منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نصيحة ثمينة وغالية

الدكتور محمد يسري إبراهيم من مصر

0

نصيحة ثمينة وغالية
بقلم: الدكتور محمد يسري إبراهيم من مصر

تراجع القاضي الشوكاني رحمه الله تعالى عن التكفير بعد نضجه العلمي، وسطّر لنا نصيحة ثمينة، تستحق القراءة والتأمل، والعمل بمقتضاها وحاصلها:

أن تنتقد الفكرة، مع التماس العذر لقائلها، أو على الأقل عدم الحكم عليه بالكفر والضلال.

فقد ذكر الشوكاني رحمه الله في كتابه *البدر الطالع 2/ 34* أنه في عنفوان شبابه ألف رسالة في كراريس سماها *الصوارم الْحداد القاطعة لعلائق مقالات أَرْبَاب الِاتِّحَاد* حكم فيها بكفر من تُنسب إليه مقالات الحلول والاتحاد كابن عربي وأمثاله فقال: *قد أوضحت في تلك الرسالة حال كل واحد من هؤلاء وأوردت نصوص كتبهم وبينت أقوال العلماء في شأنهم، وكان تحرير هذا الجواب في عنفوان الشباب*، ولما شاخ الشوكاني في السنّ والعلم ، وخَبَر الحياة وأحوال الناس واختلافاتهم؛ تراجع ودوَّن لنا هذه النصيحة فقال:

*وأنا الآن أتوقف في حال هؤلاء وأتبرأ من كل ما كان من أقوالهم وأفعالهم مخالفاً لهذه الشريعة البيضاء الواضحة التى ليلها كنهارها ولم يتعبدني الله بتكفير من صار في ظاهر أمره من أهل الإسلام*

وهبْ أنّ المراد بما في كتبهم وما نقل عنهم من الكلمات المستنكرة المعنى الظاهر والمدلول العربي، وأنه قاض على قائله بالكفر البواح والضلال الصراح ، فمن أين لنا أن قائله لم يتب عنه، ونحن لو كنا في عصره بل في مصره بل في منزله الذي يعالج فيه سكرات الموت لم يكن لنا إلى القطع بعدم التوبة سبيل؛ لأنها تقع من العبد بمجرد عقد القلب مالم يغرغر بالموت فكيف وبيننا وبينهم من السنين عدة مئين.
ولا يصح الاعتراض على هذا بالكفار، فيقال هذا التجويز ممكن في الكفار على اختلاف أنواعهم ؟

لأنا نقول: *فرقٌ بين من أصلُه الإسلام ومن أصله الكفر، فإن الحمل على الأصل مع اللَّبس هو الواجب لاسيما والخروج من الكفر إلى الإسلام لا يكون إلا بأقوال وأفعال لا بمجرد عقد القلب والتوجه بالنية المشتملين على الندم والعزم على عدم المعاودة فإن ذلك يكفي في التوبة ولا يكفي في مصير الكافر مسلما* وأيضا فرقٌ بين كفر التأويل وكفر التصريح ؛ على أنّى لا أثبت كفر التأويل كما حققته في غير هذا الموطن، وفي هذه الإشارة كفاية لمن له هداية ، وفي ذنوبنا التى قد أثقلت ظهورنا لقلوبنا أعظم شغلة وطوبى لمن شغلته عيوبه ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه فالراحلة التى قد حملت ما لا تكاد تنوء به إذا وضع عليها زيادة عليه انقطع ظهرها وقعدت على الطريق قبل وصول المنزل

وبلا شك أن التوثب على ثلب أعراض المشكوك في إسلامهم فضلا عن المقطوع بإسلامهم جراءةٌ غير محمودة، فربما كذب الظن، وبطل الحديث، وتقشعت سحائب الشكوك، وتجلت ظلمات الظنون، وطاحت الدقائق، وحقت الحقائق، وأن يوما يفر المرء من أبيه ويشح بما معه من الحسنات على أحبابه وذويه لحقيقٌ بأن يحافظ فيه على الحسنات ولا يدعها يوم القيامة نهبا بين قوم قد صاروا تحت أطباق الثرى قبل أن يخرج إلى هذا العالم بدهور وهو غير محمود على ذلك ولا مأجور فهذا مالا يفعله بنفسه العاقل …..)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.