228.

[33] م. ن، ج10، ص 228.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.